تابعنا على لينكد إن

تُعد أنظمة تقييم الأداء غاية في الأهمية لتقييم وتحفيز ومكافأة الموظفين، إلا أنّ الشركات تكون تحت ضغط شديد للعثور على نظام يحقق هذه الأهداف ويعزز عدالة التقييم. فالتضاربات والمحاباة في عملية التقييم من شأنها أن تخلّف عدم الرضا والسخط وتثبيط الهمة لدى الموظفين؛ على وجه الخصوص إذا حصل من لا يستحق من الموظفين على المكافأة والتقدير بينما حُرم من ذلك من هم أكثر جدارة واستحقاقاً.

وتظهر هذه التحديات جلياً على وجه الخصوص في الوظائف المهنية، حيث يكون من الصعب التوصل إلى معايير موضوعية لقياس الأداء، وتكون التقييمات أكثر ذاتية. فالذاتية (subjectivity) من شأنها أن تفسح المجال لحالات من التضارب والمحاباة للدخول إلى تقديرات الأداء. وتسهم الاختلافات بين رؤساء العمل في هذه التضاربات، إذ أنّ ما يراه أحد الرؤساء يستحق التقدير بدرجة (5)، قد يراه آخر يستحق التقدير بدرجة (3). كما أنّ بعض الرؤساء تظهر لديهم المحسوبية، والتقديرات المتضخمة، أو يستخدمون المعايير المتضاربة مع الموظفين المختلفين. ويكون هذا صواباً حتى في حالة المؤسسات التي غيرت نظام التقييم لديها من ذلك التقييم الرسمي الذي يجري في نهاية العام إلى جلسات غير رسمية ومتكررة لاستطلاع الآراء والحصول على التعليقات والملاحظات (feedback).

ولذلك، كيف يمكن الحد من التضاربات والمحاباة أو القضاء عليها؟ كيف يمكن تحسين عدالة نظام التقييم؟ هل هناك طرق لتعزيز الرابط بين الأداء والمكافآت؟

هناك أسلوب لجأت إليه بعض الشركات وهو استخدام لجان المعايرة (calibration committees)، والتي تتكون على وجه العموم من الرؤساء الأرفع مستوى ودرجة. إذ تقوم هذه اللجان بتعديل التقديرات التي يمنحها الرؤساء للموظفين، في محاولة من اللجان لتحسين التناسق في التقدير والتقييم. ولفهم الدور الذي تضطلع به هذه اللجان في أنظمة تقييم الأداء، قمنا بالتعاون مع مؤسسة متعددة الجنسيات لدراسة استخدامها للجان المعايرة على مدار فترة ثلاث سنوات.

تبدأ عملية التقييم لديهم بقيام الرؤساء بتقدير أداء الموظفين تقديراً ذاتياً. يتم بعد ذلك تمرير تقييمات الموظفين بالنسبة لكل مستوى أو جماعة إلى لجنة تقييم، تتكون من الرؤساء أنفسهم والمدراء الأرفع مستوى ودرجة. وتجتمع لجنة المعايرة للتوصل إلى فهم مشترك لأنواع المنجزات والإسهامات التي تضمن تنوع تقديرات الأداء. بناء على هذا الفهم، تقوم اللجنة عندئذ بتحديد ما إذا كان عليها تعديل تقديرات الأداء الخاصة بكل موظف. وما إن تحدد اللجنة التقديرات النهائية، يعقد الرؤساء اجتماعات مع الموظفين لمناقشة تقديراتهم.

ربما يبدو مغايراً للبديهة أن يُسمح للجنة بتعديل تقديرات موظفين لا تلاحظهم على وجه العموم بشكل مباشر. ولكن على الرغم من أنّ الرؤساء قد يتوافر لديهم معلومات أفضل من تلك المتاحة لدى لجان المعايرة حول أداء كل موظف من الموظفين، فإنهم لا يعرفون إلى أي مدى تقارن التقديرات التي يمنحونها للموظفين بالتقديرات التي يمنحها رؤساء آخرون لموظفيهم. أما اللجنة فتتوافر لديها تلك المعرفة على المستوى الكلي، والتي تمكن اللجنة من تقييم التقديرات لدى جميع الرؤساء، كما أنّ ذلك يعزز المزيد من التوافق في تقديرات الأداء.

وقد توصلت دراستنا، التي ستظهر قريباً في علم الإدارة، أنّ لجنة المعايرة قامت بتعديل التقديرات بمعدل 25% في المؤسسة التي خضعت للدراسة. وخضعت التقديرات للتخفيض بمعدل أربعة أضعاف تلك التقديرات التي خضعت للزيادة، وهو ما خفّض متوسط التقدير الكلي. كما أنّ التغييرات بالتخفيض كانت أكبر من التغييرات بالزيادة.

لقد زادت احتمالية تخفيض التقديرات في حالة كانت هذه التقديرات ممنوحة من جانب رؤساء يميلون إلى منح تقديرات أكبر من المتوسط في العادة، في حين أنّ احتمالية زيادة التقديرات كانت أكبر في حال منحها من جانب رؤساء يميلون إلى منح تقديرات أقل من المتوسط في العادة. ويتعرض هذا لذلك الهاجس المشترك بأنّ بعض الرؤساء أكثر مرونة في منحهم للتقديرات، بينما هناك رؤساء آخرين لديهم معايير أكثر صرامة في منح التقديرات. وبفضل التعديلات التي نتجت عن عملية المعايرة في التقديرات، فإنّ التقديرات النهائية كانت أكثر توافقاً وتناسقاً لدى جميع الرؤساء.

وقد أسهمت عملية المعايرة في تحسين التوافق والتناسق في التقديرات، وليس هذا فحسب، بل إنّ الرؤساء قاموا أيضاً بتعديل سلوكهم في التقدير استجابة لهذه العملية وتماشياً معها. ومن المثير للاهتمام، أنّ رد فعل الرؤساء اعتمد على توجيهات التعديل. في حالة خضوع تقدير الموظف للزيادة من جانب لجنة المعايرة، قام رئيس هذا الموظف بمنحه تقديراً أعلى في الفترة التالية، وهو يتماشى (في الأساس) مع التعديل الذي أحدثته لجنة المعايرة من الفترة السابقة. أما التعديلات التي ترتب عليها خفض التقديرات، فقد تم دمجها جزئياً فقط في تقديرات الفترة التالية. كان رؤساء هؤلاء الموظفين يمنحونهم تقديرات أقل، ولكن ليس بنفس قدر التخفيض الذي أجرته لجنة المعايرة في الفترة السابقة.

تتمثل إحدى السلبيات المحتملة لتقديرات المعايرة، والتي لاحظناها في هذه المؤسسة، في انخفاض الاختلاف في التقديرات. فقد كانت هناك احتمالية أكبر لقيام اللجان بتعديل التقديرات التي كانت أعلى أو اقل من المتوسط، بينما لم تقم بتعديلات كثيرة بنفس القدر في التقديرات المتوسطة. وقد ترتب على هذا النمط في التعديلات القيام بتوزيع أكثر إحكاماً للتقديرات، مع معدل تفاضل أقل بين الموظفين. يمكن أن يكون هذا مثار مشاكل معينة، إذ أنّ عدم وجود الاختلاف يجعل عملية تحديد وتمييز الموظفين أصحاب الأداء المرتفع أكثر صعوبة وتحدياً (لترقيتهم أو لتقدير جهودهم في العمل)، وكذلك الموظفين أصحاب الأداء المنخفض (لمنحهم المزيد من التدريب أو غير ذلك من الأسباب والتدابير الإصلاحية).

كما قمنا باستطلاع رأي 220 موظفاً، و47 رئيساً مشرفاً، لتقييم مدركاتهم بالنسبة لعدالة نظام تقييم الأداء. في المتوسط، كان رأي الموظفين أنّ ناتج عملية التقييم كان عادلاً، بينما لم يكن الموظفون راضين تماماً عن النظام نفسه، ويرجع عدم الرضا هذا في جزء منه إلى اعتقادهم بوجود محاباة أو محسوبية في عملية التقييم. كما لاحظنا، وربما لا يكون هذا مدهشاً، أنّ الموظفين أصحاب الأداء المرتفع أظهروا مستويات أعلى من إدراكهم لعدالة نظام تقييم الأداء ورضاهم عن النظام، مع قدر أقل من المحاباة والمحسوبية مقارنة بالموظفين ذوي الأداء المنخفض.

أما الرؤساء المشرفون، فقد رأوا أنّ نتائج التقييم كانت عادلة، وأنّ عملية التقييم نفسها كانت عادلة، ولم تكن هناك أي مشكلة فيما يتصل بالمحاباة والمحسوبية. ومع ذلك، لم يكن الرؤساء راضين بشأن متطلبات الوقت التي كان يفرضها هذا النظام.

إنّ العمل المعقد والقائم على المعرفة معروف بصعوبة قياسه، وهو ما يدفع الشركات إلى استخدام تقييم الأداء الذاتي (subjective evaluation). في حين أنّ التقييم الذاتي يقوم بدمج الكثير من أوجه الأداء الوظيفي التي يصعب تسجيلها، فإنه يترك الموظفين عرضة لعمليات المحاباة والتضاربات من جانب رؤسائهم فيما يتصل بمعايير التقدير وهو ما يمكن أن يؤثر على تقديرات الأداء. وقد وجدنا (في المؤسسة التي خضعت لدارستنا) أنّ استخدام لجان المعايرة نجح في إقصاء الكثير من هذه الصعوبات والتحديات، كما أنّ المزايا فاقت على وجه العموم التكاليف المالية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz