في إحدى شركات الخدمات المالية العالميّة التي عملنا معها، قام أحد العملاء القدماء للشركة وبشكل غير مقصود بتقديم الطلب نفسه لمكتبين اثنين. وبالرغم من أن المفترض أن يقوم الموظفون بمراجعة الملف واتباع نفس الإجراءات -ومن ثم الوصول إلى النتائج ذاتها- إلا أن هذا العميل حصل من المكتبين على عرضين للأسعار باختلاف كبير بينهما. تفاجأ العميل بما حصل، وقرر أن يتعامل مع شركة منافسة أخرى.

تتوقع الشركة أن يكون أداء الموظفين العاملين في نفس الوظيفة متشابهاً، ولكن لم يكن الأمر كذلك في هذه الحالة. وهذه مع الأسف مشكلة شائعة في الشركات.

يتم تعيين الموظفين المهنيين في العديد من المؤسسات بشكل اعتباطي في كثيرٍ من الأحيان: المُقيمون في شركات التصنيف الائتماني، أو الأطباء في غرف الطوارئ، أو موظفو اكتتاب القروض والتأمين، وغيرهم. تتوقع الشركات نوعاً من الاتساق والتوافق في عمل هؤلاء الموظفين، بمعنى أن يتم التعامل مع الحالات المتطابقة بطريقة متشابهة على الأقل إن لم تكن متماثلة. الإشكال هو أنه لا يمكن الثقة دوماً بقدرة الإنسان على اتخاذ القرارات، فأحكامه دوماً تتأثر بعوامل خارجية، كالمزاج أو الطقس أو الوقت الذي تناول فيه آخر وجبة طعام. ونطلق مصطلح التشويش على هذه الحالة التي تزيد فيها فرص تقلب الأحكام. إنها تكلفة خفية هامشية في العديد من الشركات.

بعض الوظائف ليست عرضة للتشويش. موظف البنك أو البريد مثلاً يقوم بمهام معقدة، ولكنه يتبع قواعد صارمة من شأنها أن تحدّ من تدخل حكمه الشخصي وتضمن بطبيعتها التعامل مع القضايا المتماثلة بطريقة موحدة. وذلك بخلاف الطبيب أو مدير المشروع أو القاضي أو المدير التنفيذي، إذ عادة ما يضطرون لاتخاذ قرار ما بناء على خبرتهم الشخصية ومبادئ عامة، لا على قواعد صارمة وموحدة. وفي حال لم يصل أي من هؤلاء إلى جواب يتماثل مع جواب زميل آخر من نفس المجال، فإن هذا يكون مقبولاً؛ لأن هذا هو المقصود بقولنا أن القرارات "مبنية على محاكمة من يتخدها". إن الشركة التي يعتمد موظفوها على تقديم الأحكام تدرك أن القرارات الصادرة عنهم لن تكون خالية من التشويش تماماً. إلا أن التشويش في الواقع يتجاوز المستوى الذي يعدّه المسؤولون التنفيذيون محتملاً، كما أنهم لا يتنبهون إليه على الإطلاق.

إن انتشار ظاهرة التشويش أمر مثبت في العديد من الدراسات، فقد أكد الباحثون الأكاديميون مراراً وتكراراً أن الموظفين المهنيين كثيراً ما يتناقضون مع قرارات اتخذوها في الماضي، حتى عند معالجة البيانات ذاتها في مواقف مختلفة. فحين طُلب على سبيل المثال من موظفي تطوير البرمجيات في يومين مختلفين تحديد الزمن المتوقع لإتمام مهمّة ما، كان معدل نسبة الاختلاف بين الإجابتين 71%. وحين قام عدد من الأطباء بإجراء تقييمين لتحديد خطورة نتائج فحص الخزعة، كانت نسبة التوافق بين إجاباتهم 0.61 فقط (بدلاً من 1.0)، وهذا يعني أنّهم كثيراً ما قاموا بتشخيصات متباينة لحالات متشابهة. أما الأحكام التي تصدر عن أشخاص مختلفين فهي أكثر عرضة للاختلاف بطبيعة الحال. لقد أثبتت الأبحاث أنّ قرارات الخبراء في العديد من المهام متغيرة إلى حدّ كبير: تصنيف أسهم الشركات أو تقييم العقارات أو إصدار الحكم على متهم ما أو تقييم أداء العمل أو تدقيق البيانات المالية، وغير ذلك من المجالات. والخلاصة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الموظفين في مختلف المجالات المهنية كثيراً ما يتخذون قرارات تختلف بشكل كبير عن القرارات التي يتخذها أقرانهم، بل وحتى عن قرارات شخصية سابقة، كما تحيد عن القواعد التي يدعون أنهم يتقيدون بها.

وكثيراً ما يكون لهذا التشويش عواقب وخيمة وإن كانت خفية، فهو يسبب خسائر مالية كبيرة حتى في أكثر الشركات نجاحاً ودون أن تدرك ذلك. ولنساعدك في تقدير حجم هذه الخسائر، سألنا مدراء تنفيذيين في إحدى الشركات التي درسناها: "لنفترض أنّ التقييم المثالي لتكلفة قضية ما هو 100,000 دولار، فما التكلفة التي تتكبدها الشركة لو أنّ الموظف المسؤول رفع هذا التقييم إلى 115,000 دولار؟ وما تكلفة تقييمها بمبلغ 85,000 دولار؟". لقد كانت التكلفة عالية جداً. وحين تحسب الخسائر التي يتسبب بها عامل التشويش سنوياً، فإنها تصل إلى مليارات الدولارات، وهذه خسائر لا يمكن القبول بها حتى في الشركات العالمية الكبرى. وعليه فإن قيمة خفض مستوى التشويش ولو بنسب قليلة ستبلغ عشرات الملايين من الدولارات، علماً أن الشركة أصلاً تهمل قضية الاتساق في اتخاذ القرارات حتى تلك اللحظة.

من المعروف أن التخمينات والقرارات التي تتولد عن قواعد إحصائية بسيطة تكون عادة أكثر دقة من تلك التي يتوصل إليها الخبراء، حتى لو كانوا أقدر على الوصول إلى معلومات أكثر مما تتيحه الصيغ الحسابية. ولعل الكثيرين لا يدركون أن ميزة الخوارزميات هي أنها لا تتأثر بالتشويش، على عكس الإنسان. فالمعادلة ستعطيك النتيجة عينها دائماً إن استخدمت نفس المدخلات. هذا المستوى العالي من الاتساق يجعل أبسط الخوارزميات قادرة على تحقيق مستوى أعلى من الدقة حتى بالمقارنة مع المختصين. (هنالك طبعاً حالات لا يمكن بها الاعتماد على الخوارزميات لأسباب عملية أو سياسية كما سنرى لاحقاً).



سنوضح في هذه المقالة الفرق بين التشويش والتحيز، وسننظر في الطرق التي يمكن للمدراء التنفيذيين من خلال اتباعها التحكم بمستوى التشويش وتأثيره في شركاتهم. ثم سنتحدث عن طريقة غير مكلفة، وغير مستغلة بالقدر الكافي، لبناء خوارزميات للحد من التشويش، كما سنوضح إجراءات يمكن من خلالها تعزيز مستوى الاتساق حين لا يكون في الإمكان الاعتماد على الخوارزميات.

الفرق بين التشويش والتحيز


حين ينظر الناس إلى الأخطاء المتعلقة بالأحكام والقرارات فإنهم عادة ما يعزونها إلى تحيزات اجتماعية كالصور النمطيّة عن الأقليّات، أو إلى تحيزات إدراكية، كالثقة المفرطة في النفس أو التفاؤل غير المنطقي. أمّا ذلك المتغير المزعج الذي أسميناه "التشويش" فهو نوع مختلف من الخطأ. ولتقدير الفرق بين الأمرين فكّر مثلاً بالميزان المنزلي. يمكن أن نقول إن الميزان متحيز إن كانت قراءاته عادة إما عالية جداً أو منخفضة جداً. أما إن كان الوزن الذي يظهر يتغير بتغيّر المكان الذي تضع عليه قدميك فإن الميزان مشوّش. فالميزان الذي يعطيك قراءة أعلى من وزنك الحقيقي بأربعة كيلوغرامات بشكل مستمر يعدّ ميزاناً متحيزاً ولكنه لا يعاني من التشويش. أما الميزان الذي يعطيك قراءتين مختلفتين حين تقف عليه مرتين فهذا فيه تشويش. وعادة ما يكون مصدر كثير من الأخطاء في التقدير هو التحيز والتشويش معاً، كما هي الحال في معظم آلات الوزن الرخيصة، فهي متحيزة ومشوشة في آن معاً.

وللحصول على توضيح بصري انظر إلى نقطة الهدف في الصورة "تأثير التشويش والتحيز على الدقة"، حيث تظهر نتائج ممارسة التصويب على الهدف لفرق تتألف من أربعة أشخاص، حيث يقوم كل شخص من المجموعة بالتسديد مرة واحدة:

  • الفريق (أ) يتمتع بالدقة: رميات أعضاء الفريق في دائرة الهدف وقريبة من بعضها. أما الفرق الثلاثة الأخرى فلم تكن دقيقة، ولكن كل فريق بطريقة مختلفة:

  • الفريق (ب) يعاني من التشويش: كانت رميات أعضاء الفريق حول مركز الهدف ولكنها مشتتة إلى حد كبير.

  • الفريق (ج) متحيز: فالرميات كانت خارج مركز الهدف، ولكنها متجمعة معاً في ناحية واحدة.

  • الفريق (د): متحيز ومشوش في نفس الوقت.


يظهر عند المقارنة بين الفريقين (أ) و (ب) أن الزيادة في التشويش تقلل مستوى الدقة حين لا يكون هناك تحيز. أما مع وجود التحيز، فإن زيادة التشويش قد تؤدي إلى ضربة موفقة نتيجة صدفة محظوظة، كما حدث مع الفريق (د). ومن المعروف أنه ما من مؤسسة تعتمد على الحظ بشكل مطلق. والنتيجة أن التشويش أمرٌ غير مرغوب أبداً، ويمكن أحياناً أن يتسبب بنتائج كارثية.

لا شك أنه من المفيد للشركة أن تحدّد التحيز والتشويش في قرارات الموظفين لديها، ولكن جمع المعلومات اللازمة لتحديد ذلك ليس بالأمر الهيّن. ثمة قضايا مختلفة تظهر عند قياس هذه الأخطاء، والإشكال الأساسي يكمن في أن نتائج هذه القرارات عادة لا تظهر إلا بعد فترة طويلة، هذا إن تم اكتشافها أصلاً. فعلى موظف القروض في البنك مثلاً أن ينتظر عدة سنوات ليرى أداء المدينين الذين أقرّ لهم بالحصول على القروض، كما يصعب معرفة ما حصل مع العملاء الذين رُفضت طلباتهم للحصول على قروض.

وعلى خلاف التحيز، فإن بالإمكان قياس التشويش دون الحاجة لمعرفة النتيجة الدقيقة للحكم. ولتوضيح ذلك تخيّل أن مركز الهدف في الصورة الماضية قد مُحي، فإنه لن يكون بإمكانك تحديد مقدار الدقّة في التصويب، ولكنك ستعلم بالتأكيد أن شيئاً ما خاطئاً في رميات الفريق (ب) والفريق (د)، إذ وبصرف النظر عن مكان مركز الهدف، فإنه يبدو أنّ الرميات فشلت في إصابة الهدف المفترض. كل ما هو مطلوب لقياس مستوى التشويش في الأحكام هو تجربة بسيطة يقوم فيها عدد من المهنيين بتقييم عدد من القضايا الواقعية بشكل مستقل. ويمكن في هذه التجربة ملاحظة تشتت الأحكام التي تم التوصل إليها من دون الحاجة لمعرفة الإجابة الصحيحة، وقد أطلقنا على هذه التجربة اسم "عمليات ضبط التشويش".


عملية ضبط التشويش


ليس الهدف من عملية ضبط التشويش هو إعداد تقرير ما، ولكن الهدف الأهم هو تحسين جودة القرارات. ولا يمكن لهذه العملية أن تنجح إلا إذا كان المدراء في وحدة ما مستعدين لقبول بعض النتائج غير السارة والتصرف بجدية إزاءها. ويمكن تحقيق هذا بشكل أسهل لو شعر المدراء أنهم هم القائمون على هذه الدراسة، وهذا يتطلب أن يقوم بعض المسؤولين أصحاب الشأن في المؤسسة بجمع هذه القضايا بحيث تغطي نطاق المشاكل التي تطرأ عادة. ولكي تكون النتائج مهمة للجميع فمن الضروري مشاركة جميع أعضاء الفريق في عملية الضبط هذه. ومن الضروري كذلك وجود عالم اجتماع صاحب خبرة في إجراء تجارب سلوكية منضبطة وذلك ليشرف على الجوانب التقنية لعملية الضبط، ولكن لا بد أن يكون الطاقم المهني هو المسؤول عن العملية بشكل عام.

قمنا في الآونة الأخيرة بمساعدة شركتَي خدماتٍ مالية على القيام بعملية ضبط التشويش، وقد كانت مهام وخبرات المجموعتين اللتين درسناهما مختلفة إلى حد كبير، ولكن كلاً منهما تتطلب إجراء تقييم لبعض المواد بالغة التعقيد والتي تضمنت اتخاذ قرارات بشأن مئات آلاف الدولارات. وقد اتبعنا الإجراءات ذاتها في كلا المؤسستين. طلبنا بداية من مدراء فرق العمل المعنيين تقديم ملفات بعض القضايا الواقعية لأغراض التقييم. وللحيلولة دون تسرّب المعلومات الحساسة في الوثائق، حرصنا على أن يستغرق التدريب بأكمله يوماً واحداً. وقد طلب من الموظفين في النصف الأول من اليوم تحليل قضيتين من أصل أربع قضايا. وكان المطلوب منهم اتخاذ قرارات بمبالغ مالية لكل قضية، كما هو المعتاد في وظيفتهم. ولتجنب سوء الفهم لم يتم إخبار الموظفين بأن الدراسة تستهدف فحص قدراتهم. ففي المؤسسة الأولى مثلاً أخبرناهم بأن الهدف هو فهم منهجية التفكير المهني لدى موظفي الشركة، ومحاولة زيادة الاستفادة من بعض الأدوات وتحسين التواصل بين أعضاء الفريق. وقد شارك 70 موظفاً في المؤسسة (أ) و50 من المؤسسة (ب).

قمنا بوضع مؤشر للتشويش لكل حالة، وهو إجابة عن هذا السؤال: "ما مقدار الاختلاف بين أحكام اثنين من الموظفين تم اختيارهما بشكل عشوائي؟". وتمّ التعبير عن هذا المقدار بنسبة مئوية للمعدل. لنفترض مثلاً أن التقييم الذي قدمه الموظفان لحالة واحدة قد كان 600 دولار و1,000 دولار. المتوسّط بين هذين التقييمين هو 800 دولار، والفرق بينهما هو 400 دولار. وعليه فإن مؤشر التشويش سيكون 50% لهذين الموظفين. وقد أجرينا الحساب نفسه لجميع أزواج الموظفين ومن ثم حسبنا المعدّل العام لمؤشر التشويش لكل حالة.

في المقابلات التي أجريناها قبل عمليات ضبط التشويش في كلتا المؤسستين توقع المدراء التنفيذيون أن تكون نسبة الفرق بين قرارات الموظفين 5 إلى 10 بالمئة، وهذه نسبة مقبولة بالنسبة لهم فيما يتعلق بالقضايا التي تشتمل على تقديم الأحكام. ولذلك فإن النتيجة التي توصلنا إليها شكّلت صدمة لهم، فقد كان تراوح مؤشر التشويش بين 34% و62% في القضايا الست في المؤسسة (أ)، وبلغ المعدل العام للتشويش 48%. أما في القضايا الأربع في المؤسسة (ب) فقد تراوح مؤشر التشويش بين 46% و70% وكان المعدل 60%. ولعل أكثر ما كان مخيباً للظن هو حقيقة أن خبرة العمل لم تكن كافية للحدّ من التشويش. فقد كان معدّل الاختلاف بين الموظفين الذين لديهم خمس سنوات أو أكثر من الخبرة 46% في المؤسسة (أ) و62% في المؤسسة (ب).

لم يكن أحد يتوقع هذه النتائج. لكن، نظراً لأن إدارة الشركة هي التي تولّت أمر هذه الدراسة، فقد قَبِل المسؤولون التنفيذيون في كلتا المؤسستين النتائج التي خلصت إليها الدراسة، وآمنوا بأن الاختلاف بين أحكام الموظفين فيهما بلغ حداً لا يمكن احتماله. وسرعان ما اتفق الجميع على ضرورة اتخاذ خطوات للسيطرة على هذه المشكلة.

ولأن النتائج كانت متوافقة مع دراسات سابقة تشير كلها إلى انخفاض مستوى الموثوقية في أحكام الموظفين، فلم يكن الأمر مفاجئاً لنا. ولكن الإشكال الأكبر لدينا هو أن هاتين المؤسستين لم تعيرا من قبل أي اهتمام لهذه القضية.

تُعدّ مشكلة التشويش خفيّة فعلياً في عالم الأعمال، وقد تبيّن لنا أن الناس كانوا يتعجبون حين نضع الثقة بأحكام الموظفين المختصين على المحك. فما الذي يمنع الشركات من الاعتراف بوجود التشويش في أحكام وقرارات الموظفين؟ الجواب يكمن في ظاهرتين معروفتين: فالموظفون الخبراء يميلون إلى امتلاك ثقة كبيرة بدقة أحكامهم، كما أن لديهم تقدير كبير لمستوى الذكاء العالي الذي يمتلكه زملاؤهم. واجتماع هذين الأمرين يؤدي حتماً إلى زيادة الثقة بالأحكام الصادرة عن الموظفين. وحين كنا نسأل بعض الموظفين الخبراء عن زملائهم، فإنهم كانوا يخبروننا بأنهم يتوقعون أن تكون الأحكام التي يتوصل إليها الآخرون من زملائهم متشابهة إلى حدٍ أكبر مما هي عليه في واقع الحال. وفي كثير من الأحيان لم يكن الموظفون يكترثون بما يراه الآخرون ويفترضون أن أحكامهم هي الأفضل. ولعل ما يجعل مشكلة التشويش خفية، هو أن الناس عادة ما يسيرون في حياتهم دون تخيّل خيارات أخرى ممكنة للأحكام التي يتوصّلون إليها.

يمكن في بعض الأحيان تفهّم أنك تتوقع أن يوافقك الآخرون على أحكامك، خاصة حين تكون هذه الأحكام قائمة على مهارة عالية إلى درجة أن تكون بديهية. ممارسة لعبة الشطرنج بشكل محترف أو قيادة السيارة هي أمثلة معروفة على المهامّ التي تصل مهارة أدائها بعد الممارسة المستمرة درجة الإتقان. فاللاعبون المهرة الذين ينظرون إلى موقف ما على لوحة الشطرنج سيمتلكون التقدير ذاته تقريباً للوضع القائم في اللعبة، كتقدير أن الملك مهدّد أو أن الدفاع في جانب الملك الأسود ضعيف. وكذا الأمر مع السائقين المتمرسين. فقيادة السيارة ستكون بالغة الخطورة، لو لم نكن نفترض أن السائقين من حولنا يعرفون قواعد الأولوية عند التقاطعات أو الدوارات المرورية. وعادة ما يكون التشويش محدوداً أو غير موجود في المستوى العالية من المهارة.

المهارات العالية تتطور في لعبة الشطرنج وفي قيادة السيارات عبر سنوات من الممارسة في بيئة يمكن التنبؤ بها، حيث يعقب كل حركة ردة فعل فورية وواضحة. ولا يعمل في مثل هذه البيئة إلا عدد محدود من المهنيين. ففي معظم الوظائف يتعلم الأشخاص الوصول إلى أحكام أفضل من خلال الاستماع إلى شرح وانتقاد المدراء والزملاء، وهذا مصدر أقل موثوقية للمعرفة مقارنة بالتعلم من الأخطاء الشخصية. تزيد الخبرة الطويلة في مجال العمل من مستوى ثقة الناس في أحكامهم، لكن وفي ظل غياب التغذية الراجعة السريعة، فإن الثقة ليست كافية لتحقيق الدقة ولا الاتساق في الأحكام.

وسنقول في الخلاصة: أينما وُجدَ الحكم وُجدَ التشويش، وبقدرٍ أكبر عادةً مما تعتقد. ونعتقد كقاعدة عامة أنه ليس في وسع الموظفين ولا المدراء أن يتوصلوا إلى تقدير جيد لمقدار الموثوقية في أحكامهم. ولا يمكن الحصول على تقييم دقيق لذلك إلا من خلال اختبار ضبط التشويش. ولا بد من الإشارة إلى أن المشكلة، في بعض الأحيان على الأقل، تكون قد بلغت حداً يتطلب العلاج الفوري.




الحدّ من مستوى التشويش


الحل الأكثر جذرية لمشكلة التشويش هو استبدال قواعد موحّدة-تعرف بالخوارزميات- بالحكم البشري، حيث تقوم هذه القواعد باستخدام البيانات المتعلقة بحالة ما للتوصّل إلى تقدير أو قرار معيّن. لقد جرت منافسات عديدة بين البشر والخوارزميات خلال الستين عاماً الماضية، في مهام تتراوح في مستوى تعقيدها من توقّع مدة الحياة المتوقعة لمرضى السرطان إلى توقع فرصة نجاح طلاب في الجامعة. وقد كانت الخوارزميات أكثر دقة من البشر المختصين في أكثر من نصف الدراسات، وكانت تقريباً تتعادل مع البشر في النصف الآخر منها. ولا بد أن ننظر إلى التعادل على أنه تفوّق أيضاً لصالح الخوارزميات، لأنّها كذلك أقل تكلفة.

لا شكّ أن الخوارزميات لن تكون حلاً عملياً في العديد من الحالات، فتطبيق قاعدة ما لن تجدي نفعاً حين تكون المدخلات متمايزة أو يصعب ترميزها في نسق واحد. كما أن الخوارزميات لن تنفع عادة للتوصل إلى أحكام أو قرارات تشتمل على أبعاد مختلفة أو تعتمد على تفاوض مع طرف آخر. وحتى عند توافر حل عن طريق الخوارزميات الموحدة، فإن هنالك بعض الاعتبارات التنظيمية التي تحول أحياناً دون تطبيقها. فالاعتماد على البرمجيات بدل الموظفين الموجودين عملية قاسية ستواجه الرفض إلا إن أتيحت الفرصة للموظفين لأداء مهام أخرى تناسبهم.



لكن إن كانت الظروف مناسبة فإن تطوير وتطبيق الخوارزميات أمر في غاية السهولة. هنالك افتراض شائع بأن الخوارزميات تتطلب تحليلاً إحصائياً لقدر كبير من البيانات. فمعظم الناس الذين تكلمنا معهم يعتقدون مثلاً ضرورة توفر بيانات خاصة بآلاف طلبات القروض ونتائجها من أجل تطوير معادلة قادرة على تخمين نسبة التخلف عن سداد الدين التجاري. ولكن لا يعرف سوى القليل من الناس أن تطوير الخوارزميات ممكن حتى دون توفر أي بيانات، بالاعتماد على عدد صغير فقط من القضايا. وتُعرف المعادلات التنبؤية التي لا تعتمد على بيانات النتائج باسم "القواعد النظرية" وذلك لأنها تعتمد على التفكير المنطقي البديهي.

يبدأ تحديد القاعدة النظرية باختيار بعض المتغيرات (ستة أو ثمانية) مرتبطة بشكل قاطع بالنتيجة موضوع التخمين. فإن كانت النتيجة مثلاً التخلف عن سداد القرض، فلا بد أن تشتمل قائمة المتغيرات طبعاً على الأصول والالتزامات. أما الخطوة التالية فهي وضع قيمة متساوية لهذه المتغيرات في معادلة التخمين، بحيث تكون الإشارة واضحة (إيجابية للأصول، وسلبية للالتزامات). ويمكن بعدها تحديد القاعدة بإجراء بعض الحسابات البسيطة. (للمزيد انظر في الملاحظة الجانبية "كيف تطور القواعد النظرية.")

الأمر المفاجئ بعد العديد من الأبحاث هو أن القواعد النظرية في العديد من السياقات لا تختلف كثيراً من ناحية الدقة عن النماذج الإحصائيّة القائمة على بيانات النتائج. فالنماذج الإحصائية تدمج بين مجموعة من المتغيرات التوجيهية، والتي تعتمد قيمها على علاقتها مع النتائج موضوع التخمين وعلاقتها مع بعضها. وفي العديد من الحالات تكون هذه القيم غير ثابتة إحصائياً أو غير مهمة عملياً. ولذلك فإن أي قاعدة بسيطة تضع قيماً متساوية لعدد من المتغيرات ستكون غالباً مقبولة. وقد أثبتت الخوارزميات التي تضع قيماً متساوية للمتغيرات دون الاعتماد على بيانات النتائج جدواها في عمليات اختيار الموظفين، وفي توقعات الانتخابات، وفي تخمين نتائج منافسات كرة القدم، وغيرها من المجالات.

خلاصة الأمر هي أنك لست مضطراً للحصول على بيانات النتائج إن كنت ترغب في استخدام خوارزمية للحد من التشويش، إذ ليس عليك سوى استخدام التفكير المنطقي لاختيار المتغيرات واستخدام القواعد الحسابية البسيطة للدمج بينها والاستفادة قدر الإمكان من هذه العمليات.

وبغض النظر عن الخوارزميات التي يجري استخدامها، فإنه لا يمكن الاستغناء عن الدور البشري، إذ يجب مراقبة الخوارزميات وتعديلها وفق التغيرات التي تطرأ في عناصر كل حالة. كما يجب على المدراء التنبه للقرارات الفردية وأن يمارسوا صلاحيتهم في تجاوز ما تصل إليه المعادلة في الحالات التي لا يمكن الشك بحكمها. يجب مثلاً عدم الموافقة على منح قرض لشخص ما بعد أن تبين أنه متورط في قضية جنائية، حتى لو كان هذا القرار مخالفاً لما توصلت إليه البرمجية. والأهم من ذلك هو ضرورة تحديد المدير التنفيذي طريقة ترجمة ما يخرج عن المعادلة إلى إجراء. فهذه المعادلة الخوارزمية تخبرك مثلاً عن طلبات القروض التي هي من أفضل 5 بالمئة أو الطلبات التي تُعد من بين العشرة بالمئة الأقل حظاً للقبول، ولكن يجب على أحدهم اتخاذ القرار الأمثل حول كيفية الاستفادة من هذه المعلومات.

تُستخدم الخوارزميات في بعض الأحيان كمصدر وسيط للمعلومات من قبل المعنيين باتخاذ القرارات النهائية. أحد الأمثلة على ذلك هو تقييم سلامة العامة، وهي آلية تم تطويرها ليستخدمها القضاة في الولايات المتحدة لمساعدتهم في اتخاذ قرار إخلاء سراح متّهم ما قبل المحاكمة. ففي الأشهر الستة الأولى من استخدامها في ولاية كنتاكي، انخفض معدل الجريمة بين المتهمين الذين أخلي سراحهم بانتظار المحاكمة بنسبة 15% تقريباً، وازدادت في الوقت ذاته نسبة الأشخاص الذين يخلى سراحهم لانتظار المحاكمة. ومن الواضح في هذه الحالة أن الكلمة العليا لا بد أن تكون للقاضي لاتخاذ مثل هذه القرارات، لأن الناس لن يشعروا بالراحة إن علموا أن القرارات القانونية صادرة عن معادلة ما.

وبغض النظر عن مقدار عدم ارتياح الناس لهذه الفكرة، إلا أن الدراسات قد أظهرت أن الإنسان له دور أساسي في تزويد المعادلات بالمدخلات المناسبة، إلا أن الخوارزميات أفضل أداءً حين يتعلق الأمر باتخاذ القرار الأخير. ولو كان تجنب الخطأ هو المعيار الوحيد، فإن هذا يكفي لتشجيع المدراء على الالتزام بنتائج الخوارزميات إلا في ظروف استثنائية.

تعزيز الانضباط في اتخاذ القرارات


يجب الاعتماد على خوارزمية ما بدل القرارات البشرية إذا كانت عرضة للتشويش، ولكن الإشكال أن هذا الحل قد يكون متطرفاً نوعاً ما في معظم الحالات أو غير مجدٍ من الناحية العملية. أحد البدائل المقترحة هي اعتماد إجراءات تعزز الاتساق في القرارات المتخذة عن طريق الحرص على استخدام الموظفين الذين يؤدون الدور ذاته لطرق موحدة للبحث عن المعلومات واستخدامها عند النظر إلى القضية وترجمة الرؤية التي يشكلونها عن القضية إلى قرار. قد يصعب في هذه المقالة أن نتناول بالتفصيل كل ما يلزم للقيام بذلك، ولذا سنكتفي بتقديم بعض النصائح الأساسية، مع التذكير بأن تعزيز الانضباط في اتخاذ القرارات ليس أمراً سهلاً البتة.

التدريب من الأمور الأساسية اللازمة، ولكن حتى الموظفون الذين تلقوا التدريب سوية يكونون عرضةً لاتباع الطريقة التي تناسبهم في اتخاذ القرارات. وتواجه الشركات هذه المشكلة أحياناً بتنظيم اجتماعات الطاولة المستديرة بين صناع القرار فيها لمراجعة بعض القضايا. المؤسف هو أن معظم هذه الاجتماعات تُدار بطريقة تجعل التوافق أمراً مفرطاً في البساطة، ذلك لأن معظم المشاركين يميلون إلى تأييد الآراء التي تُطرح أولاً أو تلك التي تُوضح بثقة أكبر. وللحيلولة دون وقوع اتفاق زائف من هذه الشاكلة فلا بد أن يدرس كل فرد من المعنيين بالاجتماع الحالةً بشكل مستقل، وأن يشكل حولها رأياً يستطيع تفسيره والدفاع عنه، ثم يرسل هذا الرأي إلى قائد المجموعة قبل الاجتماع. وبهذه الطريقة تنجح مثل هذه الاجتماعات في ضبط عنصر التشويش، ثم تكون الخطوة التالية تنسيق هذا الاجتماع كي تناقش تلك الآراء المختلفة.



يمكن كبديل أو زيادة على اجتماعات الطاولة المستديرة تزويد الموظفين بآليات سهلة الاستخدام، كقوائم التحقق أو وقوائم بأسئلة تم إعدادها بعناية كبيرة، وذلك لتوجيههم أثناء عملية جمع المعلومات حول قضية ما والتوصل لأحكام وسيطة واتخاذ القرار النهائي. فالتباين غير المرغوب يحصل عادة في كل مرحلة من هذه المراحل، ويمكن للشركات-أو يجدر بها بالأحرى-تحديد مقدار فائدة هذه الأدوات في الحد من هذا التباين. وينظر الأشخاص عادة إلى مثل هذه الأدوات والآليات كوسائل تساعدهم على القيام بأعمالهم بفعالية وكفاءة.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!