لماذا تفشل الشركات الناشئة؟

20 دقيقة
الشركة الناشئة الرشيقة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio
لا يتعلق الأمر دوماً بما إذا كان سبب الفشل هو الحصان أم الفارس.

لا تنجح معظم الشركات الناشئة: وأكثر من ثلثيها لا يحقق عائداً إيجابياً للمستثمرين. ولكن لماذا ينتهي أمر الكثير من هذه الشركات بصورة مخيبة للآمال؟ فكرت في هذا السؤال كثيراً قبل عدة سنوات وأدركت أنني لا أستطيع الإجابة عنه،

وكان هذا الأمر مثيراً للتوتر. فعلى مدار الـ 24 عاماً الماضية، كنت أستاذاً في كلية هارفارد للأعمال حيث قدت الفريق المعني بتدريس مقرر “المدير الريادي”، وهو مقرر إلزامي في جميع برامج شهادة الماجستير في إدارة الأعمال لدينا. وفي كلية هارفارد للأعمال، استندت إلى بحوثي وخبراتي بوصفي مستثمراً ملاكاً وعملي في مجالس إدارة شركات ناشئة للمساعدة في وضع 14 مادة اختيارية في كل جانب من جوانب عملية إطلاق مشروع جديد. ولكن هل يمكنني حقاً تعليم الطلاب كيفية تأسيس شركات ناشئة رابحة وناجحة إذا لم أكن متأكداً من سبب فشل الكثير منها؟

ولذلك عقدت العزم على إيجاد إجابة عن هذا السؤال. فأجريت مقابلات مع مئات المؤسسين والمستثمرين أو استطلعت آراءهم، واطلعت على عشرات التقارير المنشورة عن الانتكاسات في مجال ريادة الأعمال، وكتبت ودرّست أكثر من 20 دراسة حالة حول المشاريع غير الناجحة. وأثمرت بحوثي عن كتاب بعنوان “لماذا تفشل الشركات الناشئة؟” (Why Startups Fail) الذي حددت فيه الأنماط المتكررة التي تشرح لماذا تذهب جهود عدد كبير من الشركات الناشئة سدى.

تتعارض النتائج التي توصلت إليها مع الافتراضات السابقة للعديد من مستثمري رأس المال المغامر الذين إذا سألتهم عن سبب فشل الشركات الناشئة، تسمعهم يتحدثون على الأرجح عن “الخيول” (أي الفرص التي تستهدفها الشركات الناشئة) و”الفرسان” (إشارة إلى المؤسسين). كلاهما مهم، ولكن إذا أُجبر أصحاب رؤوس الأموال المغامرة على الاختيار، فإن معظمهم سيفضّل المؤسس المتمرس على الفرصة الجذابة. وبالتالي، عندما طُلب منهم شرح سبب تعثر مشروع جديد واعد في نهاية المطاف، تَبين أن معظمهم يميلون إلى الإشارة إلى أوجه القصور لدى مؤسسيه، وعلى وجه الخصوص افتقارهم إلى المثابرة أو الفطنة فيما يتعلق بقطاع العمل أو القدرة على القيادة.

يمكن أن يكون لمجموعة كبيرة من أصحاب المصلحة، بما في ذلك الموظفون والشركاء الاستراتيجيون والمستثمرون، دور في انهيار المشروع.

فإلقاء اللوم على المؤسسين يبسط المواقف المعقدة أكثر من اللازم. وهو أيضاً مثال على ما يسميه علماء النفس “خطأ الإسناد الأساسي”؛ ما يعني ميل المراقبين إلى التركيز على تصرفات الأطراف الفاعلة الرئيسية وميل الأطراف الفاعلة الرئيسية إلى ذكر العوامل الظرفية التي ليست تحت سيطرتهم عند تفسير النتائج، على سبيل المثال في حالة فشل شركة ناشئة، يكون السبب هو الخطوات غير العقلانية للمنافس.

بصرف النظر عن كبش الفداء، حددت 6 أنماط للفشل، وقد وصفتها بشكل كامل في كتابي. اخترت في هذه المقالة التركيز على اثنين منهم بمزيد من التفصيل لسببين: أولاً، لأنهما السببان الأكثر شيوعاً لفشل الشركات الناشئة ويمكن تجنبهما. لست مهتماً بمشاريع محكوم عليها بالفشل بشكل واضح وليس لديها فرصة للنجاح أو حتى بالشركات الناشئة الواعدة التي فشلت بسبب قوى خارجية غير متوقعة مثل جائحة “كوفيد-19”. بدلاً من ذلك، ركزت على المشاريع التي بدا في البداية أنها واعدة ولكنها انهارت بعد ذلك بسبب أخطاء كان من الممكن تجنبها. ثانياً، هذان النمطان هما أكثر ما ينطبق على الأشخاص الذين يطلقون مشاريع جديدة داخل الشركات الأكبر حجماً والوكالات الحكومية والمؤسسات غير الربحية، ما يجعل لهما أهمية خاصة بالنسبة إلى قراء هارفارد بزنس ريفيو. سأشرح أدناه كل نمط بصورة أوفى، وسأوضحه بدراسة حالة، وسأبين متى يُحتمل حدوثه، وسأقترح طرقاً لتجنبه. (لمعرفة المزيد حول الأسباب الشائعة الأخرى للفشل، راجع العمود الجانبي “4 أنماط أخرى تؤدي إلى فشل الشركات الناشئة”).

فكرة المقالة باختصار

الفكرة  

لا تنجح معظم الشركات الناشئة. وقد أدرك أحد الخبراء البارزين في مجال ريادة الأعمال أنه لا يفهم السبب.

التحليل

كشفت دراسة إخفاقات الشركات الناشئة عن خطأين شائعين يرتكبهما المؤسسون: الفشل في إشراك أصحاب المصلحة المناسبين، والتسرع في تنفيذ الفرصة دون اختبار الأجواء أولاً.

الحل 

ينبغي للمؤسسين أن يأخذوا النصائح التقليدية في مجال ريادة الأعمال ببعض التحفظ أو الشك، لأنها غالباً ما تأتي بنتائج عكسية. ويتعين عليهم أيضاً العثور على المستثمرين وفريق الإدارة المناسبين وتجنب إعطاء القليل من الاهتمام للمقابلات التي تُجرى مع العملاء وإجراء بحوث حولهم.

الفكرة جيدة ولكن الرفقة سيئة

كما أشرت سابقاً، يبحث أصحاب رؤوس الأموال المغامرة عن مؤسسين يمتلكون الصفات المطلوبة: المرونة والشغف والخبرة في قيادة الفِرق الناشئة، وما إلى ذلك. ولكن حتى عندما تقود هذه المواهب النادرة مشروعاً جديداً، لا يزال هناك أطراف أخرى لإسهاماتها أهمية بالغة في هذا المشروع. إذ يمكن أن يكون لمجموعة كبيرة من أصحاب المصلحة، بما في ذلك الموظفون والشركاء الاستراتيجيون والمستثمرون، دور في انهيار المشروع.

في الواقع، إن الفارس (أو المؤسس) الرائع ليس ضرورياً حتى لنجاح الشركة الناشئة. إذ يمكن للأعضاء الآخرين في فريق الإدارة العليا تعويض أوجه القصور التي يعاني منها المؤسس، كما يمكن للمستثمرين والمستشارين المخضرمين توفير التوجيه والعلاقات المفيدة. فالمشروع الجديد الذي يغتنم فرصة رائعة سوف يجذب هؤلاء المساهمين، حتى لو كان مؤسسه ليس متمرساً. ولكن إذا كانت فكرته بالكاد جيدة، فقد لا تصبح الشركة الناشئة جاذبة للمواهب.

لنأخذ حالة شركة “كوينسي أباريل” (Quincy Apparel) مثالاً على ذلك. في مايو/أيار عام 2011، جاءت إليّ طالبتان سابقتان، وهما ألكسندرا نيلسون وكريستينا والاس، للحصول على ملاحظاتي حول فكرة شركتهما الناشئة. أُعجبت بفكرتهما التي أشارت إلى حاجة غير ملباة لدى العملاء وهي: أن الشابات العاملات يواجهن صعوبة في العثور على ملابس عمل أنيقة وبأسعار معقولة تناسبهن جيداً. ابتكرت نيلسون ووالاس، اللتان كانتا صديقتين مقربتين، حلاً جديداً وهو: جدول مقاسات يسمح للعملاء بتحديد 4 مقاسات منفصلة للملابس (مثل نسبة الخصر إلى الطول)، ما يشبه النهج المستخدم في تصميم البدلات الرجالية.

باتباع منهجية “الشركة الناشئة الرشيقة”، تحققت نيلسون ووالاس من طلبات العملاء باستخدام منتج جوهري قياسي (أو ما يُعرف بمنتج الحد الأدنى)؛ أي أبسط عرض ممكن يهدف إلى الحصول على ملاحظات موثوقة من العملاء. أقامتا 6 عروض مسبقة وحصرية يمكن للنساء من خلالها تجربة عينة من الملابس وتقديم طلباتهن. ومن بين 200 امرأة حضرن العروض، قامت 25% منهن بعملية شراء. واستناداً إلى هذه النتائج، استقالت المؤسستان من وظائفهما الاستشارية، وجمعتا 950 ألف دولار من رأس المال المغامر، ووظفتا فريقاً وأطلقتا شركة “كوينسي أباريل”. واستخدمتا نموذج عمل يستند إلى التعامل المباشر مع المستهلك من خلال البيع عبر الإنترنت وليس من خلال المتاجر التقليدية. في هذه المرحلة، أصبحتُ من أوائل المستثمرين الملائكة في الشركة.

كانت الطلبات الأولى كثيرة وكذلك عمليات إعادة الطلب؛ إذ إن 39% من العملاء الذين اشتروا ملابس من مجموعة الملابس الموسمية كرروا عمليات الشراء. ولكن الطلب القوي تطلّب استثمارات كبيرة في المخزون. وفي الوقت نفسه، تسببت مشكلات الإنتاج في عدم ملاءمة الملابس لبعض العميلات، ما أدى إلى مرتجعات أعلى من المتوقع. يفرض التعامل مع المرتجعات ومعالجة مشكلات الإنتاج ضغوطاً على هوامش الأرباح، ما يؤدي إلى استنزاف الاحتياطات النقدية لشركة “كوينسي” بشكل سريع. بعد أن حاولت “كوينسي” جمع المزيد من رأس المال وفشلت في ذلك، قلّص الفريق خط الإنتاج بهدف تبسيط العمليات وتحقيق الكفاءة. ومع ذلك، افتقرت الشركة إلى التمويل الكافي لنجاح عملية إعادة التمحور، واضطرت “كوينسي” إلى الإغلاق بعد أقل من عام على إطلاقها.

إذاً، لماذا فشلت “كوينسي”؟

كانت الفكرة التي طرحتها مؤسستا “كوينسي” جيدة. فقد كان عرض قيمة المشروع جذاباً للعملاء المستهدفين، وكانت الشركة تتبع معادلة منطقية لكسب أرباح على الأقل على المدى الطويل بعد التخلص من الأخطاء في الإنتاج. وكان لدى الفريق توقعات معقولة بأن العملاء في القطاعات ذات الأولوية، الذين يستأثرون بأكثر من نصف مبيعات “كوينسي”، ستزيد القيمة الدائمة لكل منهم على ألف دولار، ما يتجاوز بكثير متوسط تكلفة اكتساب عميل جديد التي تبلغ 100 دولار. (ظلت تكاليف التسويق العينية منخفضة بسبب الترويج الشفهي المدعوم من الشبكات الاجتماعية والتغطية الإعلامية المفعمة بالحماس).

هل كانت والاس ونيلسون “فارستين” دون المستوى؟ من ناحية الطباع، كانتا ملائمتين لدور المؤسس بشكل جيد. فقد كانت كلاهما تتسم بالذكاء وسعة الحيلة ولديهما نقاط قوة تكمل بعضها بعضاً.

والاس، التي كانت مسؤولة عن التسويق وجمع الأموال، كانت لديها رؤية كبيرة وأيضاً الكاريزما اللازمة لإقناع العملاء بتلك الرؤية. واتسمت نيلسون التي كانت تقود العمليات بالتأني والانضباط. ومع ذلك، فقد ترنح الفريق المؤسس بطريقتين مهمتين. أولاً، بسبب عدم رغبة والاس ونيلسون في توتر صداقتهما الوثيقة، فإنهما تشاركتا سلطة اتخاذ القرار بالتساوي فيما يتعلق بالاستراتيجية وتصميم المنتجات والخيارات الرئيسية الأخرى، ما أدى إلى إبطاء استجاباتهما عندما كان من الضروري اتخاذ إجراء. ثانياً، لم يكن لدى أي منهما خبرة في تصميم الملابس وتصنيعها.

ينطوي إنتاج الملابس على العديد من المهام المتخصصة، مثل تحديد مصادر التزود بالأقمشة وصنع نماذج تصميم الملابس ومراقبة الجودة. وللتعويض عن عدم معرفتهما بالمجال، قامتا تعيين بعض الأشخاص المحنكين في العمل لدى شركات الملابس، على افتراض أنهم سيشغلون وظائف متعددة كما يفعل أعضاء الفِرق الذين يمتلكون مواهب ومهارات متعددة في معظم الشركات الناشئة التي في مراحلها المبكرة. ولكن نظراً إلى أنهم معتادون على المستويات العالية من التخصص في شركات الملابس الكبيرة، فإنهم لم يكونوا مرنين في أداء المهام التي تقع خارج مجالات خبرتهم.

استعانت “كوينسي” بمصانع خارجية لتصنيع الملابس، وهو ليس أمراً غريباً في هذا القطاع. لكن المصانع كانت بطيئة في الوفاء بالتزامات الإنتاج لرواد أعمال ليسوا مشهورين في القطاع ويطلبون مقاسات غير عادية للملابس ويقدمون طلبات صغيرة، ما يعني تأخير الشحن بالنسبة إلى “كوينسي”.

كان للمستثمرين أيضاً دور في انهيار “كوينسي”. كانت المؤسِّستان تهدفان إلى جمع 1.5 مليون دولار لكنهما تمكنا من جمع 950 ألف دولار فقط. وكان ذلك كافياً لتمويل العمليات الخاصة إنتاج تشكيلتي أزياء موسميتين فقط. قبل إطلاق الشركة، افترضت المؤسِّستان على نحو صحيح أنه ستكون هناك حاجة إلى إطلاق 3 تشكيلات أزياء موسمية على الأقل لضبط العمليات بدقة. لاقت “كوينسي” بعض الزخم بعد إطلاق تشكيلتي أزياء موسميتين ولكنه لم يكن كافياً لجذب داعمين جدد، كما أن شركات رأس المال المغامر التي قدمت معظم أموالها كانت أصغر بكثير من أن تخصص المزيد من الأموال. علاوة على ذلك، أصيبت المؤسِّستان بخيبة أمل بسبب توجيهات أصحاب رؤوس الأموال المغامرة الذين ضغطوا عليهما لتحقيق النمو بكامل طاقة الشركة كما يحدث في الشركات التكنولوجية التي يعرفها المستثمرون. أدى القيام بذلك إلى إجبار “كوينسي” على بناء مخزون، وإنفاق الكثير من الأموال قبل حل مشكلات الإنتاج.

باختصار، كانت لدى “كوينسي” فكرة جيدة ولكن الرفقة كانت سيئة. فإلى جانب المؤسِّستين، كانت هناك مجموعة من مقدمي الموارد مسؤولة عن انهيار المشروع، بما في ذلك أعضاء الفريق وشركاء التصنيع والمستثمرون.

هل كان من الممكن تجنُّب هذه النتيجة؟ ربما. فقد كان افتقار المؤسِّستين إلى الخبرة في قطاع الأزياء هو السبب الرئيسي للعديد من المشكلات. استغرق فهم والاس ونيلسون لتعقيدات تصميم الملابس وإنتاجها وقتاً. وبدون علاقات في القطاع، لم تتمكنا من الاستفادة من شبكات علاقتهما المهنية في توظيف أعضاء الفريق أو الاعتماد على العلاقات السابقة مع مدراء المصانع لضمان التسليم السريع. وبدون سجل إنجازات في القطاع، واجهتا صعوبة في العثور على مستثمرين مستعدين للمراهنة على مؤسسين مبتدئين.

العديد من رواد الأعمال الذين يدّعون أنهم يتبنون منهجية “الشركة الناشئة الرشيقة” لا يتبنون فعلياً سوى جزء منها فقط؛ فهم يتهاونون في إجراء بحوث لمعرفة احتياجات العملاء.

تمثّل الحل المثالي في إحضار مؤسس مشارك آخر لديه خبرة في قطاع الملابس. حاولت نيلسون ووالاس فعل ذلك، ولكن دون جدوى. كان لديهما بالفعل بعض المستشارين الذين يمكنهم تقديم التوجيه، لكن إضافة المزيد منهم كان يمكن أن يساعد بشكل أكبر. ومن خلال تحليل أُجري بعد إغلاق النشاط، خلصت مؤسستا “كوينسي” أيضاً إلى أنه كان بإمكانهما تجنب المشكلات التشغيلية من خلال إسناد عملية التصميم والإنتاج بأكملها لمصنع واحد. وبالمثل، بدلاً من جمع الأموال من شركات رأس المال المغامر، كان بإمكانهما السعي إلى الحصول على دعم مالي من مصنع ملابس. كان يمكن لمصنع يمتلك حصة في “كوينسي” أن يعجل الطلبات وأن يعمل بجهد أكبر لتصحيح مشكلات الإنتاج. وأيضاً، كان ملاك المصنع سيعرفون كيفية تسريع وتيرة النمو في خط ملابس جديد، على عكس أصحاب رؤوس الأموال المغامرة في “كوينسي” الذين ضغطوا على الفريق من أجل تحقيق نمو مفرط.

ألقت المشكلات التي واجهت شركة “كوينسي” بعض الضوء على الصفات التي قد تجعل الشركات الناشئة عرضة لهذا النمط المحدد من الفشل. إن افتقار رواد الأعمال إلى الخبرة في المجال سيتسبب في مشكلة بوجه خاص عندما تكون هناك حاجة إلى الوفاء بالتزامات كبيرة وكثيرة متعلقة بالموارد، كما هو الحال في صناعة الملابس. فقد تعين على مؤسستي “كوينسي” تصميم عملية إنتاج متعددة الخطوات من البداية، ومراجعة مثل هذه العملية تصبح مربكة بمجرد تنفيذها. هناك عامل آخر وهو صيحات الموضة المتغيرة باستمرار؛ فقد كان على المؤسِّستين الالتزام بتصميمات الملابس ثم بناء مخزون لتشكيلة أزياء موسمية كاملة قبل عدة أشهر من طرحها للبيع.

وفي ظل مثل هذه التحديات، يمكن أن يؤدي التعلم بالممارسة إلى أخطاء باهظة الثمن. وما يفاقم هذه الضغوط هو أن المستثمرين يفضلون تخصيص جزء واحد من رأس المال في كل مرة، في انتظار معرفة ما إذا كان بإمكان الشركة الاستمرار في العمل كما هو متوقع أو مرغوب فيه. وإذا تعثرت الشركة الناشئة أو توقفت عن العمل، فقد لا يقدم المستثمرون الحاليون تمويلاً إضافياً، وسوف يخاف المستثمرون الجدد المحتملون من الاستثمار فيها. ولا يكون الانتقال إلى حل أفضل ممكناً إذا كان ذلك يتطلب رؤوس أموال ضخمة، بالإضافة إلى أسابيع أو أشهر لمعرفة ما إذا كانت الأساليب الجديدة مجدية أم لا. في هذه الحالة، ليس لدى رواد الأعمال أي مجال لارتكاب أخطاء كبيرة، لكن الافتقار إلى الخبرة في المجال يزيد من احتمالية حدوث عثرات.

البدايات الخاطئة

لطالما كنت مؤيداً لمنهجية “الشركة الناشئة الرشيقة”، لكن بينما كنت أبحث بشكل أعمق في دراسات حالة حول الفشل، خلصت إلى أن ممارساتها لم تكن تفي بوعودها. العديد من رواد الأعمال الذين يدّعون أنهم يتبنون منهجية “الشركات الناشئة الرشيقة” لا يتبنون فعلياً سوى جزء منها فقط. فتجدهم على وجه التحديد يطلقون منتجات الحد الأدنى ويكررونها بعد الحصول على التعليقات والملاحظات. ومن خلال إطلاق منتج الحد الأدنى ومعرفة كيفية استجابة العملاء له، من المفترض أن يتجنب المؤسسون إضاعة الوقت والمال في بناء وتسويق منتج لا يريده أحد.

ومع ذلك، بسبب التهاون في إجراء بحوث لمعرفة احتياجات العملاء قبل البدء في بذل الجهود المتعلقة بالبناء والتصميم، ينتهي الأمر برواد الأعمال بإهدار وقت ثمين ورأس مال على منتجات الحد الأدنى التي من المحتمل أن تفشل. هذه هي البدايات الخاطئة. فرواد الأعمال مثل العدّائين الذين ينطلقون قبل الوقت المحدد للسباق؛ فهم يتلهفون للغاية لطرح المنتج. إذ إن العبارات الطنانة التي تنادي بها منهجية “الشركة الناشئة الرشيقة”، مثل “أطلق المنتجات في وقت مبكر وبشكل متكرر” و”افشل سريعاً”، تشجع في الواقع على انتهاج سلوك “الاستعداد ثم إطلاق النار ثم تحديد الهدف”.

تعرضت الشركة الناشئة “تريانغيوليت” (Triangulate) المتخصصة في التعارف عبر الإنترنت لهذه المتلازمة في عام 2010. كان مؤسسها سونيل ناغاراج يعتزم في الأصل بناء محرك لمطابقة البيانات؛ وهو نوع من البرمجيات ستمنح “تريانغيوليت” ترخيص استخدامه لمواقع التعارف القائمة مثل “إي هارموني” (eHarmony) و”ماتش” (Match). سيستخرج المحرك بيانات الملف الشخصي للمستهلكين تلقائياً، بإذن منهم، من الشبكات الاجتماعية ومواقع وسائط الإعلام مثل “فيسبوك” و”تويتر” و”سبوتيفاي” (Spotify) و”نتفليكس”. وسيستخدم المحرك بعد ذلك الخوارزميات لجمع المستخدمين الذين تشير أذواقهم وعاداتهم إلى أنهم قد يكونون متوافقين عاطفياً. ولكن لم يدعم أصحاب رؤوس الأموال المغامرة الخطة. وقالوا لناغاراج: “عُد إلينا بعد توقيعك على صفقة ترخيص”.

ولكي يثبت ناغاراج لأصحاب التراخيص المحتملين أن المحرك ناجح، قرر استخدامه لتشغيل موقع التعارف الخاص بـ “تريانغيوليت”، وهو تطبيق على “فيسبوك” سيستفيد من بيانات المستخدم الوفيرة المتاحة لشركاء منصة “فيسبوك”. أبدى أصحاب رؤوس الأموال المغامرة اهتمامهم وجمع ناغاراج 750 ألف دولار وأطلق موقعاً للتعارف يسمى “وينغز” (Wings). كان الموقع مجانياً وحقق إيرادات من المبالغ البسيطة التي يدفعها المستخدمون الذين يرسلون هدايا أو رسائل رقمية. وسرعان ما أصبح “وينغز” الحدث الرئيسي بالنسبة إلى “تريانغيوليت”؛ فقد أصبحت خطة الترخيص في الدرجة الثانية من سلم الأولويات.

ملأ “وينغز” ملفات تعريف المستخدمين تلقائياً عن طريق إنشاء ارتباط بـ “فيسبوك” وخدمات أخرى عبر الإنترنت. كما أنه شجع المستخدمين على دعوة أصدقائهم إلى الموقع بصفتهم “معاونين” يمكنهم أن يشهدوا لهم، وأن يعطوا أيضاً دفعة قوية لنمو الموقع. ولكن بعد أقل من عام على إطلاق “وينغز” تخلى فريق ناغاراج عن كل من المحرك وفكرة “المعاون”. فقد وجد المستخدمون قيمة أكبر في التطابقات الموصى بها التي كانت قائمة على الجاذبية للشركاء المحتملين وعامل القرب والاستجابة للرسائل، وهي معايير تستخدمها مواقع التعارف الحالية بشكل روتيني. في غضون ذلك، لم يكن دور “المعاون” يحقق سرعة الانتشار المرجوة وجعل التنقل في الموقع مرهِقاً. علاوة على ذلك، لم يكن العديد من المستخدمين مرتاحين لفكرة أن تكون حياتهم العاطفية كتاباً مفتوحاً لأصدقائهم.

بعد مرور عام على إطلاق “وينغز”، كانت قاعدة مستخدميه آخذة في النمو، ولكن تفاعل المستخدمين كان أقل بكثير من المتوقع. ونتيجة لذلك، كانت الإيرادات لكل مستخدم أقل بكثير من التوقعات الأصلية لناغاراج. وأيضاً مع الانتشار المحدود للموقع كانت تكلفة اكتساب مستخدم جديد أعلى بكثير من توقعاته. ومع نموذج عمل غير مستدام، كان على ناغاراج وفريقه إعادة التمحور مرة أخرى، ولكن هذه المرة في ظل انخفاض الأرصدة النقدية. فأطلقوا موقعاً جديداً للتعارف، وهو “ديت بز” (DateBuzz)، الذي سمح للمستخدمين بالتصويت على عناصر في الملفات الشخصية للمستخدمين الآخرين قبل مشاهدة صورهم. عالج هذا الموقع أحد أكبر مواضع الشكوى في التعارف عبر الإنترنت، وهي: تأثير الصور على المراسلة. ففي مواقع التعارف العادية، يتلقى الأشخاص الجذابون عدداً كبيراً للغاية من الرسائل، بينما يتلقى المستخدمون الآخرون عدداً قليلاً للغاية. أعاد موقع “ديت بظ” توزيع الاهتمام بطرق زادت من رضا المستخدمين. فقد تم الاتصال بالأفراد الأقل جاذبية بوتيرة أكبر، ولا يزال المستخدمون الجذابون يتلقون الكثير من الاستفسارات.

على الرغم من هذا الابتكار، كان على موقع “ديت بز” أن ينفق أكثر بكثير مما يمكنه تحمله لاكتساب كل مستخدم جديد، كما كان الحال في موقع “وينغز”. وبسبب عدم الثقة في مدى تأثير الشبكة وهل سيؤدي إلى تقليل تكاليف اكتساب العملاء قبل استنفاد الأرصدة النقدية، أغلق ناغاراج موقع “تريانغيوليت” وأعاد 120 ألف دولار إلى المستثمرين.

إذاً، لماذا فشلت شركة “تريانغيوليت”؟

من الواضح أن المشكلة لم تكن في الفارس ولا في رفقائه. جمع ناغاراج الأموال من إحدى شركات رأس المال المغامر رفيعة المستوى ووظف فريقاً بارعاً للغاية يمكنه معالجة تعليقات المستخدمين بسرعة والاستجابة لها بإجراء التكرار بطريقة إبداعية وذكية. فنادراً ما يجذب المؤسسون الضعفاء فرقاً قوية وأموالاً ذكية. في هذه الحالة لم يكن الأمر يتعلق بأن “الفرصة مناسبة ولكن الموارد غير مناسبة” كما كان الحال في حالة فشل “كوينسي”، بل إن ما حدث في “تريانغيوليت” هو العكس؛ فقد كانت “الفرصة غير مناسبة ولكن الموارد مناسبة”.

4 أنماط أخرى تؤدي إلى فشل الشركات الناشئة

النتائج الإيجابية الزائفة. غالباً ما يسيء رواد الأعمال في المراحل المبكرة فهم الإشارات المتعلقة بالطلب في السوق. وبسبب اغترارهم باستجابة المستخدمين الأوائل الحماسية، فإنهم يتوسعون بسرعة. ولكن إذا كانت احتياجات العملاء العاديين تختلف عن احتياجات العملاء الأوائل، فقد يتعين على الشركة الناشئة إعادة تصميم منتجها وإعادة تأهيل السوق. يمكن أن تكون هذه الجهود مكلفة وقد تستهلك رأس المال الشحيح بالفعل، ما يزيد من احتمالات الفشل.

فخاخ السرعة. في هذا النمط يكتشف المشروع فرصة جذابة وينمو بسرعة في البداية، ما يجذب المستثمرين الذين يدفعون ثمناً باهظاً مقابل الأسهم ويضغطون من أجل مزيد من التوسع. وفي نهاية المطاف، تُشبع الشركة الناشئة سوقها الأصلية المستهدفة، وبالتالي سيتطلب النمو حينها توسيع قاعدة عملائها لتضم شرائح جديدة. ولكن الموجة التالية من العملاء لا تجد عرض القيمة مقنعاً بقدر ما وجده المستخدمون الأوائل. ولمواصلة النمو يجب أن تنفق الشركة مبالغ طائلة لاكتساب العملاء. في غضون ذلك، يجذب النمو السريع للشركة الناشئة المنافسين الذين يخفضون الأسعار وينفقون الأموال على العروض الترويجية. وفي مرحلة ما تصبح تكلفة اكتساب العملاء الجدد أكثر مما يستحقون. ومع استهلاك المشروع للأموال، يتردد المستثمرون في تخصيص المزيد من رؤوس الأموال.

التأخر في طلب المساعدة. تنجح الشركات الناشئة التي تتعرض لهذا النمط في الحفاظ على ملاءمة المنتج للسوق مع إضافة جحافل من العملاء الجدد، لكنها تتعثر بسبب أوجه القصور في التمويل أو فريق الإدارة العليا أو كليهما. في بعض الأحيان، تفقد قطاعات بأكملها شعبيتها لدى شركات رأس المال المغامر فجأة، مثلما حدث مع قطاع التكنولوجيا النظيفة في أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة. وإذا بدأت إحدى فترات جفاف مصادر التمويل في الوقت الذي تحاول فيه شركة ناشئة سريعة النمو القيام بجولة جديدة لجمع الأموال، فقد لا يستمر المشروع. تحتاج الشركات الناشئة التي تتوسع أيضاً إلى مسؤولين تنفيذيين رفيعي المستوى ذوي خبرة وظيفية عميقة ويمكنهم إدارة مجموعات أكبر من الموظفين في الهندسة والتسويق والتمويل والعمليات. ويمكن أن يؤدي التأخر في تعيين هؤلاء المسؤولين التنفيذيين أو توظيف الأشخاص غير المناسبين إلى حدوث انجراف استراتيجي وتصاعد التكاليف وخلق ثقافة معيبة.

صنع معجزات متتالية. يواجه رواد الأعمال الذين يسعون إلى تحقيق رؤية طموحة للغاية تحديات متعددة، مثل إقناع كتلة حرجة من العملاء بتغيير سلوكهم بشكل جذري وإتقان تكنولوجيات جديدة وعقد شراكات مع الشركات الكبرى القوية التي ازدهرت بسبب الوضع الراهن والحصول على إغاثة من المنظمات أو أي دعم حكومي آخر وجمع كميات هائلة من رأس المال. وكل تحدٍ هو مسألة “حياة أو موت”؛ إذ إن الفشل في أي منها سيؤدي إلى فشل المشروع. بافتراض أنه يمكن بنسبة 50% تحقيق نتيجة جيدة في أي تحدٍ معين، فإن احتمالية تحقيق نتائج جيدة في جميع التحديات الخمسة هي نفسها احتمالية الفوز في ألعاب الحظ التي تعادل 3%.

يكمن أحد أسباب فشل “تريانغيوليت” في عمليات إعادة التمحور الثلاثة التي أجرتها في أقل من عامين. فمن ناحية، تُعد عمليات إعادة التمحور أمراً أساسياً للشركات الناشئة الرشيقة. ومع كل تكرار، كان فريق ناغاراج يأخذ بنصيحة “افشل سريعاً”. اتبع الفريق أيضاً مبدأ “إطلاق المنتج في وقت مبكر وبشكل متكرر”؛ ما يعني تقديم منتج حقيقي لعملاء حقيقيين في أسرع وقت ممكن.

ولكن هناك جوانب أهم في منهجية “الشركة الناشئة الرشيقة” من تلك الممارسات. يؤكد ستيف بلانك، الخبير في منهجية الشركات الناشئة الرشيقة، على أنه يتعين على رواد الأعمال إكمال مرحلة تسمى “اكتشاف العملاء”، وهي جولة من المقابلات مع العملاء المحتملين، قبل البدء في بناء أي منتج. (انظر مقالة “لماذا تغير الشركات الناشئة الرشيقة كل شيء؟”، هارفارد بزنس ريفيو، مايو/أيار عام 2013). الهدف من هذه المقابلات هو معرفة احتياجات العملاء الملحة غير الملباة، وهي مشكلات تستحق المتابعة. في التحليل الذي أجراه ناغاراج بعد فشل “تريانغيوليت”، أقر بأنه تخطى هذه الخطوة الحاسمة. فقد فشل هو وفريقه في إجراء بحث مسبق للتحقق من وجود طلب على محرك مطابقة البيانات أو لمعرفة مدى الإعجاب بفكرة “المعاون”. كما أنهم لم يجروا اختبارات على منتج الحد الأدنى شبيهة بالعروض المسبقة التي أقامتها شركة “كوينسي”. وبدلاً من ذلك، سارعوا إلى إطلاق “وينغز” بوصفه منتجاً جاهزاً للعمل بكامل طاقته.

من خلال إعطاء القليل من الاهتمام لخطوة اكتشاف العملاء ومنتجات الحد الأدنى، وقع فريق “تريانغيوليت” ضحية لبداية خاطئة، وحوَّل مقولة “افشل سريعاً” إلى نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها. فإذا كان أعضاء الفريق قد تحدثوا مع العملاء في البداية أو اختبروا منتج حد أدنى حقيقي، كان من الممكن أن يصمموا منتجهم الأول بطرق تتوافق بشكل أكبر مع احتياجات السوق. بسبب فشل منتجهم الأول، أهدروا جولة من ملاحظات العملاء، والوقت هو أثمن مورد لدى رائد الأعمال في مراحله الأولى. ومع مرور الوقت، فإن إهدار إحدى الجولات يعني فرصة أقل في إعادة التمحور قبل نفاد الأموال.

لماذا يتخطى مؤسسون مثل ناغاراج خطوة إجراء بحوث مسبقة حول العملاء؟ يميل رواد الأعمال إلى الانخراط في العمل سريعاً؛ فهم يتلهفون للبدء. والمهندسون يحبون بناء الأشياء. لذلك غالباً ما يبدأ رواد الأعمال المهندسون، مثل ناغاراج وزملائه في الفريق، في بناء النسخة الأولى من منتجهم بأسرع ما يمكن. علاوة على ذلك، وفي ظل خطر التنميط، أود أن أقول إن العديد من المهندسين انطوائيون للغاية لدرجة أنهم لا يمكنهم اتباع نصيحة بلانك والخروج من مبنى الشركة لمعرفة آراء العملاء المحتملين.

يقع المؤسسون الذين لم يحصلوا على تدريب تقني ضحية للبدايات الخاطئة أيضاً. فهم يسمعون بشكل متكرر أن امتلاك منتج رائع أمر بالغ الأهمية، ولذلك فإنهم يستعينون بمهندسين بأسرع ما يمكن. وبعد ذلك، بسبب شعورهم بالضغط إزاء إبقاء هؤلاء المهندسين باهظي الثمن مشغولين، فإنهم يسارعون إلى تطوير منتجهم.

ينبغي لرواد الأعمال تحليل المنافسين، بما في ذلك اختبار المستخدم للحلول الحالية، لفهم نقاط القوة والضعف في المنتجات المنافسة.

والخبر السار هو أنه يمكن بسهولة تجنب البدايات الخاطئة باتباع عملية تصميم للمنتج مكونة من 3 خطوات.

1- تعريف المشكلة

قبل البدء في الأعمال الهندسية، ينبغي لرواد الأعمال إجراء مقابلات صارمة مع العملاء المحتملين، ويجب أن يقاوموا خلالها إغراء طرح حلولهم. سيتم الحصول على تعليقات بشأن الحلول الممكنة لاحقاً، لذا يجب أن يكون التركيز منصباً على تحديد مشكلات العملاء. من المهم أيضاً إجراء مقابلات مع الأشخاص الذين يُحتمل أن يكونوا من المستخدمين الأوائل والعملاء المحتملين “العاديين” الذين قد يميلون إلى الشراء لاحقاً. إذ سيتوقف النجاح على جذب كلتا المجموعتين اللتين قد تختلف احتياجاتهما. وإذا كانت احتياجاتهما مختلفة بالفعل، فسيتعين على رواد الأعمال مراعاة هذه الاختلافات عند وضع خارطة طريق للمنتج.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي لرواد الأعمال تحليل المنافسين، بما في ذلك اختبار المستخدم للحلول الحالية، لفهم نقاط القوة والضعف في المنتجات المنافسة. وبالمثل، يمكن أن تساعد استطلاعات الرأي فِرق الشركات الناشئة في قياس سلوكيات العملاء ومواقفهم، ما يُقدم بيانات مفيدة عند تجزئة السوق المحتملة وتحديد حجمها.

2- وضع الحلول

بمجرد أن يحدد رواد الأعمال شرائح العملاء ذات الأولوية وأن يفهموا احتياجاتهم غير الملباة بشكل أعمق، يجب أن تكون الخطوة التالية للفريق هي إجراء عصف ذهني للتوصل إلى مجموعة من الحلول. ينبغي للفريق وضع نماذج أولية للعديد من الأفكار والحصول على تعليقات بشأنها من خلال لقاءات فردية مع العملاء المحتملين. تبدأ معظم الفِرق بنماذج أولية بدائية، وترفض بعضها وتكرر العملية، ثم تحسّن تلك التي تبدو واعدة، وتنتج تدريجياً نسخاً “عالية الدقة” تشبه إلى حد كبير المنتج المستقبلي من حيث الوظيفة والشكل. ويستمر تكرار النماذج الأولية واختبارها حتى يظهر تصميم مفضّل.

3- التأكد من صلاحية الحلول

لتقييم الطلب على الحل المفضّل، يجري الفريق بعد ذلك سلسلة من الاختبارات على منتج الحد الأدنى. يقدم اختبار منتج الحد الأدنى منتحاً حقيقياً لعملاء حقيقيين على أرض الواقع لمعرفة كيفية استجابتهم له، على عكس جلسات مراجعة النموذج الأولي التجريبي التي تُجرى خلال الخطوة الثانية عن طريق اجتماعات مع مراجع واحد. لتجنب الهدر، فإن أفضل منتجات الحد الأدنى هي التي تمتلك أقل قدر من الدقة المطلوبة للحصول على مدخلات موثوقة؛ أي أنها لا تقدم قدراً من التحسين والقدرة الوظيفية أكبر مما هو ضروري للغاية. قد تؤدي اختبارات منتج الحد الأدنى المبكرة إلى المضي خطوة إلى الأمام، من خلال تقييم الطلب على منتج مخطط له من خلال حملة على منصة “كيك ستارتر” (Kickstarter) أو عن طريق التماس خطابات الإفصاح عن نوايا الشراء من العملاء في مجال التعامل التجاري بين الشركات.

قد يتطلب النجاح في عملية تصميم المنتج تغييراً في عقلية المؤسسين. في بداية أي مشروع يكون لدى العديد من رواد الأعمال فكرة مسبقة عن مشكلات العملاء التي سيواجهونها مع توفير حلول لها. وقد يعتقدون بقوة أنهم على الطريق الصحيح. ولكن في أثناء عملية تصميم المنتج، ينبغي لهم أن يتجنبوا الارتباط عاطفياً باقتران محدد بين المشكلات والحلول. إذ يجب أن يظل رواد الأعمال منفتحين على احتمالية أن تكشف العملية عن مشكلات أكثر إلحاحاً أو حلول أفضل.

السلوكيات التي يقول الفكر السائد إنها تجعل رائد الأعمال عظيماً يمكن، من قبيل المفارقة، أن تزيد من خطر الفشل.

الحفاظ على التوازن

بالطبع ليس هناك طريقة يمكن بها للمؤسسين معرفة الفخ القاتل الذي قد يقعون فيه عند إطلاق شركاتهم. ولكن التعرف على أنماط الفشل السائدة هذه يمكن أن يساعدهم، وكذلك فهم سبب تعرُّض الشركات الناشئة لهذه الأنماط في أحوال كثيرة. إذ يرجع ذلك جزئياً إلى أن السلوكيات التي يقول الفكر السائد إنها تجعل رائد الأعمال عظيماً يمكن، من قبيل المفارقة، أن تزيد من مخاطر التعرض لأنماط الفشل هذه. لذا، من المهم لرائد الأعمال الحفاظ على التوازن. يُعد التوجيه المستند إلى الفكر السائد أمراً جيداً، في معظم الأحيان، ولكن لا ينبغي اتباعه بشكل أعمى. ضع في اعتبارك النصائح التالية المقدمة للعديد من المؤسسين الجدد وكيف يمكن أن تأتي بنتائج عكسية:

لا تتخطّ خطوة الاستكشاف! رواد الأعمال العظماء يبذلون جهداً لإنجاز الأمور ويتحركون بسرعة لاغتنام الفرصة. لكن الميل إلى الانخراط سريعاً في العمل يمكن أن يغري رائد الأعمال باختصار خطوة الاستكشاف والقفز مبكراً إلى خطوة بناء المنتج وبيعه، كما أوضحت أعلاه. عندما يحدث ذلك، قد يجد المؤسسون أنهم أصبحوا محصورين في حل معيب في مرحلة مبكرة.

كن مثابراً! يواجه رواد الأعمال عقبات مراراً وتكراراً. ورواد الأعمال الحقيقيون هم الذين ينفضون الغبار عن أنفسهم ويعودون إلى العمل؛ إذ يجب أن يتحلوا بالعزم والمرونة. ولكن إذا تحولت المثابرة والإصرار إلى عناد، فقد يواجه المؤسسون صعوبة في التعرف على البداية الخاطئة. وبالمثل، قد يحجمون عن إجراء عملية إعادة تمحور عندما يكون من الواضح أن حلهم لا يجدي نفعاً. إذ إن تأخير عملية إعادة التمحور يؤدي إلى استهلاك رأس المال الشحيح بالفعل، ما يؤدي إلى تقصير عمر المشروع.

لا تجعل شغفك يعميك عن رؤية الحقيقة! الرغبة الشديدة في إحداث تأثير يغير العالم يمكن أن تساعد رواد الأعمال في التغلب على أكثر التحديات صعوبة. كما أنها يمكن أن تجذب الموظفين والمستثمرين والشركاء الذين سيساعدون في تحويل أحلام رواد الأعمال إلى حقيقة. ولكن في أسوأ الأحوال، يمكن أن يُترجم الشغف إلى ثقة مفرطة، وميل إلى تخطي مرحلة إجراء البحوث المسبقة بالغة الأهمية. وعلى نحو مماثل، يمكن للشغف أن يجعل رواد الأعمال يغفلون عن حقيقة أن منتجهم لا يلبي احتياجات العملاء.

اعمل بأقل قدر من الموارد! نظراً إلى أن الموارد محدودة، يجب على رواد الأعمال الحفاظ عليها من خلال الاقتصاد فيها واكتشاف طرق ذكية لإنجاز العمل بأقل الموارد. ولكن إذا لم تتمكن الشركة الناشئة من الوفاء بمقترحها ذي القيمة العالية باستمرار لأن فريقها يفتقر إلى مهارات بالغة الأهمية، فيجب على مؤسسيها أن يقرروا ما إذا كان يتعين عليهم تعيين موظفين يمتلكون هذه المهارات. وإذا طالب هؤلاء المرشحون بأجور عالية، فقد يقول المؤسس الذي يتسم بأنه شديد الإصرار ويقتصد في الموارد: “سنضطر إلى إنجاز العمل بدونهم” وسيخاطر بالعمل مع رفقة سيئة.

حقق نمواً! يجذب النمو السريع المستثمرين والمواهب ويرفع الروح المعنوية للفريق بشكل كبير. قد يغري هذا المؤسسين للحد من البحوث التي تُجرى حول العملاء وإطلاق منتجاتهم قبل الأوان. ويمكن أيضاً أن يشكل النمو السريع ضغوطاً شديدة على أعضاء الفريق والشركاء. وإذا كان لدى الفريق رفقة سيئة، فقد يؤدي النمو إلى تفاقم المشكلات المتعلقة بالجودة وانخفاض هوامش الربح.

أصبح من السائد في أوساط الشركات الناشئة التحدث بعفوية عن الفشل باعتباره وسام شرف أو نقطة تحول في الحياة؛ أي مجرد مرحلة أخرى من رحلة رائد الأعمال. قد يكون القيام بذلك بمثابة آلية للتكيف، أو أن تكرار الفشل يتسبب في اعتياد المشتغلين في عالم الأعمال على التكاليف البشرية والاقتصادية الفعلية للفشل. قدمت المشورة لعشرات من رواد الأعمال عندما كانوا يغلقون مشاريعهم. ووجدت أنهم دائماً ما يُظهرون المشاعر الفطرية مثل: الغضب والشعور بالذنب والحزن والخزي والاستياء. وفي بعض الحالات كان المؤسسون في حالة إنكار، بينما بدا الاكتئاب على آخرين. فمَن يمكن أن يلومهم بعد أن تحطمت أحلامهم واهتزت ثقتهم بأنفسهم؟ في عملي أحاول مساعدة الأشخاص على تقبُّل الفشل، لكن يمكنني القول إنه عند وقوع الحدث، لا توجد طريقة لتجنب حقيقة أن الفشل مؤلم، كما أنه يمكن أن يدمر العلاقات. عندما أسست نيلسون ووالاس شركة “كوينسي أباريل” تعاهدتا على عدم السماح لخلافات العمل أن تهدد صداقتهما الوثيقة. ولكن بعد الخلاف حول كيفية إغلاق الشركة تدريجياً، تأثرت علاقتهما الطيبة لمدة عامين. (تم إصلاح علاقتهما منذ ذلك الحين).

يؤثر الفشل سلباً على الاقتصاد والمجتمع أيضاً. فالمشروع المحكوم عليه بالفشل يجمد الموارد التي كان من الممكن استخدامها على نحو أفضل. كما أنه يُعد عائقاً أمام رواد الأعمال المحتملين الذين يتجنبون المخاطرة بشكل كبير، أو الذين لديهم التزامات مالية تجعل من الصعب الامتناع عن صرف الرواتب، أو الذين يواجهون عقبات عند جمع رأس المال، ويتجلى هذا بصورة أوضح في حالة الكثير من النساء والأقليات. من المؤكد أن الفشل سيكون (بل ويجب أن يكون) دائماً حقيقة واقعة بالنسبة إلى العديد من رواد الأعمال. إذ إن القيام بشيء جديد بموارد محدودة هو أمر ينطوي بطبيعته على مخاطر. ولكن من خلال إدراك أن العديد من حالات الفشل يمكن تجنبها واتباع المسار نفسه، يمكننا تقليل عددها ووتيرتها. وسيكون المردود هو اقتصاد قائم على مشاريع الأعمال الحرة يتسم بأنه أكثر إنتاجية وتنوعاً وأقل تضرراً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .