اهتمّ علماء الإدارة وخبرائها بالدراسات والتجارب الفريدة المتعلقة بالثقافة التنظيمية للمؤسسات وذلك لزيادة وتيرة المنافسة بين الشركات وزحف العولمة بثقافاتها المتنوعة وتسارع التحول الرقمي وتفاقم الفضائح الأخلاقية وزيادة الكوارث المتعلقة بأمن المعلومات. ويشير مصطلح الثقافة التنظيمية إلى مجموعة القيم الأخلاقية والتقاليد والمبادئ الجماعية والأعراف السائدة في أي مؤسسة.

ولهذه الثقافة دور كبير في تشكيل هوية المؤسسة وتوجيه سلوك أبنائها وتشكيل قنوات التواصل وتهذيب قرارات قادتها وصبغ هياكلها التنظيمية ورسم مسارات النمو الوظيفي فيها، إضافة إلى تحديد مناهج فض النزاعات وتطوير نظام الحوافز، وذلك بحسب ما أكد عالم الإدارة إدغار شاين في كتابه الشهير "الثقافة التنظيمية والقيادة" (Organizational Culture and Leadership). كما أنّ الثقافة التنظيمية للشركات حاضرة أثناء توزيع السلطة والنفوذ وتقسيم فرق العمل داخل الشركة والاتفاق على طرق إنجاز المعاملات ورسم سياسات التعامل مع الموظفين والعملاء، فضلاً عن كيفية تعاطي الشركة مع مشاكل المجتمع والتحديات البيئية.

وتتولد هذه الثقافة أولاً من قناعات المشاركين في تأسيس المؤسسة، ثم ما تلبث أنْ تنضج بفضل الخبرات والتجارب المتراكمة، وتتلاقح مفرداتها مع ثقافة الموظفين الجدد وتمتزج بفلسفة ومبادئ قادتها ورموزها وشخصياتها الملهمة. فالقادة هم الملهمون ورعاة القيم والمبادئ ووكلاء التغيير، كما يقول إدغار شاين. لذلك يُنصح بتعيين بطل للثقافة (Culture Champion) داخل كل شركة.

وتتزاوج هذه الثقافة مع رسالة المؤسسة وقيمها وأهدافها الاستراتيجية ومعاييرها ونظمها وتشريعاتها وبيئتها وموقعها وميثاق أخلاق المهنة إذا كان لديها ميثاق. وتتأثر الثقافة ذاتها بنوعية المنتج وخصائص الصناعة والسوق ودور التكنولوجيا والثقافة القومية للبلد وتوجيهات الهيئات الرقابية. إذ صاغت وزارة الخدمة المدنية السعودية مدونة قواعد السلوك الوظيفي وأخلاقيات الوظيفة العامة للعاملين بالقطاعات الحكومية وألزمت الموظفين مؤخراً على التوقيع عليها.

ومثلها مثل الخطط الاستراتيجية ومواثيق أخلاق المهنة، يجب مراعاة أصحاب المصلحة الرئيسيين عند صياغة الثقافة التنظيمية للمؤسسة. أما الموظفون فتستهويهم قيم ومبادئ وسياسات صممت بعناية لتحفيزهم وتمكينهم من المنافسة وحثهم على المخاطرة وإشراكهم في عملية صناعة القرار وتوفير سبل السعادة والسلامة لهم، وهذه الخلطة الثقافية الفريدة موجودة في المزيج الثقافي لعملاق الإنترنت جوجل. وبالمثل، تتبنى شركة واربي باركر ثقافة تنظيمية محاورها النمو والتعلم والتكرار، ما كان سبباً في تربعها على عرش الشركات المبتكرة عام 2017. في حين يحرص أصحاب رأس المال والأطراف المعنية على صياغة ثقافة تنظيمية تهدف إلى تحقيق مزايا تنافسية وتشجع على الابتكار وتقلل الهدر في المال والموارد العينية وتوفير الطاقة والوقت والجهد. أما بالنسبة للعملاء فغالباً ما ينجذبون إلى مؤسسات تتبنى تقاليد عريقة في المسؤولية الاجتماعية وتقاليد في تلبية حاجاتهم وتحسين خبرتهم.  

ويقسم علماء الإدارة الثقافة التنظيمية إلى صحية (Healthy Organizational Culture) وأخرى سامة (Toxic Organizational Culture). تشمل عناصر الثقافة الصحية التي ينصح الخبراء بتبنيها: نشر القبول والتقدير والتنوع والعدل بين الموظفين واحترام مساهمات وإنجازات وأفكار كل منهم. كما تنظر الثقافة الصحية إلى كل موظف على أنه عنصر أصيل في المؤسسة تفخر به وتدعمه وتؤازره في السراء والضراء. وتحرص المؤسسات التي لديها ثقافة صحية على توفير الموارد اللازمة لمواصلة الموظف مسيرته المهنية وتمكينه من المنافسة حتى بعد تركه للشركة حتى يكون رسولاً وسفيراً لها بعد مغادرته، فضلاً عن أنها لا تعتبر الموظف أداة للإنتاج بل إنسان له احتياجات معنوية وأمنية ونفسية واجتماعية وروحية أيضاً. كما تعتبر قيمة "تكافؤ الفرص" زينة الثقافة التنظيمية للمؤسسات الناجحة. وأصبح الاستثمار في التدريب والتطوير وأخلاق المهنة والمسؤولية الاجتماعية مخصبات أساسية للثقافة التنظيمية داخل المؤسسات المبتكرة. وبات التواصل الفعال بين أعضاء المؤسسة أحد أدوات التلاقح الثقافي وقنوات لدمج الموظفين في ثقافة الشركة وإشراكهم في تشكيل قيمها وعاداتها وتقاليدها ومبادئها الجمعية.

ونخلص من هذه الجولة الخاطفة إلى أنّ الثقافة التنظيمية الصحية هي عصب المؤسسة وذروة سنامها واللاحم الذي يربط أطرافها المترامية والعقيدة التي تجمع أبناءها. كما أنها أداة قوية قد تحول أحلام الموظف الوظيفية إلى حقيقة أو تقلبها إلى كوابيس تحرمه لذة النوم والراحة. وقد وصفها خبير الإدارة مايكل واتكينز بأنها نظام المناعة الذي يحمي وجود المؤسسة ويحافظ على تماسكها.

في المقابل، وبحسب ليز ريان خبيرة الإدارة، نجد أنّ من مظاهر الثقافة التنظيمية السامة: إمساك الأفراد ألسنتهم عند صناعة القرار وترددهم في المبادرة وخوفهم من المغامرة بطرح أفكار جديدة أو تبنى طرق غير تقليدية للعمل، حيث تنشأ هذه السلبية بسبب حرصهم على تجنب الجدل والصراع مع رفقائهم أو الخوف من نظرة الازدراء من رؤسائهم.

وعندما يتعكر صفو الثقافة يغيب التعاون ويغزو الحقد والحسد قلوب زملاء العمل وتسود الفرقة والانقسام والصراع بينهم، وذلك بحسب جوانا زامباس. ويقول الدكتور لافون جرى في هكذا بيئة لا يستمع الأفراد لبعضهم البعض ويسيء أحدهم للآخر بسبب الخبرة ولا يتعاطفون مع الضعيف منهم أو المكلوم بينهم. كما تنتشر الإشاعات وتعقد الاتفاقيات السرية وتلوّث الغيبة والنميمة كل لسان، فضلاً عن ضياع وقت كبير فى فض النزاعات. زد على ذلك أنّ الطعنات في الظهر تصبح أكثر من التصافح بين الزملاء.  

وفي هكذا مناخ، يخيم عدم الرضا على وجوه الموظفين وتختفي البسمة وتكسو وجوههم علامات الأرق والإرهاق ويستغرقون في التفكير، فضلاً عن تفاقم المشاكل الصحية مثل الصداع وارتفاع الضغط وغيرها من الأمراض المتعلقة بسموم بيئة العمل، ما يهدر الموارد ويؤثر سلباً على الإنتاجية ويشوه العلاقة مع العملاء، فقد خلص حكماء العرب إلى أنّ "فاقد الشيء لا يعطيه".  

فضلاً عن ذلك، فإنّ الثقافة السامة تحدث شرخاً في علاقة المدير بمرؤوسيه كما تتغلب المصالح الشخصية على مصالح الشركة وأهدافها وتنتشر الأنانية والجشع، وتصبح بيئة العمل طاردة للعملاء والكفاءات، فضلاً عن الشركاء. فالكفاءات الطموحة تهاجر عندما تغلق أمامها نوافذ النمو الوظيفي وتفرض عليها معارك خاسرة، لا ناقة لهم فيها ولا جمل.  

والأسوأ من ذلك، بحسب تقرير لموقع سويتش أند شيفت: إنّ عدم تبني الشركات لثقافات صحية قد يؤدي إلى الإفلاس، كما في حالة شركة أميركان أبارل، أو الركود، كما في حالة شركة ماكدونالدز، أو خسائر بالمليارات كما في شركة توشيبا.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!