في العام 1900، كان هناك 30 مليون مزارع يعملون في الولايات المتحدة. وبحلول العام 1990، انخفض هذا العدد إلى أقل من ثلاثة ملايين على الرغم من تضاعف عدد السكان أكثر من ثلاث مرات. هذا الأمر أدى إلى فقدان 90 في المئة من العاملين في الزراعة الأميركية لوظائفهم، ويرجع السبب بشكل أساسي إلى الأتمتة. ومع ذلك، ما زال القرن الماضي يعتبر حقبة من حقب الازدهار غير المسبوق.

ومن المرجح رؤية تحوّلات مماثلة في العقود القادمة. فاليوم (تماماً كما حدث في ما مضى) سيتم الاستيلاء على وظائف الكثيرين من قبل الآلات، على الرغم من أنّ العديد من وظائف المستقبل لم يتم اختراعها بعد. ويثير هذا الأمر مخاوفاً لدى البعض وإثارة للبعض الآخر، لذا يتوجب علينا جميعاً التخطيط لمستقبل بالكاد نعرف ملامحه اليوم. إنّ ما يجري بهذا الشأن يُسبب معضلة لدى القادة. فمن الواضح أنّ أي مؤسسة لا تتبنى الأتمتة، لن تكون قادرة على الاستمرار أكثر من كونها مؤسسة مبينة على مزارع ومحراث تجرهما الخيول. وفي نفس الوقت، يتعين على المدراء مواصلة تحفيز موظفيهم الذين يخافون من أن تحلّ الروبوتات محل أماكنهم الوظيفية. كما سيتطلب عصر الأتمتة الحديث من القادة تحديد مصادر جديدة لخلق القيمة.

حدد مستوى أعلى للقيمة

من الممتع كتابة قوائم بأمور كنا نعتقد أنّ الآلات لن تتمكن أبداً من القيام بها. فقد قيل أنّ البشر وحدهم يستطيعون التعرف على الوجوه، ولعب الشطرنج، وقيادة السيارة، والقيام بالكثير من الأمور الأخرى التي أصبحت مؤتمتة اليوم. ومع ذلك، وعلى الرغم من أنّ الآلات قد تولت بعض المهام، إلا أنها لم تحلّ محل البشر فعلياً. ومع أنّ القوى العاملة تضاعفت مرتين منذ العام 1970، إلا أنّ البطالة لا تزال منخفضة إلى حد ما، لا سيما بين أصحاب المستويات التعليمية الأعلى من التعليم الثانوي فقط. وفي الواقع، ارتفعت المشاركة الإجمالية للقوى العاملة بالنسبة للبالغين في سن العمل من 70 في المئة عام 1970 إلى أكثر من 80 في المئة اليوم.

وعندما تصبح المهمة مؤتمتة، فإنّها إلى حد كبير تتحول إلى سلعة أيضاً. ثم تصبح القيمة على مستوى أعلى مما كانت عليه عندما كان الناس مشغولين بالقيام بأمور أكثر أساسية. على سبيل المثال، لم تعد قيمة فروع المصارف تأتي من معالجة الودائع يدوياً، وإنما من حل مشاكل العملاء الأكثر تعقيداً، مثل توفير الرهون العقارية. وبنفس الطريقة، لا أحد يتصل بوكالة السفر لحجز رحلة بسيطة الآن. فنحن نتوقع شيئاً أكبر منهم، مثل تخطيط إجازة أحلامك. وأيضاً تنبع أهمية المساعدين الإداريين ليس من كونهم يتلقون الأوامر ويعيدون كتابتها على الآلة الكاتبة فحسب، بل لأنهم يشرفون على وضع أولويات المهام في عصر اتسم بالكم الهائل من المعلومات.

لذلك، فإنّ التحدي الأول لقادة الأعمال الذين يواجهون عصراً جديداً من الأتمتة هو ليس فقط الاكتفاء بمحاولة تخفيض التكاليف، ولكن أيضاً تحديد المجالات الكبيرة القادمة التي ستخلق قيمة لأعمالهم. إذ ما زالت كيفية استخدام التكنولوجيا لتوسيع مهارات البشر بطرق معينة غامضة بالنسبة لنا اليوم، لكن هل ستكون كذلك بعد عقد من الزمن؟ وكل من سيتمكن من تحديد تلك المجالات القيّمة أولاً، سيكون أول من يضع قدمه في هذه المنافسة.

ابتكر نماذجاً للأعمال

قد تكون أمازون الشركة المؤتمتة الأكثر نجاحاً في العالم. فكل شيء ابتداء بسلسلة التوريد إلى إدارة علاقات العملاء يتم تطويره من خلال استخدام البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي. واكتملت هيمنتها على الإنترنت عندما حققت خلال موسم عيد الميلاد حصة سوقية ضخمة بنسبة 36.9 في المئة من المبيعات عبر الإنترنت.

لذا تفاجأ الكثير من الناس عندما أطلقت أمازون متجراً لبيع الكتب، ولكن كما أظهرت شركة آبل بنجاحها الكبير في عملية البيع بالتجزئة، فهناك ميزة كبيرة لمتاجر البيع التي تضم موظفين متدربين جيداً. فهم يستطيعون الإجابة عن الأسئلة، وتقديم المشورة، والتفاعل مع العملاء بطرق لن تستطيع الآلة أبداً أن تفعلها.

لاحظ كذلك أنّ متاجر آبل وأمازون لا تشبه المحلات التجارية التقليدية، فهي مؤتمتة إلى حد كبير لتتوافق مع مقتضيات العصر الصناعي، مثل آلية سحب النقود وإلغاء ممرات التسوق. وهذا يسمح لموظفي المبيعات التركيز على خدمة العملاء بدلاً من إضاعة الوقت والطاقة في إدارة المعاملات.

حاول إعادة تصميم الوظائف

عندما ألقى المدراء التنفيذيون لشركة زيروكس نظرة خاطفة على الآلتو  (The Alto)،  وهو من أوائل الحواسيب الشخصية التي ألهمت ستيف جوبز لبناء ماكنتوش، لم يُثر إعجابهم، حيث بدا لهم كآلة تعمل على أتمتة عمل السكرتارية، الأمر الذي لن يكون قيّماً بالنسبة لمدراء تنفيذيين. يوجد اليوم عدد قليل من أولئك الموظفين الذين يستطيعون العمل من دون معالجة النصوص وجداول البيانات.

إننا نشهد بالفعل عملية مماثلة لإعادة التصميم باستخدام تقنيات ذكية اصطناعية. كما قال لي سكوت إكيرت، الرئيس التنفيذي لشركة ريثينك روبوتيكس (Rethink Robotics)، التي تصنع روبوتات باكستر (Baxter) وسوير (Sawyer) المشهورة: “لقد رأينا في كثير من الحالات أنه ليست الإنتاجية وحدها التي تتحسن بشكل كبير، وإنما يتم إعادة تصميم الوظائف بطريقة تجعلها أكثر إثارة للاهتمام ومجزية للموظف كذلك”. إذ تتحول الوظائف في المعمل من كونها مهاماً يدوية إلى مهام لتصميم عمل الروبوتات.

كما تعتقد ليندا تشين، التي شاركت في تطوير نظام خبير السرطانات في مركز أندرسون للسرطانات (MD Anderson) والمدعوم من قبل آي بي إم واتسون، أنّ أتمتة المهام المعرفية في الطب يمكن أن يساعد الأطباء على التركيز أكثر على المرضى، حيث تقول: “تخيل أنّه بدلاً من قضاء 12 دقيقة في البحث عن المعلومات وثلاث دقائق فقط مع المريض، أن يكون باستطاعة الطبيب الاستعداد في ثلاث دقائق فقط لمقابلة المريض وقضاء 12 دقيقة معه”.

وتضيف “سيغيّر هذا كيفية تفاعل الأطباء مع المرضى. فعندما تكون كل المعرفة الطبية في العالم في متناول أيدي الأطباء، سيكون بمقدورهم تكريس المزيد من الطاقة العقلية لفهم شخصية المريض، وليس تشخيصه طبياً فحسب. وهذا سيساعدهم بدوره على أخذ نمط حياتهم، ووضعهم العائلي وعوامل أخرى بعين الاعتبار عند وصف العلاج لهم”.

الموارد البشرية تصبح شحيحة

قبل الثورة الصناعية، كسب معظم الناس معيشتهم من خلال العمل البدني. ويعتبر العديد من التجار اليوم أنّ استخدام الآلات يُشكل تهديداً وبالفعل كان كذلك. فلم يعد هنالك الكثير من العمل للحدادين أو نساجي النول في هذه الأيام. وما لم يكن واضحاً في ذلك الوقت هو أنّ التصنيع سيخلق اقتصاداً معرفياً وطلباً على العمل المعرفي الأعلى أجراً.

إننا نشهد اليوم تحولاً مماثلاً من المهارات المعرفية إلى المهارات الاجتماعية. جميعنا يحمل الحواسيب الخارقة في جيبه، والتي يمكنها الوصول إلى المعرفة الجماعية للعالم خلال لحظة. إذاً، سيقل الطلب على مهارات كالقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات أو التلاعب بالأرقام، في حين أنّ مهارات القدرة على التعاون، مع البشر والآلات ستكون الأكثر طلباً.

من الواضح تماماً، أنّه هناك بعض الأمور التي لن تستطيع الآلات فعلها أبداً. فهي لن تستطيع أن تضرب الكرة في دوري بيسبول، أو أن تتأذى مشاعرها، أو أن تقلق حول أداء أطفالها في المدرسة. هذه القيود تعني أنها لن تكون قادرة أبداً على تبادل الخبرات الإنسانية أو إظهار التعاطف الحقيقي. لذا، سنحتاج إلى البشر للتعاون مع البشر الآخرين دوماً.

وكما قال لي المتنبئ بالمستقبل الدكتور جيمس كانتون: “إنها إلى حد كبير مسألة تطور مشترك. فمع انخفاض قيمة التشغيل الآلي في بعض الأنشطة وزيادة قيمتها في البعض الآخر، فإننا نقوم بإعادة تصميم عمليات العمل لدينا بحيث يركز الناس على المجالات التي يمكنهم تقديم أكبر قيمة فيها بالتشارك مع الآلات لتصبح أكثر إنتاجية “.

وبالتالي، فإنّ مفتاح النجاح في عصر الأتمتة، الذي تقوم الروبوتات فيه بمهام كان البشر يؤدّونها في السابق، لا يكمن في زيادة الكفاءة فحسب، بل في استكشاف وتحديد كيفية خلق الطلب على وظائف جديدة تحتاج من يقوم بها من خلال زيادة الكفاءة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!