كانت البداية في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا، عندما كُسرت نظارة نيل بلومنثال وواجهته صعوبات مالية في شراء نظارة أخرى أنيقة تليق بطالب يدرس الماجستير في إحدى كليات الإدارة الأميركية المرموقة. وعندما عمل دراسة مسحية لسوق النظارات (كأحد متطلبات إحدى مواد برنامج الماجستير) وجد هو وزميله ديف جيلبو أنّ شركات بيع النظارات العالمية تحقق هامشاً كبيراً في الربح، ووجد أنّ تكلفة الوساطة مرتفعة بشكل كبير. وبعد الانتهاء من دراسة السوق سجل هو وزميله في مادة لرواد الأعمال (entrepreneurship)، وكان مشروعهما عبارة عن خطة أعمال لشركة ناشئة لبيع النظارات عن طريق الإنترنت. ثم شيدا شركتهما في العام 2010 تحت مسمى واربي باركر (Warby Parker) في إحدى ضواحي مدينة فيلاديلفيا بولاية بنسلفانيا الأميركية. وكانت الشركة عبارة عن شركة طلابية تم تمويلها بمبلغ 2,500 دولار من برنامج رواد الأعمال التابع لكلية وارتون لإدارة الأعمال.

وبدأت هذه الشركة الناشئة بداية متواضعة كمتجر إلكتروني يتبع لما يعرف اصطلاحاً في علوم الإدارة بنموذج "التجارة الإلكترونية الخالصة" (pure-play). ثم ما لبثت أن زادت المبيعات وتدفقت الأموال وتراكمت الأرباح، وعلى إثر ذلك افتتحت الشركة أول متجر للبيع بالتجزئة لها في العام 2013. وبذلك تحولت إلى نموذج في التجارة يطلق عليه اصطلاحاً نموذج "الطوب والنقرات" (bricks-mortar). فمن خلال هذا النموذج تقوم الشركة بالبيع عن طريق متجرها الإلكتروني، في الوقت الذي توفر فيه البيع المباشر عن طريق محلات تقليدية مملوكة لها.

ويسمح موقع الشركة للأفراد بتقديم الوصفات الطبية إلكترونياً واختيار شكل ونوع إطار النظارة ولونه من خلال الموقع ذاته. ثم تقوم الشركة بإرسال 5 نظارات للعميل عن طريق البريد يختار منهم واحدة، مع ضمان حقه في إرجاعها للشركة في غضون 5 أيام عن طريق طرد بريدي مدفوع مسبقاً من قبل الشركة. كما يعرض الموقع ذاته إمكانية إضافة نظارات شمسية للتجربة مع النظرات الطبية ليرسلهما في طرد بريدي واحد. وذلك يعرف اصطلاحاً بحزم المنتجات (product bundling)، وهو ما حقق وفراً كبيراً في تكاليف الشحن والتسويق.

ولقد استطاعت الشركة بهذه الاستراتيجية من تقليص حجم سلسلة التوريد عن طريق تقليل مراحل هذه السلسلة فيما يعرف اصطلاحاً بــ"الاستغناء عن الوسطاء (disintermediation). ما وفر الوقت والجهد والعمالة وتكلفة الطاقة التي تستخدمها محلات البيع بالتجزئة التقليدية، فضلاً عن توفير خدمة البيع طوال الليل والنهار. لذلك حققت طفرة في توفير التكاليف والمنافسة السعرية، حيث تبيع نظاراتها بأسعار تعادل 50% من أسعار شركة لوكسوتيكا (Luxottica) الإيطالية، وهي أكبر شركة نظارات عالمية.

وحرصت الشركة على أن يكون لها استراتيجية للابتكار لإيمان قادتها بأنّ الابتكار يجلب المزيد من الابتكار.

وعلى خلاف معظم شركات اليوم، لم تتبنى الشركة قيماً نظرية حالمة ورنانة من الصعب ممارستها وتطبيقها على أرض الواقع، بل تبنت قيماً محفزة للتعلم وداعمة للإبداع والابتكار. فقد ذكر نيل بلومنثال حرفياً في مقالة نشرتها عنه مجلة فورتشين (Fortune): "يجب أن تتبنى الشركات استراتيجيات لتطبيق قيمها وثقافتها على أرض الواقع كما تتبنى استراتيجيات لتحقيق الأرباح ونيل حصة مرضية من السوق، وإلا ستصبح قيمها حبر على ورق"، حيث ألزمت الشركة نفسها بمجموعة قيم أساسية وهي "التعلم والنمو والتكرار".

وعبّر بلومنثال في مقالته عن امتعاضه من الشركات التي تتبنى قيماً متناقضة مع واقع بيئة العمل وممارسات أبنائها اليومية، وأكد على أنّ "هذا التناقض يعتبر أهم مصدر للإحباط واليأس واللامبالاة عند الموظفين". ولذلك قامت الشركة أولاً ببناء العقلية والثقافة التنظيمية الموحدة للشركة، وأطلقت عليها مصطلح "القيم  الأساسية".

وكانت فلسفة بلومنثال تقوم على أنّ قيمة التعلم سوف تجذب الأشخاص الأذكياء للعمل بالشركة، كما أنّ العقول النشطة تزدهر بالتحفيز، حيث يتدفق الإبداع عند إثارة الفضول. وتم توعية الموظفين بشأن هذه القيم وتدريبهم عليها وعمل استبيانات بصورة مستمرة لقياس رضاهم عن بيئة العمل ولا سيما تلك المتعلقة بالقيم الأساسية. كما حرصت الشركة على تحقيق سعادة الموظفين، حيث مزجت بيئة العمل بالمرح ونظمت برنامجاً ترفيهياً للموظفين كل أسبوع.

وحرصت قيادة الشركة على الابتكار في كافة مراحل سلسلة التوريد وسلسلة القيمة، وحرصت على إشراك جميع العاملين فيها، فضلاً عن الموزعين والعملاء. فمثلاً، تبنت نموذجاً فريداً يمزج بين الابتكار في إدارة الموارد البشرية والابتكار في الريادة الاجتماعية. وبنت شراكات مع المؤسسات الخيرية، حيث تقوم بموجب هذه الشراكات بتدريب الأفراد المحتاجين وتجهيزهم للعمل كمندوبين لها في أماكن عملهم وإقامتهم. فقد دربتهم على كيفية إجراء الفحوصات الطبية، وقياس النظر للعملاء، وودربتهم على مهارات التسويق، والبيع، وإدارة العلاقة مع العملاء. وبذلك وظفت الشركة رأس المال الاجتماعي عند مندوبيتها وعلاقاتهم الشخصية كمطية لتوصيل منتجاتها الى شبكات الأقارب والمعارف والجيران التي يملكها كل مندوب.

واستخدمت الشركة طرقاً مباشرة لتحفيز الإبداع وتشجيع الابتكار مثل التدريب، وطرقاً غير مباشرة مثل تشجيع الأفراد على الاطلاع والمشاركة والتعاون فيما بينهم. على سبيل المثال، شيدت الشركة مكتبة كبيرة للاطلاع في مقرها بنيويورك. كما ملأت متاجر التجزئة المملوكة لها بالكتب العلمية والثقافية.

وتضمنت استراتيجيتها لدعم الابتكار، إطلاق برنامج واربي كون (WarbyCon) للمؤتمرات والندوات الداخلية التي غطت موضوعات شتى، بدأً من الأساليب الكمية ومروراً بالموسيقى ومشاكل البيع بالتجزئة وسوق العقارات. ويعتبر هذا المؤتمر السنوي بمثابة مارثون كبير للأفكار يتنافس فيه الموظفون لحل المشاكل التي تواجه الشركة وطرح أفكارهم وابتكاراتهم بخصوصها. وتقوم الشركة بعمل مسح استقصائي لقياس مدى رضا الموظفين عن بيئة وثقافة العمل وجمع اقتراحات لتطوير آلية العمل. فضلاً عن ذلك، تقوم الشركة بتقديم دورات تدريبية لرفع قدرات الأفراد على التحدث أمام الجمهور بناء على طلباتهم في المسح الذي تجريه. وفي نفس السياق، تنظم الشركة أنشطة خفيفة لتشجيع الموظفين على الإبداع وتغذية عقولهم بالأفكار الجديدة.

علاوة على ذلك، دشنت الشركة معملاً للبصريات (Optical Lab) في نيويورك العام الماضي، وذلك للاستحواذ على عملية التصنيع وتحقيق ما يعرف بالتكامل الرأسي الخلفي، حيث كانت تصنع نظاراتها في الصين، واستطاعت بذلك تقليل تكاليف النقل وتعزيز قدرتها على التحكم في العمليات وسرعة الوفاء بالطلبات وتقليل المخزون وزيادة حصتها السوقية. ومن النماذج الأخرى التي ابتكرتها لتقليل التكاليف أنها أخذت تصمم منتجاتها داخلياً لتجنب تكاليف التصميم الباهظة فيما يعرف بمصطلح "التصميم في البيت" (in-house deign).

ومن العوامل التي غذّت آلة الابتكار داخل الشركة أنها تنتقي موظفيها الجدد بناء على معايير ومقاييس خاصة منها: حيوية الفرد، وقابليته للتكيف، وبراعته، وقدرته على الابتكار. فضلاً عن ذلك، حرصت الشركة على تنوع فرق العمل والموظفين، حيث يؤمن رئيسها التنفيذي بأنّ تعدد الثقافات والآراء يجعل بيئة العمل ثرية من الناحية الفكرية.

ولم تكتف الشركة بهذه الجهود المحفزة للابتكار، بل تبنت مجموعة برامج عينية، ونظمت دورات تدريبية خاصة، وعقدت أنشطة يومية لتنمية الابتكار والإبداع وغمر موظفيها بالبهجة والسرور. فمثلاً، حثت الموظفين على طرح فكرة جديدة كل أسبوع. ومن الأفكار الخلاقة التي طبقتها في التسويق الإلكتروني أنها دشنت حملة لتسويق نظارات للكلاب في الأول من أبريل/نيسان الماضي (يوم كذبة أبريل)، حيث قامت فيها ببث صوراً غير حقيقة لأناس يشترون نظارات لكلابهم. وبذلك مزجت حملتها الترويجية بالمتعة والبهجة والإثارة. كما شجعت البرامج والفعاليات التي تركز على نمذجة السلوك والقيم التي تريدها الشركة. وفي الريادة الاجتماعية وزّعت 100 ألف نظارة مجاناً على المحتاجين متبعة نموذج "اشتري واحدة وتبرع بالأخرى"، وبذلك جسدت وطبقت القيم الأساسية للشركة وهي "التعلم والنمو والتكرار" وجعلتها أحد الضرورات الاستراتيجية للشركة، وذلك كما قال مديرها التنفيذي في مقالته المنشورة في مجلة "فورتشين".

وعلى الرغم من أنّ عمرها لم يتجاوز 8 سنوات، إلا أنها حققت نجاحات كبيرة حتى وصل عدد موظفيها إلى 500 فرد، ووصل عدد فروعها إلى 60 فرعاً، وبلغت قيمتها السوقية 1.75 مليار دولار هذا العام وصنفتها مجلة فوربس ضمن أفضل خمس شركات تمتلك ثقافة تنظيمية صحية.

ونظراً لابتكارها وتميزها في إدارة سلسلة التوريد، وتقليل تكاليف التصميم والتصنيع، وانتقاء ثقافتها التنظيمية وقيمها بعناية فائقة، وبراعتها في التسويق الإلكتروني، وتميزها في الريادة الاجتماعية، حصلت الشركة في العام 2017 على ميدالية التميز في الخدمات التي تمنحها مؤسسة جوائز جيفرسون سنوياً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!