تمثل العلاقة بين المدرب أو الموجّه من جهة، والمتدرب أو المتلقي من جهة ثانية، علاقة ازدواجية تفاعلية بين شخص في منصب أعلى رتبةً وآخر في منصبٍ أدنى. ويتطلب نجاح هذه العلاقة حالة من التناغم والتنسيق بين الطرفين. وفي حين أننا وآخرين كتبنا عن صفات المدرب أو الموجه المثالي، لم يحظ الشريك الآخر في المقابل بمثل ذلك القدر من الاهتمام. يُعتبر غياب الاهتمام بالمتدربين أمراً مؤسفاً لأنه ومثل عملية التدريب، يتطلب تلقيه سلوكيات محددة،  حيث يؤثر عدم توفرها سلباً على نجاح المتدرب. وفي هذا المقال، حددنا 6 عادات أو صفات يتحلى بها المتدربون المثاليون وعرضنا أمثلة ووجهات نظر تكونت عبر سنوات من الخبرة الأكاديمية. وفي حين أننا نركز على العلاقة الأكاديمية الطيبة، فإن استنتاجاتنا تصلح لأي تخصص تقريباً.

حاول توضيح ما تريد

"أريد مدرباً"، هذا ما نسمعه في أكثر الأحيان ضمن أروقة المستشفيات، ولا سيما في المراكز الطبية التعليمية التي تستخدم لتدريب أطباء المستقبل. بصفتنا أطباء أكاديميين، استجبنا لمثل هذا الطلب مراراَ وتكراراً. ولكن أول ما يفترض أن يوضحه من يبحث عن موجه هو تحديد أي نوع من المساعدة يحتاج.

وبينما يحتاج الكثير من المتدربين، ممن يتطلعون إلى أن يصبحوا علماء طبيين على سبيل المثال توجيهاً جدياً وطويل المدى، يحتاج آخرون المساعدة في مسائل آنية، فهم يحتاجون مثلاً النصح بشأن التفاوض في عرض عمل، أو إلقاء كلمة خلال اجتماع عام، أو العثور على عمل في مستشفى آخر. تتطلب مثل هذه الحالات نوعاً آخر من الموجهين، ممن صنفناهم في مقالة من مجلة جمعية الطب الأميركية للطب الداخلي (JAMA Internal Medicine) بأنهم مرشدون ورعاة وموصلون (خبراء تواصل). يستفيد بعض المتدربين ممن يواجهون تحديات محددة وعلى نطاق أضيق مثل الاستعداد لإلقاء كلمة من خبرات مرشد يساعدهم على تحسين الأداء المتصل بمسألة بعينها. ويقول اتول غاواندي الجراح والكاتب الذي استعان بمدرب لتحسين مهاراته الجراحية التقنية: "إن الإرشاد الجيد يكون أكثر التدخلات المعدة للأداء البشري فعالية".

في أحيان أخرى، يحتاج المتدربون إلى رعاة مثل: كبار الأطباء (من رؤساء الأطباء، ورؤساء الأقسام، والعمداء) الذين نسجوا الكثير من العلاقات الاجتماعية والسياسية على امتداد مسيرتهم المهنية. يوظف الرعاة اسمهم وسمعتهم لمساعدة أصحاب المواهب الواعدة للانضمام إلى اللجان المرموقة ومجموعات البحث أو الأوساط الراقية.

وفي النهاية، يحتاج بعض المتدربين إلى خبير اتصال، وهو مرشد محنّك يمكنه الجمع بين الموجه والمتدرب أو بناء فريق توجيه. في كتابه "نقطة التحول" (The Tipping Point) يصف مالكولم غلادويل خبراء التواصل على أنهم "مضاعفين" (multipliers) يساعدون في نسج علاقات بين الناس.

ليكن خيارك حكيماً

إن معرفة ما تريد يعتبر الخطوم الأولى، أما الخطوة الثانية فهي العثور على الشخص المناسب. ومثل اختيار شريك الزواج، يؤثر اختيارك للموجه بنسبة 95 في المئة على نجاحك وسعادتك. ابدأ بالتعرف على الأشخاص الناجحين الذين يحظون بإعجابك وتقديرك وثقتك. ويمكن القول إنّ الصفات الشخصية للموجّه هي بمثل أهمية خبرته وانجازاته، مثل إيثاره مساعدة الآخرين، وإقامته توازناً بين عمله وحياته الشخصية، وصبره. اعثر على موجه يمكنك التواصل معه بسهولة ويشاركك أهدافك ويفهم أولوياتك. وتذكر أنّ الأشخاص الذين يشغلون أرقى المناصب ليس بالضرورة أن يكونوا الأمثل لأداء هذه المهمة. نحن ننصح المتدربين بالعثور على موجّهين يمثلون قدوة لهم، وبأن يتيقّنوا أنهم في مستوى التحدي.

حدد هدفاً يمكنك بلوغه

تذكر أنّ المدربين يرغبون في مساعدة من هم قادرون على إنجاز العمل: من يستطيع إكمال ما بدأوه. لذلك احرص على فهم الشرط الأساسي للنجاح. إضافة إلى ذلك، تجمع المتدربين المثاليين صفات محددة: فهم متحمسون، ومفعمون بالطاقة، ومنظّمون وشديدو التركيز. ويتقبلون الرأي المهني مع بقائهم منفتحين ومتجاوبين، ويتحلون على الدوام بالنزاهة ويدركون أنّ الجدية والتفاني في العمل يعود بالنفع عليهم في نهاية المطاف. وهكذا يتعلم المتدربون المثاليون كيف يقطعون وعوداً يعرفون أنّ بوسعهم تحقيق أكثر منها (كأن يقولوا: ستكون لديك النسخة الأولى من المشروع خلال أسبوع)، ثم يسلمونها قبل الوقت المحدد (فيقولون: أعرف أنه لم يمر سوى ثلاثة أيام، لكن النسخة الأولى باتت جاهزة). وهم يحرصون على تقديم عمل جيد، في كل مرة.

احترم وقت مدربك

يحقق المدربون الجيدون النجاح لسبب وجيه: وهو أنهم قادرون على إدارة وقتهم بحكمة، وهم يقومون بأمور عدة في الوقت نفسه لضمان النجاح. وبصفتك متدرباً، عليك تعلم احترام وقت مدربك، كأن تعطيه على سبيل المثال الوقت الكافي لمراجعة عملك (أسبوع على سبيل المثال لمراجعة الملخصات وأسبوعان أو ثلاثة على الأقل للمنح). حدد أهداف الاجتماعات مسبقاً بأن تعرف ما الذي تريد مناقشته وإنجازه خلال الاجتماع. والأهم، ابتعد عن رسائل البريد الإلكتروني المطولة والمعقدة التي لا تحتمل إجابة مباشرة على سؤال محدد. بدلاً من ذلك اطرح أسئلة يمكنهم الإجابة عليها بنعم أو لا، واترك الأمور التي تحتاج لشرح طويل للقاءات المباشرة. من أجل ضمان النجاح، تعامل مع وقت مدربك بصفته سلعة ثمينة وفكر في الطرق الأمثل للاستفادة منه سواء عندما تتواصل أو تلتقي معه.

احترس من المطبات

كما هو الحال في عالم الإدارة، يتعين على المتدربين أن يتعلموا كيف يحسنون إدارة الوقت، أي أن يساعدوا مدربهم على توجيههم. عندما يسترسل المدرب في أمر ما، على المتدرب أن يكون مستعداً للعودة إلى النقطة الجوهرية. وتمثل "الممارسات الخاطئة" في عملية التوجيه جملة من سلوكيات المدرب التي ستؤثر سواء عن قصد أو غير قصد وبصورة كبيرة على نجاحك. ارصد الإشارات التي تنبهك إلى الأمر، وتعلم كيف يتعين عليك أن تتعامل معها. على سبيل المثال، إذا أصبح مدربك معيقاً لتقدمك، حدد مواعيد نهائية قاطعة واشرح بوضوح ما الذي سيحدث لدى وصوله. في المقابل، إذا لا حظت أنّ مدربك يصادر أفكارك، سيتعين عليك اتخاذ تدابير أكثر صرامة. وبالمثل، يتوجب عليك الحرص على عدم اتخاذ خطوات غير محسوبة تؤثر سلباً على نجاحك. على سبيل المثال، "لا تتهرب" من مدربك، كأن تتجنب مقابلته للتهرب من معالجة مسألة صعبة. ولا تستغل مدربك أو ترهقه بأن تمطره بالأسئلة أو ترسل له رسائل بريدية مطولة. يمكن للمتدربين تجنب "العثرات" ولكن هذا الأمر يتطلب توجيههم جيداً للتعرف عليها وتفاديها.

كن ملتزماً وابذل قصارى جهدك

يُعتبر المتدربون الأمثل هم من يجعلون المدربين يقبلون على العمل معهم. فهم ممتلئون نشاطاً وحيوية ويعطون طاقة إيجابية لمن هم حولهم ولا يكتفون بالاستفادة من طاقة الآخرين. إنهم يحضرون إلى العمل بكل حماسة ونشاط تحدوهم الرغبة في إنجاز المشروع والمضي قدماً. فيقبل المدربون أكثر على العمل بإيجابية مع المتدرب الذي يعرض ما أنجزه بعيداً عن التركيز على الجانب الصعب في العمل. تحلى بهذه الذهنية وتجنب التذمر والشكوى من أشخاص آخرين ومن وضع ما. وفي حال واجهت مشكلة (وهو أمر متوقع) من الأفضل أن تتعامل معها بصفتها فرصة لتنمية مهاراتك. اعرض عدة حلول واستمع لنصيحة مدربك بشأن افضل مسار يمكنك اتباعه.

يبقى في هذا الصدد أن نذكّر بمدى أهمية التحلي بالنضج، لا سيما عندما يبدي المدرب رأيه في مخطوطة أو منحة أو مقترح أو نص كلمة. تجنب الدفاع عن نفسك ووضع مدربك في وضع غريب، حيث يجد نفسه مسؤولاً عن راحتك. إذ خبرنا حالات قطع فيها المدربون علاقتهم بالمتدربين المبالغين في الدفاع عن أنفسهم لأن إعطاء رأي بنّاء لهؤلاء المتدربين بات مضيعة للوقت ومرهقاً للطرفين. لا شك أنّ مثل هذه النتيجة ستعود بالضرر على المتدرب. وتذكروا كذلك أنّ تحليكم بنبل الأخلاق أمر شديد الأهمية، فلا تنسوا أن تعبروا عن تقديركم وشكركم لكل من ساعدكم على تحقيق النجاح.

كما هو الحال في النشاطات المهنية الأخرى، فإنّ العلاقة بين المدرب والمتدرب في مجال الطب هي علاقة شراكة بين طرفين. وبالإضافة إلى تحقيق نتائج ذات نوعية عالية بفضل التحلي بالنزاهة، يعرف المتدربون المتميزون أي نوع من المساعدة يقصدون، ويختارون الأشخاص المناسبين لمساعدتهم، وينهون مهامهم قبل المهلة المحددة. وهم كذلك حريصون على احترام وقت مدربهم ويقبلون على العمل بحماسة وإخلاص ويعبّرون عن تقديرهم لكل من ساهم في نجاحهم. فهل لديهم الصفات المطلوبة لذلك؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!