المدير الهداف وحارس المرمى وحامل الكأس

3 دقائق
المدير غير الكفؤ
shutterstock.com/ Andrii Yalanskyi
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليكم هاتين القصتين الحقيقيتين من المنطقة العربية، إذ توضحان صعوبة التعامل مع المدير غير الكفؤ وكيف يمكن لهذا المدير أن يجعل فريق العمل بعيداً عن التطوير والتقدم.: جاء موظف متحمّس إلى مديره يخبره أنه قرأ كتاباً مهماً عن العمل بإسلوب الفريق، وظل يروي من محتويات الكتاب على رئيسه، في محاولة لإقناعه بالأدلة العلمية الواردة في الكتاب، بأن العمل بمبدأ الفريق سواء خلال التحضير لقرار أو لإنجاز مشروع ما، سيعني مشاركة عقول متنوعة وخبرات متعددة للخروج بأفضل إنجاز. وعندما لم يجد المدير فرصة للإفلات من الأدلة العلمية المقنعة، أخبر الموظف “بلهجة الثعلب الماكر” كما يقول، أنه موافق بشرط واحد: “أن أكون الهداف إذا أحرز الفريق هدفاً، وحارس المرمى إذا صد الفريق هدف الخصم، وأن أكون الكابتن عند تسلم الكأس، ومجرد واحد من المتفرجين إذا خسر الفريق”.

وفي قصة أخرى، يذكر أحد مدراء الأقسام ممن يقع عليه عادة عبء العمل الأكبر، أنه قرر يوم الخميس في أحد الأيام وفي نهاية الأسبوع، أن يغادر المكتب في الساعة الرابعة والنصف ليأخذ زوجته وأطفاله في رحلة ترفيهية، وبعد أن قطع مسافة طويلة جداً للوصول إلى منزله، وإذا بمديره يتصل به غاضباً ويلحّ عليه أن يعود إلى المكتب حالاً. عاد الرجل أدراجه وظل ينتظر من المدير أن يخبره بالأمر العاجل الذي استدعاه لأجله، وبعد انتظار طويل، سأله المدير: “أين الملف الفلاني”، فأراه الملف وأخبره أنه يعلم أنهم ما زالوا بانتظار جواب العميل حول بعض الاستفسارات، فقال المدير: “آووه.. أوكي”. وظل المدير يضحك ويلهو ونسي الملف، واستبقى مدير القسم حتى السادسة والنصف، ثم سأله: “ألا تريد العودة إلى البيت”؟!

المدير غير الكفؤ

كانت هاتان القصتان وغيرهما الكثير مما ذكره من عانى هذه التجارب عبر كتاب شارك به 82 شخصاً من الدول العربية من موظفين وخبراء ومدراء متوسطين، وأطلقوه في كتاب مشترك عنوانه “نوادر إدارية”، وقد تحدث عن هذه التجربة صاحب المبادرة والمحرر النهائي للكتاب الدكتور راسل قاسم في مقال نشره في هارفارد بزنس ريفيو بعنوان “التأليف الجماعي في الإدارة.. تجربة ودروس مستفادة“. ولقد ساعدني هذا الكتاب الذي وجدت أن كثيراً من قصصه تتحدث عن المدير غير الكفؤ، أن أفهم سبب اهتمام الناس في منطقتنا العربية بالمقالات التي تتحدث عن المدراء غير الأكفاء، كما حصل مع مقال “كيف تكشف القائد غير الكفؤ“، الذي احتل أكثر من مرة قائمة المقالات الأكثر قراءة في هارفارد بزنس ريفيو، إلى جانب المقال الذي كتبته سابقاً بعنوان “متى تنتهي صلاحية المدير؟“، إذ تبين الدراسات أن المدير غير الكفؤ والسيئ والمتغطرس والجاهل ربما، هو الذي يتسبب بانخفاض اندماج الموظفين ويتسبب في مغادرتهم العمل في أغلب الأحوال، فالناس غالباً ما يتركون العمل بسبب المدير وليس بسبب المؤسسة أو الراتب.

التصرف الصحيح مع المدير غير الكفؤ

وتقول المستشارة الإدارية ماري أباجاي في مقال لها بعنوان “خطة متكاملة للتصرف عندما يكون لديك مدير سيئ“: “لقد وجدت دراسة أجريت على ثلاثة آلاف و122 موظفاً سويدياً، أن أولئك الذين يعملون لدى مدراء سيئين كانوا أكثر عرضة وبنسبة 60% للإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية أو أي حالة قلبية أخرى مهددة للحياة”. وتظهر دراسات أخرى في أماكن العمل، أن الأشخاص الذين يعملون لدى مدراء سيئين هم أكثر عرضة للإجهاد المزمن، والاكتئاب والقلق، وكلها عوامل تزيد من خطر تدهور نظام المناعة ونزلات البرد والسكتات الدماغية وحتى النوبات القلبية. وتشير بعض الدراسات إلى أن التعافي جسدياً ونفسياً من رئيس سيئ قد يستغرق ما يصل إلى 22 شهراً. وفي حين أن فكرة الاستقالة قد تبدو مخيفة، فإن حقيقة البقاء في وظيفة مع مدير سيئ قد تكون مخيفة أكثر”. وتذكر الباحثة إيمي غالو في مقال “التعامل مع مديرك حينما يكون عديم الكفاءة“، أن عدم كفاءة المدراء يعتبر أمراً شائعاً، وذلك لأن الكثير من الشركات تقوم بترقية الموظفين لأسباب غير مناسبة. فهناك أشخاص يحصلون على ترقية بسبب ما يحرزونه من نتائج أو لامتلاكهم التقنيات والإمكانات المناسبة، لكنهم غالباً ما يفتقرون إلى المهارات اللازمة للتعامل مع أعضاء فريقهم. يقول مايكل أوسيم، أستاذ الإدارة في قسم “وليام وجاكلين إيغان” ضمن كلية “وارتون”، ومؤلف كتاب “القيادة إلى النجاح: كيف تقود مديرك لينجح كلاكما” (Leading Up: How to Lead Your Boss So You Both Win): “إن افتقار مديرك إلى الإمكانات التقنية أو الإدارية يؤدي إلى نتيجة واحدة؛ فالمدير الرديء يجعل الحماسة تفتر، ويقتل الإنتاجية ويجعلك تشعر بغضب شديد حدّ الجنون”.

كن قائداً للأوركسترا

وعلى الرغم من أن فكرة كراهية المدير سببها في بعض الحالات الموظف غير الكفؤ الذي لا يريد العمل بجد، وهي حالات تحدث عنها كثيراً المرحوم غازي القصيبي في كتابه “حياة في الإدارة”. ومع ذلك، فإن الشكاوى ضد المدير غير الكفؤ هي أمر حقيقي وتعاني منه معظم الدول بنسب مختلفة، وهي مسألة تحدث عنها بالتفصيل مقال “لا تدع السلطة تفسدك” في هارفارد بزنس ريفيو. وقد يكون أحد أبرز أسباب تنمر المدير السيء هو شعوره بالنقص، فرغم أن العصر الحالي لا يتطلب من المدير أن يكون ملماً بكل تفاصيل العمل وخبيراً أكثر من الموظفين في النواحي الفنية والتقنية، مع ذلك فما زالت بعض المؤسسات والعقليات الاجتماعية تفترض أن يكون المدير هو الخبير الأوحد والأكبر. وعندما لا يتحقق ذلك، يتحول المدير إلى متنمر يشعر بالنقص تجاه مرؤسيه الذين يفوقونه خبرة. هذا في الحقيقة مطبّ يجعل الكثير من المدراء يقعون في موقف دفاعي، ويحاولون التفرد بالسلطة، في زمن بات فيه عمل الفرق هو الأساس، وأصبح فيه دور المدير كمنسق الأوركسترا، وهذا ما أوضحته ليندا هيل، الأستاذة في كلية “هارفارد للأعمال”، في مقالها “ماذا يعني أن تكون المدير؟“. إذاً، لا يفترض بك أيها المدير أن تكون أنت الهداف وحارس المرمى وحامل الكأس، بل أنت “الكوتش” أو مدرّب الفريق.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .