سمعنا طوال العام 2017 أنّ عصر الذكاء الاصطناعي آت، ومن المرجح أنّ نسمع بذلك طوال هذا العام أيضاً. ولهذا من الطبيعي أن تطرح الشركات الراسخة (لا نقصد هنا جوجل أو فيسبوك) السؤال التالي: ما الذي سيمكننا من تجاوز هذه المرحلة الانتقالية بنجاح؟

من خلال تجربتنا، عندما يطرح قادة الشركات هذا السؤال في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، الجواب الذي يُقدّم إليهم عادة هو “البيانات”. وهذه الرؤية مؤكدة من قبل الصحافة التجارية، إذ تدّعي المئات من المقالات أنّ “البيانات هي النفط الجديد”. بمعنى أنّ البيانات ستقود اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

إذا كان هذا صحيحاً فعلاً، يمكن لشركتك أن تعتبر نفسها محظوظة، فبعد أن جمعت كل هذه البيانات في الشركة، اتضح أنك كنت تجلس على احتياطي نفطي بظهور الذكاء الاصطناعي. ولكن عندما يكون لديك هذا النوع من الحظ، ربما من الجيد أن تطرح هذا السؤال: “هل نحن محظوظون بهذا القدر فعلاً؟”.

تشبيه البيانات بالنفط فيه شيء من الحقيقة، فالذكاء الاصطناعي، يعد مثل محركات الاحتراق الداخلي التي تعتمد على النفط، يحتاج إلى البيانات لكي يعمل، حيث يستقبل البيانات الخام ويحولها إلى شيء مفيد لعملية صنع القرارات. هل ترغب بمعرفة حالة الطقس غداً؟ اعتمد على بيانات الطقس السابقة. هل ترغب بمعرفة مبيعات اللبن خلال الأسبوع المقبل؟ استخدم بيانات مبيعات اللبن السابقة. تُعتبر تقنيات الذكاء الاصطناعي آلات تقوم بالتنبؤ، وتحركها البيانات.

ولكن هل الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى بياناتك الخاصة؟ هنالك ميل إلى اعتبار جميع البيانات ذات قيمة بالنسبة للذكاء الاصطناعي، ولكن هذا ليس صحيحاً فعلاً. على الرغم من أنّ البيانات ضرورية، مثل الوقود، لتشغيل هذه الآلة التي تتنبأ بشكل يومي، إلا أنّ البيانات التي بحوزتك حالياً والتي تراكمت في شركتك عبر الزمن، ربما تكون ليست هي المطلوبة، حيث تُستخدم لبناء الآلة التي تتنبأ لا لتشغيلها.

إنّ البيانات التي بحوزتك هي بيانات التدريب، وتُستخدم كمدخل لتدريب الخوارزمية التي يمكنك استخدامها لتوليد تنبؤات لاتخاذ إجراءات معينة.

وهذا يعني أنّ بياناتك قيّمة فعلاً، ولكنه لا يعني أنّ شركتك ستتمكن من تجاوز هذه المرحلة. وبمجرد استخدام بياناتك لتدريب آلة تنبأ ستقلّ قيمتها، لأنها لن تكون مفيدة لهذا النوع من التنبؤ بعد ذلك، فهنالك العديد من التنبؤات فقط التي ستكون بياناتك ذات فائدة بالنسبة لها. إلى جانب ذلك، يعني استمرار صحة تشبيه البيانات بالوقود أنه يمكن حرق هذه البيانات، أي أنها ستُفقد إلى حد ما بعد استخدامها، والعلماء على علم بهذا الأمر فهم يقضون أعواماً في جمع البيانات، ولكن بمجرد أن توصلنا هذه البيانات إلى استنتاجات بحثية، توضع في درج الملفات أو تخزّن في أقراص احتياطية. قد تكون البيانات التي بحوزة شركتك جيدة ولكنها محدودة أيضاً، إذ لا تضمن لك الكثير في اقتصاد الذكاء الاصطناعي أكثر من تحقيق قيمة التصفية الملائمة.

حتى لو كانت بياناتك قيمة فعلاً، تُعتبر قدرتك على استخراج هذه القيمة محدودة. كم عدد المصادر الأخرى لبيانات قابلة للمقارنة؟ على سبيل المثال، إذا كنت من بين شركات توريد اللبن، فإنّ قاعدة بياناتك التي تتضمن مبيعات اللبن وبيانات أخرى ذات صلة للأعوام العشرة السابقة (مثل السعر ودرجة الحرارة ومبيعات منتجات أخرى مرتبطة باللبن مثل الآيس كريم) ستكون ذات قيمة سوقية أقل من الحال عندما تكون المالك الوحيد لهذا النوع من البيانات. بعبارة أخرى، كما هو الحال بالنسبة للنفط، كلما زاد عدد الموردين لنوعية البيانات التي بحوزتك قلت القيمة التي يمكنك استخراجها من بياناتك التدريبية. إضافة إلى ذلك، تتأثر قيمة بياناتك التدريبية بالقيمة الناتجة عن تحسين دقة التنبؤ. ستكون بياناتك التدريبية أكثر قيمة إذا نتج عن تحسين دقة التنبؤ زيادة في مبيعات اللبن بمقدار 100 مليون دولار بدلاً من 10 ملايين دولار فقط.

عادة ما تأتي القيمة المستمرة للبيانات من الإجراءات المتخذة خلال الأعمال اليومية، أي تلك البيانات الجديدة التي تتراكم بشكل يومي. إذ تمكّنك البيانات الجديدة من تشغيل آلتك الخاصة بالتنبؤ بعد أن يتم تدريبها، كما تمكنك أيضاً من تطوير هذه الآلة عن طريق التعلم. وعلى الرغم من أهمية بيانات مبيعات اللبن على مدى العشرة أعوام السابقة في تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي لتنبؤ مبيعات اللبن المستقبلية، إلا أنّ التنبؤات الفعلية والمستخدمة لإدارة سلسلة التوريد تتطلب بيانات تشغيلية بصورة مستمرة، وهذا يعد أمراً أساسياً بالنسبة للشركات القائمة اليوم.

وبهذا يمكن لشركة الذكاء الاصطناعي الناشئة والتي تحصل على مجموعة قيمة من البيانات حول مبيعات اللبن السابقة، أن تقوم بتدريب نموذج ذكاء اصطناعي من أجل التنبؤ بالمبيعات المستقبلية. ولكن لا يمكنها أن تستخدم نموذجها لاتخاذ القرارات إلا في حال حصولها على بيانات تشغيلية مستمرة للتعلم منها. بينما على عكس الشركات الناشئة، تولّد المؤسسات الكبيرة بيانات تشغيلية يومياً، وهو أمر نافع جداً، فكلما زادت العمليات زادت البيانات. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن لصاحب العملية الاستفادة فعلاً من التنبؤ في تحسين عمليته المستقبلية.

في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، تقتصر قيمة بياناتك المتراكمة على تقديم منفعة لمرة واحدة في تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بك. كما تتأثر قيمة بيانات التدريب، مثل الوقود، بالتوريد الكلي. بمعنى أنّ قيمتها تقل عندما يكثر عدد الموردين الذين يمتلكونها. وفي المقابل، قيمة بياناتك التشغيلية المستمرة غير محصورة في تقديم منفعة لمرة واحدة فقط بل منفعة دائمة لتشغيل آلتك التنبؤية وتحسينها أيضاً. إذاً، على الرغم من كل ما يقال عن أنّ البيانات هي النفط الجديد، إلا أنّ بياناتك التاريخية المتراكمة ليست هي المطلوبة ولكنها ربما توصلك إلى المطلوب. في جميع الأحوال، تُعد قيمة البيانات منخفضة عندما يتعلق الأمر بآفاق الأعمال الخاصة بك. ولكن إذا كنت قادراً على إيجاد طرق لتوليد تيار بيانات جديد ومستمر ويقدم ميزة في الأداء في ما يتعلق بقوة التنبؤ للذكاء الاصطناعي، فإنّ ذلك سيمد شركتك بقوة مستدامة عند وصول الذكاء الاصطناعي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!