يتلخّص دور المدير غير التنفيذي في تمثيل مصالح المساهمين وأصحاب المصلحة الأوسع نطاقاً وحماية هذه المصالح، بمن فيهم الموظّفين والزبائن والمجتمع والبيئة. وتقع على عاتق مجلس الإدارة ومدرائها غير التنفيذيين بصفتهم أمناء على الشركة مسؤوليتان إداريّتان رئيستان:

  • ضمان الالتزام بالقواعد التنظيمية: كالامتثال للأحكام ذات الصلة والقوانين ومعايير المحاسبة ومتطلّبات الإفصاح عن البيانات، وغير ذلك.
  • تحفيز أداء الشركة: توجيه الإدارة والتأكّد من توزيع موارد الشركة بطريقة فاعلة ومنتجة.

إلا أنّ التطوّرات المستمرة في كلّ من مجالات الذكاء الاصطناعي وأتمتة العمليات الروبوتية وتقنية دفتر الحسابات الموزع، مثل سلسلة الكتل (البلوك تشين)، قد تتيح لمجالس الإدارة طريقة مختلفة كلياًّ تمكّنها من ممارسة مسؤولياتها، حيث يصبح ضمان دقّة المعلومات إجراء فورياً وغير مركزي، والذي من شأنه أن يجعل عمليات مراجعة حسابات الشركة وإعداد التقارير المالية وعمليات تدقيق الحسابات عملاً آنيّاً وثابتاً ولا يحتاج إلى جهدٍ كبير من المدراء غير التنفيذيين.

وعلى ضوء هذا التغيير طبّقنا هذه المنهجية في كتابنا الذي يحمل عنوان "إعادة ابتكار الوظائف" (Reinventing Jobs) بهدف إعادة ابتكار منصب المدير غير التنفيذي. وميّزنا أولاً جميع الأنشطة الهامّة التي يؤدّيها المدراء غير التنفيذيّون، ومن ثمّ صنّفناها إلى مهمات متكرّرة، كالعمل الروتيني القائم على إصدار الأحكام، أو مهمات متغيّرة، كالعمل الذي يتطلّب الإبداع والابتكار ضمن قوانين أو أحكام محدودة أو دونها، وحدّدنا النسبة المئوية للوقت الذي يقضيه المدير في أداء هذه الأنشطة. وانطلاقاً من ذلك، حدّدنا الدور الملائم للأتمتة الذي يتمثّل في خيارين اثنين، فإما أن تحل الأتمتة محل دور المدير غير التنفيذي بهدف تحسين الكفاءة والفاعلية أو أن تعزز جهود المدير غير التنفيذي الرامية إلى تحسين التأثير. ومن أهم الأمثلة على ذلك:

التحقق من البيانات الماليّة واستيفاء متطلبات إعداد التقارير: من المحتمل أن تُستبدل بتقنية دفتر الحسابات الموزّع والعقود الذكية.

بالنظر إلى عدم توافق المعلومات التي تحتفظ بها كلّ من الإدارة والمساهمين، يُفترض أن تقلل عمليات مثل التدقيق الداخلي والخارجي ولوحات معلومات مجلس الإدارة ومتطلبات إعداد التقارير من احتمال سعي الإدارة وراء مصالحها الخاصة أو مزاولة أدائها الضعيف.

لكن يمكن لتقنية دفتر الحسابات الموزّع والعقود الذكية أن تحتلّ دوراً يضمن الامتثال للقوانين واستيفاء متطلبات إعداد التقارير. على سبيل المثال، يمكن استخدام تقنية دفتر الحسابات الموزّع للتحقق من حسابات الشركة بشكل فوري في أي مكان في العالم، وهو ما قد يجعل أنشطة التدقيق والامتثال وإعداد التقارير الخاصة بمجلس الإدراة أنشطةً زائدة عن الحاجة. قد لا تحتاج الشركات أيضاً إلى عقد اجتماعات سنوية للمساهمين لاعتماد الحسابات المالية والتصويت على قرارات رئيسة. وقد تتيح التطورات في التكنولوجيا اتخاذ قرارات لا مركزية، حيث يمكن لجميع أصحاب المصلحة تحديد تفضيلاتهم باستخدام منصّات التصويت الآنيّة، سواء كانوا من المساهمين أو الزبائن أو الموظفين.

مراجعة مقترحات الإدارة والمشاركة في مداولات مجلس الإدارة: من المرجّح أن يقوم الذكاء الاصطناعي بدعمها.

جرت العادة أن يراجع المدراء غير التنفيذيّون المعلومات المقدّمة من الإدارة وأن يصدروا أحكامهم في عمليات اتّخاذ القرارات. إلا أنّه ومع استمرار عمليّة إضفاء الطابع الديمقراطي على المعلومات وتعلّم الآلة، أصبح الوصول إلى الرؤى الثاقبة الآنّية بهدف اتخاذ القرارات أسهل بكثير، إذ يمكن للتتبع الفوريّ وإعداد التقارير حول بيانات الأداء إلى جانب التحليلات التنبؤية أن تعزز عمليّة اتخاذ القرارات في المجلس. على سبيل المثال، لدى صندوق رأس المال المغامر في هونغ كونغ، "دييب نوليدج فينتشرز" (DKV) خوارزميّة يُطلق عليها اسم "فايتال" (Vital)، ولهذه الخوارزميّة مقعدٌ في مجلس إدارة الشركة ومهمتها توجيه قرارات الاستثمار. إذاً، أصبح من المعقول أن يكون لكل مجالس الإدارة في المستقبل عضو واحد على الأقل عبارة عن خوارزمية تواكب مناقشات مجلس الإدارة، وتحدّد سياق الأساسات المنطقية، وتشير إلى مناقشات سابقة، وحتى إلى سياقات تاريخية، وتقدم رؤى ثاقبة وتوصيات آنيّة على النحو المطلوب.

وضع استراتيجية الشركة ورؤيتها: ستواصل اعتمادها على المدراء غير التنفيذيين بشكل رئيس.

يتمثّل الدّور الرئيس للمدير غير التنفيذي في توفير الحكم والمشورة المستقلَّين حول قضايا الاستراتيجية والرؤية والأداء ومعايير السلوك. كما أنّ على المدراء غير التنفيذيين أن يتحدّوا الشركة ويؤثّروا فيها بشكل بنّاء وأن يساعدوها في تحديد أولوياتها الاستراتيجية. ونظراً إلى الطبيعة المتغيّرة لهذا العمل والقيمة الكبيرة المولاة للخبرة، فإننا نفترض أن يواصل المدراء غير التنفيذيين تأدية هذا المنصب، وإن كان مدعوماً ببيانات ورؤى ثاقبة أفضل.

يمكن لمسؤوليات المدير غير التنفيذي في عالم العمل الجديد أن تكون مختلفة اختلافاً جذرياً كما هو موضّحٌ في الأمثلة أعلاه. واستنادًا إلى تحليلاتنا، من الممكن زيادة نسبة دعم الذكاء الاصطناعي للأنشطة التي يضلع بها المدراء غير التنفيذيون حالياً لتصل إلى حوالي 48%، في حين يمكن استبدال حوالي 25% من هذه الأنشطة.

ما الأثر الذي سيتركه هذا التغيير على منصب المدراء غير التنفيذيين في المستقبل؟ كيف يمكنهم استغلال الوقت الذي أصبح شاغراً؟ هل سيكونون قادرين على الانخراط بشكل أعمق في المهمات "البشرية" مثل وضع الاستراتيجيات؟ نتوقّع تحوّلاً في أدوارهم المعنية بمسؤوليات الأمانة المهنية التقليدية إلى منصب استشاري أكثر. ومن المحتمل أن يقضي المدراء غير التنفيذيين معظم أوقاتهم كمستشارين داخليين ومستشارين للرئيس التنفيذي والإدارة. وسيكون عليهم أن يتمتعوا بمعرفة واسعة بنماذج الأعمال وتفضيلات الزبائن، في حين سيظلّ القطاع والخبرات المتنوعة من الناحية الجغرافية والشبكات والعلاقات المهنية في مقدّمة الأولويات بالنسبة إليهم. وسيتعيّن عليهم أيضاً اكتساب مهارات جديدة تتعلّق بالأمن السيبراني وحوكمة اقتصاد الأعمال المستقلة وأخلاقيات التكنولوجيا والاقتصاد السلوكي، وتعزيز مهارات الموظفين وصقلها، وإدارة سمعة الشركة، وتوجيه هدف المؤسسة.

لا يمكن لمجالس الإدارة أن تتعامل مع طبيعة العمل في المستقبل إلا من خلال تحقيق التوازن الأمثل بين البشر والآلات. وستواصل الشركات في الاقتصاد الجديد اعتمادها على مدراء غير تنفيذيين أقوياء بالفعل، حتى وإن كان عملهم يتضمن مهمات مختلفة أو تعيّن عليهم تأدية مناصب مختلفة أو تمتعوا بمهارات مختلفة. وكما يقول أحد كبار المدارء غير التنفيذيين: "لا يمكنك ابتكار خوارزمية تحل محل الخبرة البشرية". قد يكون هذا صحيحاً، لكن لا تذكر ذلك أمام برمجية "ألفا غو" (AlphaGo).

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!