تمت عملية الاشتراك بنجاح

إغلاق

عذراً، أنت مشترك مسبقاً بالنشرة البريدية

إغلاق
اشترك

الاستمرار بالحساب الحالي

كثُرت التساؤلات مؤخراً عن جدوى وجود الحرم الجامعي خاصة بعد معايشتنا تجربة التحول الرقمي والتعلّم عن بعد خلال جائحة "كوفيد-19". كثيرون يستبعدون فكرة اختفاء الحرم الجامعي لدوره في تشكيل شخصية الطالب وأهميته في التواصل الاجتماعي والإنساني. ولكن في الوقت نفسه يجب أن نعترف بأننا مقبلون على تحول جذري لما تقدمه الجامعات من معارف ومهارات بطرق تختلف تماماً عما كانت عليه في السابق.

في الحقيقة، لدينا تصورات عديدة حول شكل التعليم بعد "كوفيد-19″، خاصة بعد التحول الرقمي وتطبيق نموذج التعليم الهجين، لكن، هل لدينا ما يضمن استدامة هذا النموذج؟ وهل لدينا أي تصور حول الحرم الجامعي المستقبلي؟ وهل مؤسسات التعليم تحتاج فعلياً إلى التغيير؟

ديناميكية التغيير

بتحليلات سريعة لواقع مؤسسات التعليم العالي، نجد أن المستقبل سيفرض واقعاً جديداً علينا التخطيط له من الآن، وسأوضح فكرتي بمقارنة سريعة بين "مراكز التسوق الكبيرة" و"الجامعات" وإن استغرب البعض هذه المقارنة!

مراكز التسوق فكرة تطورت على مر الزمان، حيث أراد فكتور غروين الذي يُطلق عليه "أب مولات التسوق" أن تكون هذه المراكز عبارة عن مكان للتواصل الاجتماعي والترفيهي يتناول الناس فيه الغداء والقهوة وسط مساحات طبيعية، وصولاً لفكرة ثقافية جمالية وليست تجارية بحتة، لكن سرعان ما تحولت الفكرة واستغلت بشكل تجاري لضمان ديمومة العمل وتغطية التكاليف لتصبح عبارة عن محال تجارية تصطف بعضها بجانب بعض.

ووفقاً لدارسة "ماكنزي" بعنوان "مستقبل مراكز التسوق وكيف أصبحت واقعاً اليوم؟" مع التطور التكنولوجي ودخول التسوق "أونلاين"، بدأت مراكز التسوق تتحرك بشكل آخر وتعيد تشكيل ذاتها لتحتفظ بروادها، فعادت تركز على الترفيه مع الابتكار في المساحات لتضمن استمرارية استقطابها للشباب.

على مستوى التعليم الجامعي نجد فكرة مشابهة، حيث يُفسح المجال للطالب لإدارة فرصته التعليمية وفق قدراته من خلال "نظام الساعات المعتمدة" الذي يمنحه حرية اختيار المواد وفق قدراته الفردية، بما يمكّن الطالب المتميز من إنهاء دراسته في سنوات أقل، على سبيل المثال، يمكنه الحصول على البكالوريوس في ثلاث سنوات، ولكن واقع التطبيق لم يكن كما أراده أصحاب هذا الفكر؛ فالدراسة الجامعية وضعت في قالب واحد وبعدد سنوات موحد للجميع، ولم يعد لصبغة الفردية والفروق الطلابية وجود.

ومع تسارع التطور التكنولوجي والتحول الرقمي، بدأ البعض يسعى للخروج عن هذا القالب، وربما كانت جائحة "كوفيد-19" سبباً قوياً لتسريع التغيير بما يمكّن من العودة للفكرة الأساسية المعنية بتوفير تعليم نوعي مرن يراعي الفردية واختلاف القدرات، ويسمح باستكمال الدراسة وفق استعداد الطالب دون قيود زمنية.

وهناك العديد من الجهود التي أفرزت تطبيقات تدعم الفكرة الأساسية والتي تندرج تحت فئة "الدورات المفتوحة المكثفة على الإنترنت" (Massive Open Online Courses)، ومنها: "لينكد إن ليرنينغ" (LinkedIn Learning)، و"خان أكاديمي" (Khan Academy)، و"كلاود أكاديمي" (Cloud Academy)، وغيرها.

إذن، كيف نواجه تحدي احتمالية اختفاء الحرم الجامعي؟ وما البديل المستقبلي؟

الجامعات بحاجة إلى مواكبة سرعة التغيير لتبقى ضمن دائرة التنافس كمزود خدمات تعليمية ومستقطب للطلاب عن طريق تعزيز عوامل جذبهم، خاصة بعد نجاحهم في مواصلة دراستهم عن بُعد خلال جائحة "كوفيد-19″، لتصبح فكرة استغنائهم عن الحضور للحرم الجامعي حاضرة وبقوة.

تصور مستقبلي عن الحرم الجامعي الهايبر هجين

الإجابة عن السؤال السابق تكمن فيما أسميه "الحرم الجامعي الهايبر هجين" (The Hyper Hybrid Campus)، الذي أقدّم من خلاله رؤية جديدة للحرم الجامعي تتفوق على "التقليدي" لأنها تقدم حلاً فعالاً لتعزيز الدراسة الحضورية التي لا غنى عنها خاصة في التعليم التطبيقي، فالحرم الجامعي الهايبر هجين يجمع ما بين: التعليم الحضوري، والتعلم عن بُعد، وثقافة الترفيه، وقد يجادل البعض أن مفهوم الترفيه كان وما زال ضمن النشاط الجامعي ولكن مع إتاحة التعلم عن بُعد كركن أساسي لمنظومة التعليم الهجين، أصبحت ثقافة الترفيه أكثر أهمية وفعالية وجذباً لطلاب الحرم الجامعي وداعماً للسعادة والإيجابية وجودة الحياة في بيئة التعليم.

يعتمد هذا التصور على قناعة بأن الحرم الجامعي لن يختفي بل سيتطور مستقبلاً، وأن التواصل الاجتماعي والإنساني الحقيقي لا بديل عنه في تطوير المهارات، فالابتكار يتحقق بالتواصل المباشر، كما أن التعلّم عن بُعد لا يلبي جميع احتياجات التعليم وخاصة التطبيقية. ولن ننسى أن سوق العمل لا يزال يعتمد الشهادة الجامعية للتوظيف رغم منافسة المهارات التطبيقية.

إعادة هندسة المبنى الجامعي وفق نموذج الحرم الجامعي الهايبر هجين

وفق نموذج الحرم الجامعي الهايبر هجين، فإننا أمام ركيزتين هما: التعليم وثقافة الترفيه.

أولاً: ركيزة التعليم الهجين (Hybrid)

يقصد بها التعليم "الهجين" بشقيه وهما "التعليم الحضوري" (ON CAMPUS) و"التعلّم عن بُعد" (ONLINE)، وهو النموذج الذي طُبق كأفضل خيار تعليمي خلال الجائحة، ولكنه لم يأخذ شكله المتكامل في التطبيق نظراً لتطورات الجائحة، حيث كان معيار الدراسة الحضورية مقابل الدراسة عن بُعد يُحدد وفق الحاجة الصحية وليس التعليمية، وقد سبق وطرحت تصوراً متكاملاً حول ذلك في مقال بعنوان: "هل التعليم الهجين حقاً هجين؟".

والحقيقة أن الجمع بين التعليم الحضوري والتعلم عن بُعد في نموذج "الهجين" ليس هو الجديد، ولكن كيفية تطبيقه وإعادة هندسة الحرم الجامعي في ظل "الهجين" هو ما سيضمن لنا الاستدامة:

التعليم الحضوري

مع التطبيق المتكامل للتعليم "الهجين" ستتعاظم في الحرم الجامعي الهايبر هجين قيمة "التعليم الحضوري" لصالح الدراسة التطبيقية على حساب المساحات المخصصة للدراسة النظرية، بما يخلق بيئة تفاعلية تدعم التطور العملي للطلاب وتعزز فرصهم المهنية، ليتضمن الحرم الجامعي وفق ذلك الآتي:

  • تحويل المساحات المخصصة للفصول الدراسية إلى مساحات للتعلم التطبيقي (ورش ومختبرات متطورة للتطبيق وأدوات محاكاة وتصميم وغير ذلك).
  • خلق مساحات خاصة لتطوير الأفكار والابتكار وممارسة الأنشطة الاقتصادية الطلابية (حاضنات أعمال).
  • خلق مساحات لتطوير المهارات وخاصة مهارات الثورة الصناعية الرابعة (التواصل والتعاون، والتفكير الناقد، والتحول الرقمي، والقيادة والذكاء العاطفي).

التعلم "عن بُعد"

التعلم عن بُعد لكل ما لا يتطلب الحضور الطلابي، وذلك للدراسة ذات البعد المعرفي كمُخرج أساسي إضافة إلى المهارات التي تعتمد أنظمة المحاكاة الإلكترونية، وكذلك تقديم الخدمات الطلابية إلكترونياً من خلال "الحرم الهجين الرقمي" ما يوفر الوقت والجهد على الطالب والموظف معاً.

وأمام الركيزة الأولى لنموذج الحرم "هايبر هجين" سنحقق العديد من الفوائد كالتالي:

  • استقطاب عدد أكبر من الطلاب لعدم ارتباط القبول بالطاقة الاستيعابية.
  • إمكانية استقطاب أعضاء هيئة تدريسية من ذوي الكفاءات العالمية للتدريس عن بُعد، خاصة للتخصصات الدقيقة، دونما حاجة إلى استقدامهم للتدريس داخل الحرم الجامعي.
  • إعادة هيكلة الوظائف الإدارية ضمن خيارات تسمح بالعمل من داخل المؤسسة أو عن بُعد.
  • إعادة هندسة المباني بالتركيز على الجانب التطبيقي والمهاري ودعم بيئة الابتكار وريادة الأعمال والحياة الطلابية اللاصفية.

ثانياً: ركيزة ثقافة الترفيه الهجينة

تمثل هذه الركيزة عامل جذب كبير للطلاب، وتعد حلاً فعالاً للتحدي المتعلق بمقاومتهم لفكرة الدراسة في الحرم الجامعي وقناعتهم بأن التعلم عن بُعد كاف بالنسبة لهم، بمعنى أن الحرم الجامعي الهايبر هجين هو مجمع متكامل تعليمي وتطبيقي وترفيهي للطالب.

نوعية الترفيه في الحرم الجامعي الهايبر هجين يأخذ بعين الاعتبار: طبيعة الجيل الرقمي وشغفه، وآراء الشباب حول ما يفضلونه من أنشطة، والمرونة لمواكبة التغييرات المتسارعة في اهتمامات الشباب، إضافة إلى الحداثة والتميز في التصاميم للمرافق الترفيهية منها: القاعات الرياضية، والملاعب ودور السينما والمطاعم والمقاهي وغيرها من أماكن الترفيه.

نتائج التحول الى حرم جامعي هجين

تُحول الجامعات إلى مختبرات للإبداع والابتكار وإلى ملتقيات علمية تدريبية ترفيهية تجمع الطلاب باختلاف قدراتهم لتطوير ذواتهم، وتقديم التعليم "النظري المعرفي" كخدمة عن بُعد للطالب وتعزز من اعتماده على ذاته، كما يمكن الاستثمار الأمثل في الموارد وإعادة هندسة الميزانيات لصالح تطوير المهارات والمواهب، وبالتالي الوصول إلى مرحلة البقاء للأفضل، حيث سيحافظ الأكثر قدرة على التطور الذكي على حضوره كخيار تعليمي أمام الطلاب في ظل تنوع الخيارات التعليمية كنتاج للتعلم عن بُعد وما يحكمها من عوامل اقتصادية.

  • إعادة تطبيق الفكر الأساسي الذي قام عليه التعليم الجامعي والمتمثل في "نظام الساعات".
  • تمكين الجامعات من تخريج مبتكرين ورواد أعمال من خلال حاضنات الأعمال.
  • إستعادة مكانة الحرم الجامعي بعد التأثيرات التي فرضها التحول الرقمي.

"هايبر هجين" (The Hyper Hybrid Campus) على المدى البعيد

هذا الفكر المتعلق بحرم جامعي هجين يجمع ثلاثية: التعليم الحضوري والتعلّم عن بُعد وثقافة الترفيه في نموذج واحد متكامل، ويفتح المجال للتميز والفردية والفرص المستقبلية، ونتوقع أن نصل في المستقبل إلى:

  • بيرسونا المستقبل (Future Persona 4.0): تعني "سمات إنسان المستقبل" التي يجب أن يتمتع بها الطالب من جيل الثورة الصناعية الرابعة، وتشمل: "بيرسونا رقمية" و"بيرسونا احترافية" و"بيرسونا ريادة الأعمال".
  • "مناهج فردية": يمكن أن نرى مستقبلاً إنتاج برامج فردية لكل طالب تتناسب مع تفضيلاته وقدراته عبر تحليل "البيانات الضخمة" باستخدام الذكاء الاصطناعي.
  • "محترف تعلم": مع التحول الرقمي ستتطور قدرات الطالب ليصبح أكثر قدرة على تعزيز بنائه المعرفي والمهاري وفق أهدافه المستقبلية، بما نسميه "محترف تعلّم".

الحرم الجامعي الهايبر هجين بشقيه التعليمي والترفيهي يمثل ثقافة مستقبلية مستدامة لبيئة التعليم الجامعي تضمن المرونة والتطور والاستمرارية وصولاً للبقاء ضمن دائرة التنافس، فهو فكر يعيد للتعليم العالي تميزه من حيث القدرات الفردية ويثير المتعة والشغف للتعلم لهذا الجيل، ما يدعم تطوير المهارات ويعزز فرص الشباب في التوظيف وبناء مستقبلهم المهني.

يُعد الحرم الجامعي الهايبر هجين فكراً جديداً يقدم إجابات عن العديد من النقاشات الدائرة حول مستقبل الحرم الجامعي في مواجهة التحول الرقمي، إذ يحقق المعادلة الخاصة بالموازنة ما بين التعليم الحضوري مقابل قوة جذب التعلّم عن بعد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الاميركية 2022