facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

تخيل أنك تشارك في سباق محموم، للترويج لشركتك الناشئة لدى مستثمر يحظى بطلب كبير للغاية مثلاً، أو السعي للفوز بشاغر وظيفي مرغوب كثيراً.

حمّل تطبيق النصيحة الإدارية مجاناً لتصلك أهم أفكار خبراء الإدارة يومياً، يتيح لكم التطبيق قراءة النصائح ومشاركتها.

والآن، تخيل أنه بإمكانك اختيار إحدى نتيجتين محتملتين: الأولى فوز محدود، حيث تتغلب على أقرب منافس لك فحسب، والثانية فوز وشيك، حيث تكون قاب قوس أو أدنى من الفوز، ولكنك لا تحققه. فهل ستفضل الفوز المحدود أم الفوز الوشيك؟

ستفضل الأول بلا شك.

ولكن في بحثنا الأخير الذي نشر اليوم في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) الذي شارك في تأليفه العالم في مرحلة بعد الدكتوراه، يانغ وانغ، تبين أن الخيار الصحيح قد لا يكون بالبساطة التي يبدو عليها.

إذ قمنا بفحص قرابة ألف عالم في بدايات مساراتهم المهنية في الولايات المتحدة، ممن حققوا فوزاً محدوداً أو فوزاً وشيكاً في الحصول على فرصة هامة، ووجدنا أنه على المدى الطويل كان الباحثون الذين أوشكوا على الفوز هم أصحاب العمل ذي التأثير الأكبر وسطياً مقارنة بنظرائهم الذين حققوا فوزاً محدوداً. وتتعارض هذه النتائج مع الحكمة التقليدية التي تتحدث عن القيمة النسبية للربح والخسارة، مع وجود عواقب هامة واسعة النطاق بالنسبة لكل من المخترعين والمؤسسات التي تدعمهم.

الجميع يحبون الفائز

تقول الحكمة التقليدية: إذا كانت لديك فرصة للاختيار بين الفوز والخسارة، فليس لديك خياراً أفضل من الفوز.

وقد بين بحث متعمق أن النجاح في بدايات المسار المهني يجلب لك التقدير والسمعة والموارد الملموسة الأخرى التي يمكنها مساعدتك على تأمين تحقيق إنجازات مستقبلية. وهذا ما يسمى "تأثير متّى" (Matthew Effect) تيمناً بآية في إنجيل متّى يمكن إعادة صياغتها بجملة "يزداد الغني غنى ويزداد الفقير فقراً".

ولكن يمكن أن يشكل الفشل مؤشراً للنجاح المستقبلي، وإحدى آليات تحقق ذلك هي عامل "الغربلة": إذا تمكن الفشل المبكر من غربلة أصحاب احتمالات النجاح الأضعف، فقد يمتلك من يتجاوزون الفشل مميزات تزيد من احتمالات نجاحهم مقارنة بمن لم يختبروا سوى النجاح.

أضف إلى ذلك أن الفشل قد ينطوي على دروس فردية قيّمة. تنعكس هذه الفكرة في جملة نيتشه الكلاسيكية التي تقول: "ما لا يقتلني يقويني"، وفي وادي السيليكون في عقلية الاحتفال بالفشل، كما تنعكس في خطاب تخرج ألقاه مؤخراً رئيس قضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة، جون روبرتس، وقال للخريجين فيه: "أتمنى لكم حظاً سيئاً".

ولكن، هل نيتشه محق؟ هل يمكن لتجاوزك فشلاً أو نكسة أن يؤدي بك في نهاية المطاف إلى التفوق على من تغلبوا عليك في المقام الأول؟

تكاليف الفشل وفوائده

بهدف فهم تأثير الفشل في بداية المسار المهني على نتائج المدى الطويل، قمنا بدراسة جميع الطلبات المقدمة بين عامي 1990 و2005 لبرنامج المِنح (آر زيرو وَن) (R01) التابع للمعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة، وهو الآلية السائدة لتمويل الباحثين المستقلين. وركزنا على العلماء الجدد الذين صنفت طلباتهم فوق عتبة التمويل تماماً أو تحتها تماماً، أي كانت "فوزاً محدوداً" أو "فوزاً وشيكاً". (تقوم لجان المراجعة بتصنيف الطلبات ومنحها درجات مئوية، ويتم تمويلها وفقاً لهذه الدرجة، إذ يتم تمويل الطلبات التي تحصل على درجات أفضل أولاً، وحتى نفاذ مجموعة الأموال. وبذلك، كانت هناك درجة فاصلة يحصل كل ما فوقها على التمويل. واستطعنا تمييز الطلبات التي تمكنت من تجاوز هذه الدرجة بفوارق ضئيلة والتي لم تتمكن من تجاوزها). وفي عينتنا، كان لدينا 561 فوزاً محدوداً، و632 فوزاً وشيكاً.

ومن خلال التمعن في الحالات القريبة من عتبة التمويل، كان تصميمنا التجريبي يؤكد التشابه الإحصائي بين من حققوا فوزاً محدوداً وفوزاً وشيكاً في نواحي مثل سجلات النشر، والخصائص الديموغرافية، والأبعاد غير الملحوظة الأخرى كالثبات أو المثابرة، قبل تخصيص التمويل. ولكن كان هناك فارق كبير جداً في مصير طلبات المجموعتين بفعل الحظ ليس إلا: إذ حصل من حققوا فوزاً محدوداً على 1.3 مليون دولار وسطياً على مدى الأعوام الخمسة التالية لمتابعة أبحاثهم، على خلاف من أوشكوا على الفوز.

وقمنا بتعقب نشاطات البحث التي قام بها العلماء الذين استمروا بالعمل على مدى الأعوام العشرة التالية، بما فيها المنح التي حصلوا عليها والدراسات التي نشروها وعدد مرات الاستشهاد بهذه الدراسات. ووجدنا أنه على مدى عقد من الزمن، حصل العلماء أصحاب الفوز الوشيك على عدد منح أقل من المعهد الوطني للصحة وغيره من الوكالات، وهو ما يتوافق مع الدراسات السابقة على أثر "متّى"، أي أن الأغنياء حصلوا على موارد أكثر. ومع ذلك نشر العلماء الذين أوشكوا على الفوز في نهاية المطاف عدداً مماثلاً من الدراسات، والمثير للدهشة هو أنهم أنجزوا أعمالاً حققت أثراً أكبر بكثير من أثر أعمال نظرائهم الذين حققوا فوزاً محدوداً.

وأحد العوامل التي تفسر هذه النتائج الملحوظة هو أثر الغربلة آنف الذكر. وبالفعل، وجدنا أن هناك معدل استنزاف تفاضلي بين المجموعتين، حيث ترتبط كل حالة فوز وشيك بفرصة أعلى بنسبة 10% في الاختفاء الدائم من نظام المعهد الوطني للصحة، وهو ما يشير إلى أن العديد من أصحابها قد تركوا قطاع العلوم الأكاديمية. وتؤكد هذه النتيجة على وجود أثر مدمر للفشل المبكر، وهو ما يسلط الضوء على هشاشة الحياة المهنية العلمية.

ولكن توثق هذه النتائج أن البعض تمكنوا من التغلب على الفشل المبكر، وأنهم تفوقوا في أدائهم على أصحاب الفوز المحدود على المدى الطويل. وهناك أثر صادم لهذه النتيجة، فلنأخذ مثلاً باحثين اثنين يسعيان للاستمرار بالعمل في القطاع العلمي. وبالمقارنة بين من أوشك على الفوز بالمنحة دون تحصيلها مع من فاز بها فوزاً محدوداً، تمتع من فشل باحتمال أكبر لتأليف دراسة ذات أثر أكبر في المستقبل.

ما الذي أدى إلى هذا الاختلاف في الأداء؟ هل هو الأداء الضعيف لبعض أصحاب الفوز المحدود بسبب امتلاكهم معدل استنزاف أقل منه لدى مجموعة أصحاب الفوز الوشيك؟ وجدنا أن آلية الغربلة وحدها غير قادرة على تفسير فجوة الأداء بصورة كاملة، فقمنا بإزالة أصحاب الأداء الضعيف بصورة مصطنعة من مجموعات العلماء الذين حققوا فوزاً محدوداً والذين كان لديهم معدل استنزاف متساو مع العلماء الذين أوشكوا على الفوز. ووجدنا أنه في حين تحسن أداء أصحاب الفوز المحدود، إلا أنه لم يكن كافياً لتغطية فجوة الأداء الملحوظة، وبذلك قدمت نتائجنا بعض الأدلة التجريبية الأولى للمقولة "ما لا يقتلني يقويني".

نتائج الأفراد والمؤسسات

كيف يمكننا تطبيق نتائجنا هنا؟ على المستوى الفردي، هناك نتيجتين رئيستين، واحدة لمن نجحوا وواحدة لمن لم ينجحوا بعد.

إن إحدى مميزات الفشل هي عدم امتلاك أحد حصانة منها، ولذلك مهما كانت مهنتك ومهما كان إتقانك لوظيفتك، من الأفضل أن تعلم أنه في مرحلة ما، لن تسير الأمور كما ترغب، ونأمل أن تمنحك هذه النتائج سبباً للتفاؤل عند حدوث ذلك، إذ إنها تسلط الضوء على أهمية المثابرة وتشير إلى أن أموراً جيدة تنتظر من يبقون في السباق، على الرغم من أنها قد لا تكون سهلة التحقيق، وستتطلب منك بذل الوقت والجهد لتسجيل الملاحظات وتعزيز استراتيجيتك.

وعلى الرغم من أن هذه الرسالة قد تبدو بديهية لأصحاب الفوز الوشيك، إلا أنه من السهل أن نغفل عن درس على القدر ذاته من الأهمية بالنسبة لمن يتمتعون بثمار الفوز المحدود، قاوم الرغبة في الركون إلى المجد الذي حققته، لأن بعض الذين تغلبت عليهم سيكونون على الأرجح في أعقابك يسعون للتغلب عليك قريباً.

وعلى مستوى المؤسسة، قد توجد قيمة في تطبيق نتائجنا على الإجراءات التي تشمل صنع المنح واكتساب الكفاءات وتطويرها. مثلاً، لقد شكل هذا البحث دافعاً لنا للطلب ممن أجرينا مقابلات معهم استعادة تجارب فشلهم. ومن الأهمية بمكان إدراك أن السير الذاتية تكاد تشتمل على النجاحات فقط، ولكن قد يكون الفشل مؤشراً للأداء المستقبلي يتمتع بأهمية مساوية، إن لم تكن أكبر.

وعموماً، تشير نتائجنا إلى أنه بالنسبة للمثابرين، يجب ألا يعتبر الفشل المبكر إشارة سلبية، بل على العكس تماماً. ولذلك، بالنسبة للمبتكرين والمدراء، من الأهمية بمكان تذكّر أن الفائزين الذين تم تصنيفهم خطأً على أنهم خاسرين اليوم قد يصبحون أكبر الرابحين غداً.

هل يعني ذلك أنه على الأفراد والمؤسسات "غرس" تجارب الفشل من أجل دفع النجاح المستقبلي؟ ليس تماماً. فقد يكون الفشل تجربة قاسية جداً، وقد تؤدي تجربة فشل واحدة إلى مغادرة أشخاص موهوبين القطاع بأكمله، خضع بعض منهم للتدريب على مدى أعوام أو حتى عقود. وبالفعل، فإن الوجه الآخر لمقولة نيتشه يقول أن الشرط الحاسم كي تكتسب القوة هو ألا تُقتل في المقام الأول.

ثابر ولكن بحذر ووفق منظور محدد

ومن المهم أيضاً أن تبقي حدود دراستنا ومحاذيرها في اعتبارك.

والسبب الأول لذلك هو أننا لم نتعرف بعد على الآليات المحددة التي تحول تجربة الفشل إلى نجاح طويل الأمد، أهي الجَلَد، أم الدروس المستقاة، أم خليط معين؟ توثق دراستنا رابطاً بين تجارب الفشل المبكرة والنجاح المستقبلي، وهي ظاهرة مثيرة للاهتمام يبدو أن لها تطبيقات عملية للأفراد والمؤسسات، ولكنها أيضاً بانتظار تحريات مستقبلية في العمليات المحددة الكامنة وراء هذا الرابط.

أضف إلى ذلك أنه من غير الواضح بعد مدى إمكانية تعميم نتائجنا فيما يتعدى المجال الذي درسناه (المنح والأبحاث العلمية) وأنواع حالات الفشل ضمنها (الفوز الوشيك). مثلاً، هل تؤدي الخسارة إلى ربح أكبر في مجالات أخرى؟ وما هي آثار حالات الخسارة التي لم تكن قريبة جداً من الفوز؟ تشكل هذه الأسئلة مجالات نشطة للبحث، ولكن تحليلنا الأولي في مجال الرياضة يبين لنا دلائل واعدة فيما يخص قابلية تعميم نتائجنا.

وباختصار، ليست الخسارة سيئة دائماً، ومن الممكن أن تتحول بعض حالات الفشل إلى مؤشرات للنجاح المستقبلي.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!