كان منصور غاضباً. لقد تفاجأ وانزعج عندما علم أنّ شركته أعدّت خطة تسويق قائمة على نظام جديد للذكاء الاصطناعي، ورأى أنها تقوم بمهامه الوظيفية كمدير للتسويق الرقمي للعلامات المميزة الاستهلاكية العالمية: مثل تحديد أي الإعلانات ستوضع وفي أي مكان، وشرائح العملاء، ومقدار الإنفاق. وعندما وجد أنّ النظام كان يشتري إعلانات لجمهور من العملاء لا يتلاءمون مع مواصفات العميل الذي تستهدفه الشركة، اقتحم مكتب رئيسه صارخاً: “لا أريد للرجال والنساء الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً أن يشتروا منتجاتنا! إنهم ليسوا جمهورنا!”، وطالب منصور أن يقوم مورد النظام بتعديله لتمكينه من تجاوز توصياته عن المبلغ الذي ينفقه على كل قناة وعلى كل الجمهور المستهدف. وسارع البائع إلى منحه الضوابط التي يريدها. لكن بعد أن أمسك منصور بزمام القرارات المتعلقة بالميزانية والشراء، بدأ يرى أنّ قراراته تسببت في تدهور النتائج. مثلاً، مع أنّ العملاء صغار السن كانوا هم من تستهدفهم الشركة، كان شراء الرجال والنساء الذين تزيد أعمارهم عن 55 عاماً للهدايا من أجل أطفالهم وأبنائهم وأحفادهم يجعلهم في الواقع جمهوراً مربحاً جداً.

أعاد منصور التحكم للنظام وتحسنت النتائج. وبدأ يفهم على مدى الأسابيع التالية، ما كان النظام يجيد فعله وكيف يمكنه مساعدته. تعلم أن يترك للنظام القرارات حول أين سيتم الإنفاق ومن سيتم استهدافه. وأخذ يركّز على إدخال المزيد من المعايير الاستراتيجية، مثل مدى هجومية الحملة أو وضع حد للإنفاق واختبار أساليب مختلفة للتنفيذ. استمرت النتائج في التحسن طوال العام 2017، بينما كان النظام يتطور ويصبح أكثر ذكاء، في وقت كان منصور فيه يتعلم كيف يحسّن من استراتيجية العلامة المميزة رداً على الأفكار التي ينتجها نظام الذكاء الاصطناعي. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من استخدام النظام في قنوات جديدة، شهدت العلامة المميزة زيادة بنسبة 75 في المئة في عمليات الشراء من القنوات الرقمية المدفوعة، وزيادة بنسبة 77 في المئة في قيمة الشراء، وزيادة بنسبة 76 في المئة في العائد على الإنفاق، وانخفاضاً كبيراً في تكلفة اكتساب الزبائن.

غُيّرت الأسماء في هذه القصة، لكن المغزى منها كان واضحاً: إذا أعطيت للموظفين سيطرة على تجارب الذكاء الاصطناعي بحيث تبقيهم متفاعلين وتعرفهم على ما يجيد نظام الذكاء الاصطناعي فعله، سيكون بوسعك الاستفادة من أفضل ما لدى البشر والآلات.

للأسف، لن يكون بوسع الشركات تحقيق استفادة كاملة من الإمكانات الضخمة لنظام الذكاء الاصطناعي إن لم يكن الموظفون يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي بما يكفي، لنقل عملهم إليهم والسماح لهم بتأدية المهام. مشكلة انخفاض معدلات تبني الذكاء الاصطناعي آخذة في الازدياد لأن الشركات بجميع أنواعها تشهد تطبيقات ناجحة للذكاء الاصطناعي، وأصبحت هذه الشركات تدرك أنّ تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي ممكن على العديد من العمليات والمهام كثيفة البيانات، كل ذلك مع أنّ التقنية (التي كانت في السابق متاحة فقط للشركات الكبيرة مثل جوجل وأمازون ومايكروسوفت وآي بي إم) تصبح أقل تكلفة ويصبح أسهل على الشركات الصغيرة الوصول إليها وتشغيلها، وذلك بفضل توفر الذكاء الاصطناعي كخدمة (AI-as-a-Service).

ليست هذه المقاومة للتغيير المدفوع بالتقنية المزعزعة أمراً غريباً. وفي حالة تقنية الذكاء الاصطناعي تحديداً، هناك مقاومة من الكثير من الناس بسبب كل ما يحيط بها من ضجة وانعدام للشفافية ولخوفهم من فقدان السيطرة على عملهم وبسبب طريقة زعزعتها لأنماط العمل المألوفة لديهم.

انظر في هذه الحالات التي تدخّل فيها البشر في إحدى مبادرات الذكاء الاصطناعي، والأسباب الكامنة وراء ذلك:

فقدان السيطرة

شغّل تاجر تجزئة أداة لتحقيق أعلى فائدة من الإعلانات التي تُعرض على المواقع إلكترونية. وكان بإمكان فريق التسويق تحميل بعض اللافتات أو الرسائل الرئيسية المختلفة لعرضها في المكان الأفضل على الموقع الإلكتروني. وبعد اكتسابه بعض التجربة، أصبح بإمكان النظام تحديد الرسالة التي تنتج أعلى تفاعل من الزوار ليعرضها على الزوار المستقبليين. لكن كانت لدى فريق التسويق مشاكل مع السماح للنظام بالسيطرة، وغالباً ما كانوا يتدخلون لإظهار رسالة يفضلونها، ما أضعف من قيمة الأداة.

تعطيل الخطط

اقتنع الرئيس التنفيذي لأحد مؤسسات الإقراض العالمية سريعاً بالفوائد المالية والكفاءة التشغيلية لإدخال نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي من أجل اتخاذ قرارات الإقراض. لكن نائب الرئيس لشؤون التحليلات رأى في النظام الجديد تحولاً عن الخطط التي وضعها لفرق التحليلات لديه وللاستثمارات التقنية للشركة. فسارع إلى إعاقة جهود النظر في النظام الجديد. ووصف بالتفصيل ما كان يفعله المحللون وخلص إلى أنه “من المستحيل أن يستطيع النظام تقديم تلك النتائج التي يدعونها”.

زعزعة العلاقات

خاطر رئيس التجارة الإلكترونية لإحدى مجموعات المنتجات الإقليمية في شركة للمنتجات الاستهلاكية للحصول على إذن من المقر الرئيسي لإجراء تجربة مدعومة بالذكاء الاصطناعي على بعض الحملات الإعلانية لمنتجه. أظهرت الاختبارات الأولية نتائج غير مسبوقة، وبالفعل تحسنت المبيعات في العام 2017 بنسبة 15 في المئة بسبب الحملات. لكن باستثناء هذه المجموعة الإقليمية وخط إنتاج واحد، فإنّ تبني التقنية توقف بسبب مقاومة أشخاص لديهم علاقات طويلة وودية مع الوكالات التي تدير الحملات الإعلانية للشركة، والذين سوف يفقدون عملهم لصالح الآلات.

إذاً، ما الذي بإمكان الشركات فعله لمساعدة الموظفين على العمل براحة أكثر مع نظم الذكاء الاصطناعي؟

تمكنك من تصوير الطريقة التي يتوصل بها النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي إلى قراراته يساعد على تطوير الثقة بالنظام – فتح الصندوق الأسود – كي يتمكن الناس من رؤية ما بداخله. على سبيل المثال، طورت شركة ألبرت (Albert)، (وهي مزود لأداة قائمة على الذكاء الاصطناعي تساعد المسوقين على اتخاذ قرارات استثمارية أفضل حول الإعلانات وتحسين أداء الحملات) أداة تصوير (اسمها داخل ألبرت) لمستخدميها لتمكينهم من معرفة أين ومتى تحقق علامتهم المميزة أفضل أداء، وما هي أفكار الإعلانات التي تحوّل أكبر عدد من العملاء إلى مشترين، ومن هم العملاء الذين يمثلون العميل المثالي من حيث الجنس والموقع والخصائص الاجتماعية، وإجمالي عدد شرائح الجمهور المصغر التي أنشأها النظام (أعدادها غالباً عشرات الآلاف). لقد أدرك مستخدمو الأداة أنهم لا يستطيعون ممارسة إدارة تفصيلية على مجموعة واحدة من المتغيرات، مثل تواتر الإعلان، لأن النظام كان يخوض ويأخذ بالاعتبار عدداً كبيراً من المتغيرات لتحديد التواتر والتوقيت. ومع أنّ مستخدمي الأداة شعروا في البداية أنّ النظام لم يكن على دراية بما كانوا يرون أنها التواترات الأفضل والأيام الأفضل أداء، إلا أنهم أخذوا يدركون لاحقاً أنّ النظام كان في الواقع يحقق معدلات عالية في تحويل العملاء إلى مشترين بسبب عمله خارج نطاق افتراضاتهم السابقة. لقد سمح “داخل ألبرت” للمسوقين أن يفهموا بشكل أفضل كيف كان النظام يتخذ القرارات، ما جعلهم في النهاية لا يشعرون بالحاجة لممارسة إدارة تفصيلية عليه.

هناك نهج آخر للتغلب على مقاومة أصحاب المصلحة غير المستعدين للتعامل مع النظام الجديد، كما في حالة نائب الرئيس للتحليلات في مؤسسة الإقراض، يتمثل في بناء زخم سياسي للنظام الجديد المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر حشد أصحاب المصلحة الذين سيستفيدون من هذا التبني. مثلاً، تشاركت وايمو (Waymo) مع مؤسسة “أمهات ضد القيادة في حالة سكر” (Mothers Against Drunk Driving)، والمجلس الوطني للسلامة، ومؤسسة الأطفال المكفوفين، ومؤسسة كبار السن لحشد هذه الدوائر لدعم السيارات ذاتية القيادة.

مع تزايد انتشار الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء عمليات صنع القرار في الشركة، يجب أن يكون الهدف تحقيق التحول في أسرع وقت ممكن. وكما توضح أمثلة ألبرت ووايمو، يمكنك التغلب على المقاومة للذكاء الاصطناعي بإجراء التجارب، وبالتوصل لطريقة تصور كيف يتخذ الذكاء الاصطناعي القرارات، وبإشراك الدوائر التي تستفيد من هذه التكنولوجيا. كلما تمكنت من جعل الناس يتفاعلون أسرع، سوف تتمكن شركتك سريعاً من حصد النتائج التي ينطوي عليها الذكاء الاصطناعي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!