يميل الكثير من المدراء إلى التقليل من شأن أولئك الملقبين بـ "مقاومي التغيير" والمقصود هنا الموظفون الذين لا يتغيّرون بالسرعة الكافية.

لكن هذا التحيّز إلى السرعة والتغيير – والأهم من ذلك التغيير السريع – يناقض الميل الفطري البشري إلى "المزج" ما بين التغيير والاستقرار، ناهيك عن أن هذه الميول غالباً ما تكون ميزة لصالحنا كبشر. والمدير التنفيذي الفعّال يعلم حقيقة هذا الأمر وهو يرحّب بإجراء التغيير في بعض أجزاء المؤسسة، في حين أنه يبعد التغيير عن بعض الأجزاء الأخرى لمؤسسته.

لنأخذ مثالاً هو شركة أمازون التي تمكّنت بمفردها تقريباً من إدخال تحوّلات جوهرية على أجزاء كبير من قطاعات التجزئة، والشؤون اللوجستية، والإنترنت خلال عقدين من الزمن فقط. وقد حافظت على وتيرة تغيير محمومة في الخدمات والعروض التي تقدّمها لزبائنها، حيث أنها حدّدت كيف نتسوّق حاجاتنا اليومية (عن طريق الإنترنت)، ومن يؤثّر على قراراتنا الشرائية (الزبائن الآخرون المجهولون)، وما نقرؤه (الكتب الإلكترونية)، ومتى نتوقع استلام الطلبيات (اليوم ذاته)، ومن أين تأتي مشترياتنا (من مخازن لم يسبق لنا أن زرناها أبداً).

ورغم كل الابتكارات التي قدمتها شركة أمازون، إلا أن أسلوبها في إدارة أموالها لم يتغيّر كثيراً منذ 20 عاماً. فهي تعمل دائماً على ضخّ رؤوس الأموال في عملياتها البعيدة المدى – وغالباً ما يكون ذلك على حساب نتائجها المالية القصيرة الأجل. وبصورة مشابهة، دعونا نقارن ما بين التزام أمازون الذي لا يتزعزع بعملية المراجعة الأسبوعية للأعمال (Weekly Business Review) (وهي الطريقة التي تتبعها الشركة لتعيين الموظفين المعنيين بتنسيق عملياتها الآخذة بالتوسع الكبير) وما بين الطريقة الأخرى التي تتبعها أمازون حصرياً والتي يمكن فيها لرسائل إلكترونية طوعية تستلمها من الزبائن أن تتسبب بإطلاق عمليات إعادة هيكلة داخلية رئيسية.

لقد قام كلٌ من إيه جي ليفلي وروجر مارتن (Roger Martin) بطرح مصطلح جديد هو الميزة التراكمية (Cumulative Advantage) لوصف المكاسب الاستراتيجية الناجمة عن "عدم" التغيير. وقد كتب الرجلان قائلين: "ليس التمسّك بالزبائن مسألة تكيّف متواصل مع الاحتياجات المتغيّرة من أجل البقاء كأفضل خيار عقلاني أو عاطفي بالنسبة لهم. وإنما التمسّك بالزبائن يتطلّب مساعدتهم على تحاشي الاضطرار إلى اتخاذ القرار بخصوص خيار جديد".

ولكن كم مرّة سمعنا المدراء التنفيذيين يطرحون السؤال التالي: "ما الذي نفعله نحن لمساعدة الزبائن كي يتحاشوا الاضطرار إلى اتخاذ القرار بخصوص خيار جديد؟" بيد أن السؤال البديل الذي غالباً ما اسمعه منهم هو التالي: "ما الذي نفعله لنواكب التغيّرات السريعة الحاصلة في هذه الأوقات؟" وبالتالي فإن مهمّة المدير التنفيذي الذي يدير التغيير اليوم لا تتمثّل في تحويل المؤسسة بأكملها إلى أمعاء مهمّتها امتصاص القيمة والتخلّص من الفضلات في أسرع وقت ممكن، وإنما في تحديد أي جزء من الشركة يحتاج إلى تغيير وبأي وتيرة ولأي غاية.

إن المدراء التنفيذيين الفعّالين يتعلّمون كيف يوازنون حالة التوتر القائمة ما بين التحرك البطيء والتحرك السريع من خلال دراسة السياق الخاص بكل خيار من هذين الخيارين. فتبنّي شركة بلاكبيري لشاشات اللمس في أجهزتها يبدو قراراً بطيئاً إذا نظرنا إليه بمفعول رجعي اليوم بما أن هذه الخطوة جاءت بعد أكثر من عام على طرح أول جهاز آيفون. ولكن في المقابل كانت بلاكبيري محبوبة جداً في السابق نظراً لالتزامها الراسخ بلوحة المفاتيح الكاملة (حتى وإن كانت صغيرة جداً) في وقت كان منافسوها يتجهون إلى الهواتف التي تعتمد على الشاشات القلابة. فإذا ما نظرنا إلى الوراء فهل يجب أن نقول بأن بلاكبيري كانت شركة مُقَاوِمة أم شركة مرنة؟

أما قطاع التعليم العالي، والذي كان يُنعت دائماً بأنه بطيء التغيّر، فقد كان فعلياً شديد النجاح في عناده ومثابرته. فأحدث جامعة أميركية عهداً على قائمة كبريات الجامعات المرموقة في أميركا، ألا وهي جامعة "كالتيك" (Caltech)، كانت قد تأسست في القرن التاسع عشر. وبالنسبة للجامعات الموجودة في ما يُسمّى "رابطة اللبلاب" (Ivy League) (وهي قائمة بأهم الجامعات الأميركية المرموقة) فقد ظلت على رأس أهم مؤسسات التعليم العالي لأكثر من 300 عام. ودعونا هنا نجري مقارنة بينها وبين الشركات المدرجة على قائمة (Fortune 500) التي تضم أهم 500 شركة: حيث نجد بأن 12% فقط من الشركات التي كانت موجودة على القائمة الأصلية عام 1955 لا تزال موجودة عليها في العام 2015. فهل يجب أن نقول بأن الكليات الأميركية تعاني من الجمود أم أنها صامدة بقوّة؟

وكلما تأمّلت في هذه الأمثلة يتّضح لك ما يلي: يجب على المدراء التنفيذيين أولاً أن ينتبهوا إلى اللغة التي يستخدمونها في الحديث عن التغيير. فعوضاً عن وصف مؤسسة أو شخص بأنه "مقاوم للتغيير"، هل يمكنك أن تتخيّل بأنك تصفه بأنه "مرن وقادر على التكيّف"؟ فلعلّ ذلك قد يساعدك في رؤية نقطة قوّة ما بحاجة إلى من يوقظها أو طاقة كامنة بحاجة إلى من يساعدها على أن تبصر النور.

وبالتالي فإنّ قدرتنا على إدارة التغيير تبدأ بنظرتنا إلى هذا التغيير: هل هو فرصة أم مشكلة أم الاثنين معاً؟

كما أنّ إدارة التغيير في الشركة بطريقة ناجحة تتطلّب أيضاً من المدير التنفيذي أن يختار وتيرة مناسبة للتغيير بالنسبة لموظفي هذه الشركة. يقول بيتر دروكير: "إن المعرفة، وبحكم تعريفها، تتغيّر بسرعة كبيرة. أمّا المهارات، وبحكم تعريفها أيضاً، فتتغيّر ببطء شديد". وأنا أضيف قائلاً بأنّ الناس يتغيّرون بوتيرة أبطأ حتّى، هذا إن كانوا يتغيّرون أصلاً.

إنّ مزيج القوى الذي يصفه كل من ليفلي ومارتن على أنّه هو ما يحرّك سلوك المستهلكين (قيمة مقترحة (strong value proposition) قوية إضافة إلى تصميم يساعد في تكوين العادات) هو أيضاً ذاته المزيج الذي يحرّك سلوك الموظفين. فموظفوك لا يريدون أن يفكّروا كثيراً في "كيفية" أو "طريقة" عملهم. بل هم يريدون أن يفكّروا فيها بالمقدار الكافي الذي يضمن لهم الوثوق بهذه الطريقة؛ وبعدها يريدون أن يفكّروا في العمل نفسه. فإذا كان نظامك الخاص بإيكال المهام إلى الموظفين المناسبين فعّالاً أساساً، فإن تغيير هذا النظام بشكل متكرّر وزائد عن اللزوم سوف يشتّت انتباه الموظفين ويقلل من قدرتهم على الإنجاز.

وثمّة تكلفة هائلة جدّاً، وإن كانت غير منظورة، تترتب على ملاحقة البِدَع والصرعات التي تظهر في عالم الإدارة بدلاً من ترك الموظفين ينجزون المهام المطلوبة منهم. فالأفضل هو اتّباع مبدأ الميزة التراكمية مع موظفيك، تماماً كما لو أنهم كانوا زبائن لديك: أدخل تغييرات بطيئة من خلال تجارب ضيقة النطاق، ولا تحاول إدخال تغييرات على نطاق المؤسسة بأكملها ما لم تكن بحوزتك براهين وأدلّة تثبت نجاعة هذه التغييرات.
باختصار شديد، وكما يقول دروكر: "يُعتبر التغيير والاستمرارية قطبان أكثر من كونهما أمران متعارضان". فالاستمرارية هي التربة الخصبة التي يضرب التغيير فيها جذوره. فكلما كان إحساس الموظف أو الزبون باستمرارية العلامة التجارية للشركة أو قيمها أو ثقافتها أكبر، كلما كان ذلك الزبون أو الموظف أكثر تقبلاً للتغيير. والعكس صحيح. فلكما كان الموظف أو الزبون يجد صعوبة أكبر في العثور على الاستمرارية، كلما كان احتمال نجاح أي تغيير أمراً أصعب.

من السهل جدّاً الوقوع في غرام التغيير. ولكن في بعض الأحيان نحن بحاجة إلى إجراء التغيير ببطء.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!