facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

مضى أكثر من عامين منذ أن أصبحت سياسة الهند المتبعة في إلغاء التعامل بالعملات النقدية المتمثّلة في فئات الأوراق النقدية الكبيرة حقيقة واقعية حول أهمية التحول الرقمي في الهند. وقد قوبلت تلك الخطوة الجريئة بمزيج من الدعم والغموض والنقد. وبيّنا في أحد التحليلات في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2017 أن إلغاء التعامل بالعملات النقدية لم يكن سوى جزء من تحول الهند الرقمي الاستراتيجي الأكبر. ومنذ ذلك الحين، تسارع التطور المؤسسي والاقتصادي في الهند بعدة طرق، وكان جزء من هذا التغيير تفاعلياً وتصحيحياً.

احصلوا اليوم على آخر الإصدارات المطبوعة (الإصدار المزدوج 26-27) والاشتراك السنوي المميز الذي يتضمن إصداراتنا المطبوعة.

لكن لا يزال العديد من المستهلكين الهنود يعتمدون على إجراء الصفقات النقدية، على الرغم من الارتفاع الكبير في المدفوعات الرقمية منذ اتباع سياسة إلغاء العملات النقدية وإصدار البنوك الهندية المليارات من بطاقات الخصم الفوري. وفي حين لا يمكن لأي خطوة أن تجعل بلداً بحجم الهند دون أوراق نقدية، نجحت سياسة إلغاء العملات النقدية في التقليل بقدر كبير من تكتم المواطنين على أموالهم، وأتاحت إمكانية تعقب هذه الأموال في الاقتصاد الهندي، من خلال توجيه جميع العملات عبر قناة مصرفية رسمية. وعند مقارنة الطلب الحالي على النقد بالمعدل الماضي لنمو الاقتصاد، توصلنا إلى أن الاقتصاد الهندي يعمل بمقدار 33 مليار دولار أقل من النقد مما كانت عليه النسبة دون اتباع سياسة إلغاء العملة النقدية. وقمنا بحساب ذلك من خلال تحديد معدل نمو العملة المتداولة على مدى 20 عاماً، واستقراء البيانات بعد عملية إلغاء العملات النقدية. ويمثّل الفرق بين العملة المتوقعة والعملة الفعلية مجرد تقدير للانخفاض في التداول الذي سبّبه إلغاء التعامل بالعملات النقدية. ومن الواضح أن التغييرات السلوكية المطلوبة لتحقيق الانتقال إلى نظام مصرفي رقمي أكبر لن تحدث بين عشية وضحاها، أو حتى في غضون سنة واحدة.

وفي الوقت نفسه، استمر تطور الأساس الرقمي لدولة توصف بأنها ثاني أكبر دول العالم اكتظاظاً بالسكان، وأكبر ديمقراطية. وعند مقارنة الوضع الراهن بوضع الهند قبل خمس سنوات، نجد أن الهند تحقق قفزات نوعية نحو الثورة الصناعية الرابعة، مع كون الحكومة في مركز هذا التحول.

دعونا ننظر في بعض الأمثلة حول الاستراتيجيات الناجحة والأخرى غير الناجحة في خضم هذا الانتقال الكبير:

الهند الرقمية وبرنامج "إنديا ستاك" (India Stack)

لقد صُممت الهند الرقمية منذ خمس سنوات كوسيلة لدفع التحول الرقمي في البلاد إلى الأمام، ولتمكين المواطنين في هذه العملية. كان أساس هذه الجهود هو تركيز الحكومة على تطوير البنية التحتية لتمكين الوصول إلى الإنترنت بأسعار معقولة للجميع، وامتلاك كل هندي هوية رقمية. وقد التحق اليوم 99% من البالغين الهنود في مشروع "أدهار" (Aadhaar) للحصول على هوية رقمية، وهو الهدف الذي بدا مستحيلاً منذ فترة ليست ببعيدة.

وعلى عكس رخصة القيادة التقليدية أو بطاقة الضمان الاجتماعي الأميركية، سعت الحكومة إلى استخدام مشروع "أدهار" كمنصة للشمول المالي والتحويل المباشر للمعونات المقدمة من قبل الحكومة ومشاركة المواطنين المنخفضة التكلفة. وسرعان ما تحول مشروع الهوية الرقمية إلى إنشاء بنية تحتية تكنولوجية مفتوحة تحت مسمى "إنديا ستاك" وهي مجموعة من طبقات البرامج القابلة للتشغيل المتبادل التي تدعم المدفوعات الرقمية، والسجلات غير الورقية التي تم التحقق منها، وصفقات الأعمال والخدمات، وأخيراً، بنية موافقة المستخدم التي لا تزال قيد التطوير. وترتبط جميع هذه الطبقات بمشروع "أدهار" بسلاسة.

وقد أتاح الجمع بين الهوية الرقمية والطبقة اللاورقية التي يوفرها مشروع "إنديا ستاك" فتح أكثر من 350 مليون حساب من حسابات برنامج "جان دهان" (Jan Dhan) ذات الرصيد الصفري. حيث تصورت الحكومة أن برنامج "جان دهان" لحسابات الأموال العامة سيكون بمنزلة حسابات بنكية منخفضة التكلفة وخالية من المتاعب لتشجيع المشاركة في الاقتصاد المصرفي الرسمي. ويستخدم اليوم أكثر من 85% من أصحاب حسابات "جان دهان" هذه الحسابات للوصول إلى خدمات الائتمان والادخار. ومع امتلاك أكثر من نصف سكان البلد للهواتف الذكية وإمكانية الوصول إلى حساباتهم المصرفية عبر الهاتف المحمول، كان ثالوث خدمات "جان دهان، وأدهار، والموبايل" (أو جام – JAM) أساسياً في تشجيع الشمول المالي. وكانت الحكومة الهندية التي اضطرت إلى الخروج من متاهة البنية التحتية الورقية بهدف الوصول إلى المستفيدين من الإعانات الحكومية بشكل فاعل قادرة على الاستفادة من بنية ثالوث "جام" التحتية لضمان التوزيع الفوري للأموال مع معدل تسرب للأموال بنسبة صفر في المائة، وهذا يعني أنه عندما تقوم الحكومة بإنفاق 100 دولار من خزائن الحكومة، يوّزع كامل هذا المبلغ على المستفيدين المستهدفين.

وقد أسفر التبني السريع لمشروع "إنديا ستاك" من قبل الحكومة والشركات والمواطنين عن نقاشات عامة وقانونية حول موازنة الخصوصية مع الابتكار وتقديم الخدمات والتكنولوجيا. وقد قادت إحدى هذه المناقشات إلى صدور حكم من المحكمة العليا في الهند يمنع استخدام "أدهار" من قبل القطاع الخاص بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية. ونظراً لهذا التأثير الهائل للانتقال إلى المنصة الرقمية التي أتاحت تقنياتها فتح حسابات مصرفية في وقت قصير لا يتجاوز 55 ثانية، وتخفيض تكاليف اشتراك الزبائن مع شركات الاتصالات، أصدرت الحكومة لاحقاً مرسوماً لضمان الاستخدام التطوعي المستمر لمشروع "أدهار" من قبل القطاع الخاص مع التأكيد على الالتزام بالأحكام الموضوعة لاستخدام النظام، بما في ذلك كيفية تخزين معلومات التعريف الشخصية.

إضفاء الطابع الرسمي على الاقتصاد والإصلاح الضريبي

نظراً إلى ضرورة قيام كل شخص بتقديم رقم تعريف فريد للتحقق من الحسابات المصرفية، تمكنت الحكومة من التقليل من مشاكل ازدواجية الحسابات والحسابات مجهولة الهوية بعد اتباع سياسة إلغاء التعامل بالعملات النقدية. كما أن هذا التعقب للأموال، سواء أكانت تتدفق من حسابات شخصية أم من شركات، قد سمح للحكومة الهندية بتحديد أكثر من 225,000 "شركة وهمية" ذات نشاط ضئيل وتدفقات كبيرة من الأموال، حيث تُستخدم هذه الشركات غالباً لسحب الأموال وتجنب المسؤولية الضريبية.

كما أثّرت البيانات الناتجة عن الاقتصاد الرقمي أيضاً على الضرائب الفردية. حيث وصل ارتفاع ضريبة الدخل إلى أعلى مستوى في العقد بمقدار 2.20، وتعتبر ضريبة الدخل مقياساً للاستدامة المالية التي تُحسب عبر تحديد التغيير في ضريبة الدخل مقابل التغيير في الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني تزايد عدد المواطنين الذين يدفعون الضرائب. وبالنسبة إلى بلد كانت فيه النسبة المئوية لضريبة الدخل مكونة من أقل من رقم واحد في الماضي، بدأت الرقمنة في حل مشكلة الالتزام الضريبي طويلة الأمد والمنهجية.

وقد مهدت سياسة إلغاء التعامل بالعملات النقدية أيضاً السبيل إلى تطبيق ضريبة موحدة على السلع والخدمات الوطنية (GST) التي وُقّعت في يوليو/ تموز عام 2017. حيث ألغت الهند آنذاك أكثر من 17 ضريبة وطنية وحكومية كانت تعوق التجارة والأعمال التجارية في البلاد، واستبدلتها بضريبة وطنية واحدة. وفي حين أن التطبيق الأولي لضريبة السلع والخدمات أعاقه التعقيد المفرط وتحديات التنفيذ الأخرى، فإن استيعاب النظام الجديد كان سريعاً وواسع النطاق. وقد تم تسجيل أكثر من 12 مليون شركة لدى مجلس ضريبة السلع والخدمات حتى تاريخ إعداد هذه المقالة.

كانت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المستفيدة الرئيسة من سَن ضريبة السلع والخدمات، من خلال الفوائد التي جنتها عبر إضفاء الطابع الرسمي على أعمالها. وتمثلت أكبر فائدة لهذه الشركات من دخول الاقتصاد الرسمي في القدرة على الاستفادة من "خصم ضريبة المدخلات" التي تسمح للشركات بمقابلة ضريبة الإنتاج بالضريبة المدفوعة بالفعل في مرحلة شراء المنتجات، وهو ما قلل من عبء الضريبة الإجمالي. وتستطيع الشركات المسجلة لدى هيئة ضريبة السلع والخدمات أن تطلب خصماً يصل إلى 150,000 دولار من بنوك القطاع العام، من خلال تقديم فواتيرها الضريبية وبياناتها المصرفية، مع إمكانية الحصول على الموافقات في أقل من ساعة.

سهولة ممارسة الأعمال التجارية

ساهمت مبادرات السياسة التي تعتمد على الرقمنة في الهند في إحداث نقلة نوعية لترتيب الدولة في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال التجارية وفق تقرير البنك الدولي. وفي حين احتلت الهند المرتبة 142 قبل أربع سنوات، أصبحت الآن في المرتبة 77، وهي قفزة بمقدار 65 مرتبة. وتعتبر الهند أحد الاقتصادات العشرة التي تحسنت أكثر من غيرها من الاقتصادات في العامين الماضيين، كما أن اقتصادها هو الاقتصاد الكبير الوحيد بين هذه الاقتصادات العشرة.

وتمثلت أهم التحسينات في سهولة الحصول على تصاريح البناء وسهولة التجارة عبر الحدود، حيث تم إدخال هذين التحسينين عن طريق الرقمنة والإصلاحات الهيكلية المرتبطة بها. وأصبحت عملية تأسيس شركة وتصفيتها أسهل بكثير مما كانت عليه في أي وقت مضى، ويتضح ذلك من كون الهند ثالث أكبر بيئات العمل المتكاملة للشركات الناشئة.

ويتمثل البعد الرئيس الآخر للتحول الرقمي في الهند في الزيادة في الاعتماد على التكنولوجيا والوسائل الرقمية لمدفوعات الشركات من جميع الأحجام. وتمتلك الهند اليوم ثاني أكبر عدد من الهواتف المحمولة في العالم. حيث انخفض سعر إصدار الهاتف الذكي الأساسي إلى 20 دولاراً أميركياً، وهو ما أتاح اقتناؤه عبر مختلف الطبقات الاقتصادية. وقد أدركت شركات تصنيع الأجهزة المحمولة هذه الفرصة وانتهزتها. إذ كان لدى الهند مصنعان لتصنيع الهواتف المحمولة قبل خمس سنوات. وكانت نسبة أكثر من 50% من البلاد تعتمد على الهواتف المستوردة. أما اليوم، فيوجد في البلاد أكثر من 127 مصنعاً لتصنيع الأجهزة المحمولة، كما تضم الهند الآن أحد أكبر مصانع تصنيع الأجهزة المحمولة في العالم على بعد ساعة بالسيارة من مدينة نيودلهي.

كما انخفضت تكلفة بيانات الأجهزة المحمولة بشكل كبير، حيث يدفع الهنود الآن حوالي 20 سنتاً لكل جيجابايت شهرياً مقابل هذه البيانات. وفي حين أن استهلاك البيانات المتزايد هذا قد تفسره الزيادة في توفر المحتوى ومقاطع الفيديو المحلية، فإن صفقات المستهلكين وخدمات الشركات المختلفة المقدمة عبر الأجهزة المحمولة آخذة في الارتفاع.

يجب على صناع السياسة اللحاق بالركب

تحدّت سرعة التغييرات التي وصفناها صناع السياسة ليلحقوا بالركب، خاصة حول خصوصية البيانات وأمنها.

وقد توّجت انطلاقة الاقتصاد الرقمي الهندي قبل عامين بإصدار مسودة مشروع إطار حماية البيانات الهندي الذي يهدف إلى تصميم معايير خصوصية البيانات لجميع الجهات الوسيطة أو الشركات التي تقوم بمعالجة وتخزين ومشاركة البيانات وتمكين الأفراد من استخدام بياناتهم. وتتمثل هذه الرؤية في أن يكون لمالك البيانات ومنشئها سلطة مطلقة ومستنيرة على الأشخاص الذين يرغب في مشاركة بياناته معهم. على سبيل المثال، إذا أراد شخص ما الحصول على أفضل خطة تأمين صحية مخصصة ووجب عليه مشاركة بياناته الصحية مع مختلف مزودي خدمات التأمين، فينبغي أن يتمكن من القيام بذلك بطريقة يتحكم فيها في البيانات التي يود مشاركتها، والبيانات التي ينبغي أن يحصل عليها مقدمو الخدمة، ومدة مشاركة هذه البيانات. وهذا هو الهدف النهائي لإطار حماية البيانات الجديد الذي سيكمل مشروع "إنديا ستاك" عند تنفيذه بالكامل، ويجعل المشاركة الأكثر أماناً لهذه البيانات ممكنة من خلال منصة فردية وآمنة وسهلة الاستخدام.

لقد واصلت التحولات الحافلة التي كتبنا عنها في عام 2017 حركتها، وكانت تتسم بالبطء والرتابة في بعض الأحيان، بينما كانت مفاجئة وحادة في أحيان أخرى. لكن ما يشجعنا هو نطاق وإمكانية هذا التغيير الرقمي. وعلى الرغم من العقبات والطرق الالتفافية غير المتوقعة، تسير الهند بخطى متواصلة نحو اقتصاد قائم على الرقمنة في المقام الأول.

ونجد في لب هذا التحول الاستثمارات التي أجرتها البلاد في بنيتها التحتية الرقمية. لقد استمر التقدم التكنولوجي في الهند في تجاوز تطور السياسة، تماماً كما في البلدان الأخرى. وفي حين أن الهند قد تقفز إلى "الثورة الصناعية الرابعة"، فإن قصة التحول الرقمي في الهند وتحولها المجتمعي المدفوع بالزعزعة الرقمية قد بدأت للتو.

اقرأ أيضاً: 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!