بلورة رؤية شركتك

34 دقيقة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio
[su_quote cite=”توماس ستيرنز إليوت، رباعيات أربع”]لن نتوقف عن الاستكشاف وسنعود في نهاية كل جهودنا إلى حيث بدأنا وسنتعرف على المكان من النظرة الأولى. [/su_quote]

إذا نظرت حولك إلى عالم الأعمال، ستجد أن الشركات التي تتمتع بنجاح مستمر على مدار سنوات، لديها قيم أساسية وغرض أساسي يبقيان ثابتين معها، بينما تتكيف استراتيجياتها وعملياتها لتيسير الأعمال بلا توقف مع عالم آخذ في التغيّر. وتُعد ديناميكية الحفاظ على الجوهر مع تحفيز التقدم هي السبب في أنّ شركات مثل “هيوليت-باكارد” (آتش بي) (Hewlett-Packard) المعروفة بـ”آتش بي”، و”ثري إم” (3M)، و”جونسون آند جونسون” (Johnson & Johnson)، و”بروكتر آند غامبل” (Procter & Gamble)، و”ميرك” (Merck)، و”سوني” (Sony)، و”موتورولا” (Motorola)، و”نوردستروم” (Nordstrom)، أصبحت مؤسسات مميزة قادرة على تجديد نفسها وتحقيق أداء رفيع على المدى الطويل. لطالما عرف موظفو شركة “هيوليت-باكارد” أن التغيير الجذري في كل من عمليات التشغيل والأعراف الثقافية واستراتيجيات تيسير الأعمال لا يعني فقدان روح طريقة الشركة المعروفة باسم “طريقة آتش بي”، والتي تمثل المبادئ الأساسية لها. وبالمثل، تُراجع شركة “جونسون آند جونسون” هيكلها باستمرار وتجدد عملياتها مع الحفاظ على مُثلها العليا المجسّدة في عقيدتها. حتى عندما باعت شركة “ثري إم”، في عام 1996، العديد من مشاريعها الراسخة الكبيرة – وهي خطوة هائلة فاجأت صحافة المال والأعمال – ما فعلت هذا إلا لإعادة التركيز على غرضها الأساسي الدائم المتمثل في حل المشكلات العالقة بشكل مبتكر. وقد درسنا شركات من هذا القبيل في كتابنا “شركات أسّست لتبقى: العادات الناجحة للشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر” (Built to Last: Successful Habits of Visionary Companies)”، ووجدنا أن هذه الشركات تفوقت على أسواق الأوراق المالية العامة باثني عشر معملاً منذ عام 1925.

وتدرك الشركات الكبرى الفرْق بين ما ينبغي ألا يتغير أبداً وما ينبغي أن يكون متاحاً للتغيير، وبين المقدس وغير المقدس. وترتبط هذه القدرة النادرة على إدارة الاستمرارية والتغيير معاً – التي تتطلب انضباطاً يُمارس بوعي – ارتباطاً وثيقاً بالقدرة على تطوير الرؤية. إذ تقدم الرؤية التوجيه بشأن جوهر الأمور التي يجب الحفاظ عليها من ناحية، وطبيعة المستقبل الذي يتعيّن تحفيز التقدم نحوه من ناحية أخرى. ولكن تكمن صعوبة الأمر في أن الرؤية أصبحت واحدة من أكثر الكلمات استخداماً وأقلها فهماً في اللغة، حيث إنها تستثير صوراً متباينة لدى مختلف الأشخاص، من القيم الراسخة، والإنجازات البارزة، والروابط المجتمعية، والأهداف المثيرة، والقوى المحفزة، ومبرر وجود الشركة. لذلك نوصي بإطار مفاهيمي لتعريف الرؤية وإضفاء الوضوح والدقة على المفاهيم الغامضة والمبهمة التي تدور حول هذا المصطلح العصري، وتقديم التوجيه العملي لصياغة رؤية متماسكة داخل المؤسسة. وهو إطار وصفي يستند إلى ست سنوات من البحث، وجرى تحسينه واختباره من خلال عملنا المستمر مع المدراء التنفيذيين من مجموعة كبيرة ومتنوعة من المؤسسات حول العالم.

وتتكون الرؤية المصممة بشكل جيد من عنصرين رئيسين: الأيديولوجية الأساسية، والمستقبل المتوخى (راجع الصورة: “صياغة الرؤية”). إذ تحدد الأيديولوجية الأساسية، وهي تمثل العنصر الأول في مخططنا، ما نمثله وسبب وجودنا. وهذا العنصر لا يتغير، ويكمل العنصر الآخر، وهو المستقبل المتوخى. ويمثل الأخير ما نصبو إليه وما نطمح إلى تحقيقه وما نبتغي ابتكاره، وهو أمر يتطلب تغييراً كبيراً وتقدماً ملموساً لبلوغه.

1-الأيديولوجية الأساسية

تُحدد الأيديولوجية الأساسية الطابع الدائم للمؤسسة، والذي يمثل بدوره الهوية المتّسقة التي تتجاوز دورات حياة المنتج، والسوق، والإنجازات التقنية، والاتجاهات الإدارية، والقادة الأفراد. وفي الواقع، فإن الأيديولوجية الأساسية تعد الإسهام الأكثر استدامة والأكثر أهمية لأولئك الذين يؤسسون شركات ذات استراتيجات بعيدة النظر. وكما قال بيل هيوليت (Bill Hewlett)، عن صديقه وشريكه في العمل منذ فترة طويلة، ديفيد باكارد (David Packard)، عند وفاة الأخير منذ وقت ليس ببعيد: “كان أعظم ما خلّفه من بعده، فيما يتعلق بالشركة، هو مدونة قواعد السلوك التي تُعرف باسم طريقة شركة “آتش بي”. وتتضمن هذه الأيديولوجية الأساسية، التي تسترشد بها الشركة منذ تأسيسها قبل أكثر من 50 عاماً، احتراماً عميقاً للفرد، وتفانياً في تقديم جودة وموثوقية بتكلفة معقولة، والتزاماً بالمسؤولية المجتمعية (حيث أوصى باكارد نفسه بقيمة أسهمه في شركة هيوليت-باكارد البالغة 4.3 مليار دولار لمؤسسة خيرية)، ونظرة مفادها أن الشركة موجودة لتقديم مساهمات تقنية لأجل النهوض بالإنسانية وتحقيق رفاهيتها.

وقد أدرك مؤسسو الشركات مثل ديفيد باكارد، وماسارو إيبوكا (Masaru Ibukaمؤسس شركة “سوني”، وجورج ميرك (George Merck مؤسس شركة “ميرك” (Merck)، وويليام ماك نايت (William McKnightمؤسس شركة” ثري إم”، وبول جالفين (Paul Galvin أحد مؤسسي شركة “موتورولا”، أنّ معرفة هويتك هي أكثر أهمية من معرفة الوجهة التي تصبو إليها، لأنّ هذه الوجهة ببساطة ستتغير مع تغيّر العالم من حولك، إذ يرحل القادة، وتغدو المنتجات عتيقة، وتتغير الأسواق، وتنشأ تقنيات جديدة، وتظهر اتجاهات إدارية، وتختفي أخرى، بينما تستمر الأيديولوجية الأساسية في شركة كبيرة كمصدر للتوجيه والإلهام.

الأيديولوجية الأساسية هي الرابط الذي يحافظ على تماسك المؤسسة بمرور الوقت

وتمثل الأيديولوجية الأساسية ذلك الرابط الذي يحافظ على تماسك المؤسسة أثناء نموها، واكتسابها الطابع اللامركزي، وتنوّعها، وتوسعها عالمياً، وتبنّيها التنوع في مكان العمل. فكّر في الأمر على أنه مماثل لمبادئ اليهودية التي وحّدتْ شمْل الشعب اليهودي لعدة قرون دون وطن، حتى أثناء انتشاره في جميع أنحاء الشتات، أو فكّر في الحقائق التي اعتُبرت بديهية في إعلان الاستقلال، أو المُثل والمبادئ الدائمة للمجتمع العلمي التي تجمع العلماء من جميع الجنسيات سويةً حيال الهدف المشترك المتمثل في النهوض بالمعرفة الإنسانية. لذلك أول ما يجب أن تفعله أية رؤية فعالة هو تجسيدها الأيديولوجية الأساسية للمؤسسة، والتي بدورها تتكون من مكوّنين مختلفين، هما: القيم الأساسية، وهي منظومة من المبادئ والركائز الموجِّهة، والغرض الأساسي، وهو السبب الرئيس وراء وجود المؤسسة.

أ-القيم الأساسية

القيم الأساسية هي الركائز الأساسية والمستديمة للمؤسسة. ولا تتطلب القيم الأساسية، التي تمثل مجموعة صغيرة من المبادئ الموجِّهة الأزلية، أي مبرر خارجي، حيث إن لديها قيمة وأهمية جوهريتين لأولئك العاملين في المؤسسة. فعلى سبيل المثال، لا تنبع القيم الأساسية لشركة “والت ديزني” (Walt Disney)، المتمثلة في سعة الخيال والجدوى، من متطلبات السوق، بل من الإيمان الداخلي لمؤسس الشركة بضرورة تعزيز سعة الخيال والجدوى في حد ذاتهما. كما لم يغرس وليام كوبر بروكتر وجيمس غامبل في ثقافة شركة “بروكتر آند غامبل” التركيز على التميّز في المنتجات كاستراتيجية للنجاح فحسب، بل تقريباً كأحد المبادئ الدينية، وقد توارث العاملون في شركة “بروكتر آند غامبل” هذه القيمة لأكثر من 15 عاماً. وبالمثل، تُعد الخدمة المقدمة إلى العميل – حتى إلى درجة الرضوخ له – هي أسلوب للحياة في شركة “نوردستروم” وتعود جذورها إلى عام 1901، أي إلى ثمانية عقود قبل أن تصبح برامج خدمة العملاء بهذا الأسلوب العصري. وبالنسبة إلى بيل هيوليت وديفيد باكارد، كان احترام الفرد قيمة شخصية عميقة بالدرجة الأولى، إذ إنهما لم يستقيا هذه القيمة من كتاب أو يسمعاها من أحد معلّمي الإدارة. ويوضح رالف لارسن (Ralph Larsen)، الرئيس التنفيذي لشركة “جونسون آند جونسون”، الأمر على هذا النحو: “يمكن أن تكون القيم الأساسية المجسدة في عقيدتنا ميزة تنافسية، بيد أن هذا ليس هو الدافع وراء اعتناقنا لها. إذ إننا نعتنق هذه القيم لأنها تحدد لنا ما نمثله، وسنتشبّث بها حتى إنْ أصبحت تشكل وضعاً غير مؤاتٍ للمنافسة في بعض الحالات”.

والمغزى هنا هو أن الشركة العظيمة تقرر بنفسها القيم التي تعتبرها أساسية، بمعزل إلى حد كبير عن البيئة الحالية أو المتطلبات التنافسية أو الاتجاهات الإدارية. إذاً، يتضح أنه لا توجد مجموعة مناسبة من القيم الأساسية بصورة موحّدة. إذ ليس من الضروري أن تتخذ الشركة خدمة العملاء كقيمة أساسية (فشركة “سوني” لا تعتبر خدمة العملاء من قيمها الأساسية)، أو احترام الفرد (حيث لا يُعد احترام الفرد قيمة أساسية لدى شركة ديزني)، أو الجودة (إذ لا تضعها شركة والت مارتي ستورز (WaltMart Storesمن ضمن قيمها الأساسية)، أو التركيز على السوق (فلا تتخذه شركة آتش بي قيمة أساسية)، أو العمل الجماعي (فلا تنظر إليه شركة نوردستروم باعتباره قيمة أساسية). ولكن ربما يكون لدى الشركة عمليات تشغيلية واستراتيجيات لتيسير الأعمال تدور حول تلك الصفات دون أن تكون في صميم وجودها.

وعلاوة على ذلك، لا تحتاج الشركات الكبرى إلى وجود قيم أساسية محبوبة أو إنسانية، على الرغم من أن الكثير منها تمتلك قيماً أساسية على هذه الشاكلة. ولكن مربط الفرس هنا ليس طبيعة القيم الأساسية للمؤسسة، بل ما إذا كان لدى المؤسسة قيم أساسية من الأساس.

وتميل الشركات إلى امتلاك عدد قليل فحسب من القيم الأساسية، التي عادة ما تكون بين ثلاث إلى خمس قيم. وفي الواقع، وجدنا أنه لم يكن لدى أي من الشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر أو المتبصرة، التي درسناها في كتابنا، أكثر من خمس قيم أساسية، بل إن معظمها كان لديها ثلاث أو أربع قيم أساسية فحسب. (راجع الشريط الجانبي “القيم الأساسية تمثل المبادئ الجوهرية للشركة). وفي الواقع، ينبغي أن نتوقع ذلك، إذ إن عدداً قليلاً فحسب من القيم يمكن أن يكون جوهرياً حقاً، وهي القيم الحيوية للغاية والراسخة لدرجة أنّ الشركة نادراً ما ستُقدِم على تغييرها، إن أقدَمَت يوماً على ذلك.

وإذا أردت أن تحدد القيم الأساسية الخاصة بمؤسستك، سيتعين عليك أن تتوخّ الأمانة بشكل دؤوب لتحديد القيم الأساسية ذات الأهمية المحورية حقاً. إذ إنك في حال وضعتَ أكثر من خمس أو ست قِيم، فمن المحتمل أنه قد اختلط عليك الأمر بين القيم الأساسية (التي لا تتغيّر)، وبين العمليات التشغيلية أو استراتيجيات تيسير الأعمال أو الأعراف الثقافية (التي ينبغي أن تكون متاحة للتغيير).

وتذكّر أن القيم يجب أن تصمد أمام عامل الزمن. فبعد الانتهاء من صياغة قائمة أولية بالقيم الأساسية لشركتك، اسأل بشأن كل واحدة منها، هل سنظل محتفظين بهذه القيمة الأساسية في حال تغيّرت الظروف وتحمُّلنا عبء الاحتفاظ بها؟ وإنْ لم تستطع الإجابة عن هذا السؤال بنعم بكل صراحة، فإنّ هذه القيمة ليست أساسية ويجب استبعادها من الاعتبار.

وعلى سبيل المثال، تساءلت إحدى شركات التكنولوجيا المتقدمة عما إذا كان عليها وضع الجودة في قائمة قيمها الأساسية. فسأل الرئيس التنفيذي للشركة: “لنفترض أن الجودة بعد عشر سنوات لم تعُد تُحدث أي فرق في أسواقنا. ولنفترض أن الشيء الوحيد الذي أصبح مهماً هو السرعة المطلقة والقوة وليس الجودة. فهل سنواظب على في وضع الجودة في قائمة قيمنا الأساسية؟”. نظر أعضاء فريق الإدارة إلى بعضهم البعض وأجابوا في نهاية المطاف بـ”لا”. وبالتالي، بقيت الجودة ضمن استراتيجية الشركة، وظلت برامج تحسين الجودة سارية كآلية لتحفيز التقدم المحرز، ولكن لم تدرج الجودة في قائمة القيم الأساسية.

ثم تجادل أفراد مجموعة المدراء التنفيذيين أنفسهم بشأن إدراج الابتكار المتطور كقيمة أساسية. وسأل الرئيس التنفيذي من جديد: “هل سنُبقِي الابتكار في القائمة كقيمة أساسية بغض النظر عن مدى تغيّر العالم من حولنا؟”، وهذه المرة، كانت إجابة فريق الإدارة بـ”نعم” مدوّية. ويمكن تلخيص نظرة المدراء على النحو التالي: “نحن نود دائماً القيام بالابتكار المتطور، إذ إن هذه هي هويتنا، وهو أمر هام بالنسبة إلينا وسيظل كذلك دائماً مهما كانت الظروف. وحتى وإنْ كانت الأسواق التي نعمل فيها حالياً لا تقدّر الابتكار الذي نقوم به، فسنجد أسواقاً تفعل ذلك”. وهكذا أدرِج الابتكار المتطور في القائمة وسيبقى فيها.

إذاً ينبغي ألا تغيّر الشركة قيمها الأساسية استجابة للتغيّرات التي تحدث في السوق، وإنما يتعيّن عليها بالأحرى تغيير الأسواق التي تنافس فيها، إذا لزم الأمر، لتظل وفيّة لقيمها الأساسية.

وتختلف الأطراف التي ينبغي أن تساهم في وضع القيم الأساسية باختلاف حجم الشركة، وعمرها، واتساعها الجغرافي، لكننا أوصينا في العديد من الحالات بما نسميه بـ”مجموعة المريخ (Mars Group)”، التي تعمل على النحو التالي: تخيّل أنه قد طُلب منك إعادة إنتاج أفضل السمات التي تحظى بها مؤسستك على كوكب آخر، ولكن عدد المقاعد المتاح على متن السفينة الفضائية يكفي لما بين خمسة إلى سبعة أشخاص فقط. فمَن ينبغي أن يُرسَل؟ ستختار، على الأرجح، الأشخاص الذين لديهم فهم وطيد لقيمك الأساسية، ويتحلّون بأعلى مستوى من المصداقية بين زملائهم، ويتمتعون بأعلى مستويات الكفاءة. وغالباً ما نطلب من الأشخاص الذين حُشِدوا سوياً للعمل على صياغة القيم الأساسية ترشيح مجموعة المريخ من خمسة إلى سبعة أفراد (وليس بالضرورة أن يكونوا جميعهم من المجموعة المجتمعة). ودائماً ما ينتهي بهم الأمر باختيار ممثلين يتمتعون بمصداقية عالية ويتميزون بصياغة القيم الأساسية لأنهم، على وجه التحديد، يشكلون نموذجاً على هذه القيم، فهُم شريحة ممثلة لجينات للشركة.

ويمكن حتى للمؤسسات العالمية التي تتكون من أشخاص ذوي ثقافات متنوعة تحديد مجموعة من القيم الأساسية المشتركة. ويكمن السر في العمل من الفرد إلى المؤسسة. إذ يلزم الأشخاص الذين يساهمون في صياغة القيم الأساسية الإجابة عن عدة أسئلة، وهي: ما هي القيم الأساسية التي تجلبها شخصياً إلى عملك؟ (ينبغي أن تكون هذه القيم الأساسية حيوية لدرجة تجعلك تتشبث بها بغض النظر عما إذا كانت قد حُظيت بالمكافأة أم لا)، وما الذي ستخبر أطفالك به باعتباره قيماً أساسية تتشبث بها في عملك وتأمل أن يتمسكوا بها أيضاً عندما يبلغون سن العمل؟ وإذا استيقظت صباح الغد وأنت تمتلك أموالاً تكفيك للتقاعد لبقية حياتك، فهل ستستمر في الالتزام بهذه القيم الأساسية؟ وهل يمكنك تصور أن تصلُح لك هذه القيم الأساسية بعد 100 عام من الآن كما تصلح لك اليوم؟ وهل ترغب في التمسك بتلك القيم الأساسية، حتى لو أصبحت واحدة أو أكثر منها تمثل وضعاً غير مؤاتٍ للمنافسة؟ وفي حال كنتَ تريد بدء مؤسسة جديدة غداً في مجال عمل مختلف، فما هي القيم الأساسية التي ستُدرجها في المؤسسة الجديدة بغض النظر عن القطاع الذي تعمل فيه؟

وتُعد الأسئلة الثلاثة الأخيرة مهمة بشكل خاص، لأنها تميّز بشكل حاسم بين القيم الأساسية الدائمة التي ينبغي ألا تتغير، وبين العمليات والاستراتيجيات التي ينبغي أن تتغير طوال الوقت.

[su_expand more_text=”المزيد” less_text=”أقل ” height=”290″ link_color=”المزيد” link_align=”right”]

القيم الأساسية تمثل المبادئ الجوهرية للشركة

شركة “ميرك”

  • المسؤولية الاجتماعية للشركة.
  • التميز التام في جميع جوانب العمل بالشركة.
  • الابتكار القائم على العلوم.
  • الأمانة والنزاهة.
  • تحقيق الربح، لكن من العمل الذي يفيد الإنسانية.

شركة “نوردستروم”

  • خدمة للعميل فوق كل اعتبار.
  • العمل الدؤوب وانتاجية الفرد.
  • عدم الرضا أبداً بما تم تحقيقه.
  • التميز في السمعة وأن يكون المرء جزءاً من مشروع مميز.

شركة “فيليب موريس”

  • الحق في حرية الاختيار.
  • الفوز – التفوق على الآخرين في تنافس شريف.
  • تشجيع المبادرات الفردية.
  • نيل الفرصة استناداً إلى الجدارة، لا حظوة لأحد.
  • العمل الدؤوب والتحسين الذاتي المستمر.

شركة “سوني”

  • الارتقاء بالثقافة اليابانية ووضع البلاد.
  • الريادة – عدم اتباع خطى الآخرين، وفعل المستحيل.
  • تشجيع القدرة والإبداع الفرديين.

شركة “والت ديزني”

  • عدم السخرية.
  • رعاية “القيم الأميركية السليمة” ونشرها.
  • الإبداع والأحلام وسعة الخيال.
  • الاهتمام الشديد بتحقيق الاتساق والتفاصيل.
  • الحفاظ على سحر شركة “ديزني” ومراقبته.
[/su_expand]

ب-الغرض الأساسي

الغرض الأساسي هو المكون الثاني من الأيديولوجية الأساسية، والمقصود به سبب وجود المؤسسة. ويعكس الغرض الفعال الدوافع المثالية للأشخاص للقيام بعمل الشركة. إذ إنه لا يقتصر على وصف مخرجات المؤسسة أو العملاء المستهدفين، بل إنه يجسد روح المؤسسة. (راجع الفقرة الجانبية “الغرض الأساسي هو مبرر وجود الشركة”). إذ يصوّر الغرض، كما يتضح من خطاب ألقاه ديفيد باكارد لموظفي شركة “آتش بي” في عام 1960، الأسباب الأقوى لوجود المؤسسة التي تتجاوز مجرد كسب المال. حيث قال: “أود مناقشة سبب وجود الشركة في المقام الأول. وبمعنى آخر، ما سبب وجودنا هنا؟ وأعتقد أن الكثير من الأشخاص يفترضون، على نحو خاطئ، أن الشركة موجودة ببساطة لكسب المال. وفي حين أن هذه نتيجة مهمة لوجود الشركة، إلا أنه يتعين علينا أن نتعمق ونعثر على الأسباب الحقيقية لوجودنا. وبينما نستكشف ذلك، سنخلُص حتماً إلى استنتاج مفاده أن مجموعة من الأشخاص تتجمع لتنشئ مؤسسة نسميها شركة حتى يتمكنوا من إنجاز شيء بشكل جماعي لم يتمكنوا من إنجازه بشكل منفصل. فهُم يقدّمون مساهمة إلى المجتمع، ورغم أنها عبارة تبدو مبتذلة ولكن بيد أنها ذات أهمية جوهرية… إذ يمكنك أن تنظر حولك، في عالم الأعمال عموماً، وسترى الأشخاص المهتمين بالمال ولا شيء سواه، ولكنّ الدوافع الكامنة تأتي بدرجة كبيرة من الرغبة في فعل شيء آخر، وهو تصنيع منتج أو تقديم خدمة، وبشكل عام، من الرغبة في فِعل شيء ذي قيمة.

ويجب عدم الخلط بين الغرض (الذي ينبغي أن يستمر 100 عام على الأقل)، وبين الأهداف أو استراتيجيات تيسير الأعمال المحددة (التي ينبغي أن تتغير عدة مرات خلال 100 عام). وبينما يمكن أن تحقق الهدف أو تنفذ الاستراتيجية، ليس بوسعك بلوغ الغرض، فهو يشبه النجم المرشد في الأفق، تسعى خلفه إلى الأبد، ولكنك لا تبلغه مطلقاً. وعلى الرغم من أن الغرض نفسه لا يتغيّر، إلا أنه يحض على التغيير. فحقيقة أن هذا الغرض لا يمكن أن يتحقق بشكل كامل تعني أن المؤسسة لا يمكنها التوقف عن تحفيز التغيير والتقدم صوبه.

تتكون الأيديولوجية الأساسية من القيم الأساسية والغرض الأساسي. والغرض الأساسي هو مبرر وجود الشركة، وليس هدفاً أو استراتيجية لتيسير الأعمال.

وترتكب بعض الشركات، عند تحديدها الغرض، خطأً يتمثل في وصفها لخطوط الإنتاج أو فئات العملاء الحالية ببساطة، وهو ليس المقصود بالغرض. فنحن لا نعتبر أن البيان التالي، على سبيل المثال، يعكس غرضاً فعالاَ: “غرض مؤسستنا هو الوفاء بميثاق حكومتنا، والمشاركة في سوق القروض العقارية الثانوية عن طريق تجميع قروض الرهانات العقارية في ضمانات الاستثمار”. فهذا البيان هو مجرد بيان وصفي. أما بيان الغرض الأكثر فاعلية بكثير هو البيان الذي عبّر عنه المدراء التنفيذيون لـ”الرابطة الفدرالية الوطنية للرهن العقاري”، التي تُعرف اختصاراً بـ “فاني ماي” (Fannie Mae)، وجاء كالتالي: “غرض مؤسستنا هو تعزيز النسيج الاجتماعي من خلال إضفاء الطابع الديمقراطي باستمرار على امتلاك مسكن”. وفي حين أن سوق القروض العقارية الثانوية من الممكن ألا تكون موجودة بعد 100 عام، إلا أنّ تقوية النسيج الاجتماعي من خلال إضفاء الطابع الديمقراطي باستمرار على امتلاك مسكن يمكن أن تكون غرضاً دائماً، بغضّ النظر عن مدى تغيّر العالم.

وأطلقت الرابطة الفدرالية الوطنية للرهن العقاري (Federal National Mortgage Association في أوائل تسعينيات القرن الماضي، سلسلة من المبادرات الجريئة، مستمِدةً التوجيه والإلهام من هذا الغرض، وتضمن برنامجاً لتطوير أنظمة جديدة لخفض تكاليف الضمانات في الرهن العقاري بنسبة 40% في خمس سنوات، وبرامج للقضاء على التمييز في عملية الإقراض (مدعومة بخمسة مليارات دولار من تجارب الضمانات)، وهدفاً جريئاً وهو توفير تريليون دولار بحلول عام 2,000، يستهدف 10 ملايين أسرة كانت محرومة بصورة تقليدية من امتلاك مسكن، وهي الأسر التي تنتمي إلى شرائح الأقليات والمهاجرين والفئات ذات الدخل المنخفض.

[su_expand more_text=”المزيد” less_text=”أقل ” height=”290″ link_color=”المزيد” link_align=”right”]

الغرض الأساسي هو مبرر وجود الشركة

  • شركة “ثري إم”: حل المشكلات العالقة بشكل ابتكاري.
  • شركة “كارجيل“: تحسين مستوى المعيشة في شتى أنحاء العالم.
  • مؤسسة “فاني ماي”: تعزيز النسيج الاجتماعي بإضفاء الطابع الديمقراطي باستمرار على ملكية المسكن.
  • شركة “هيوليت-باكارد”: تقديم مساهمات تقنية بغية تقدم الإنسانية ورفاهيتها.
  • شركة “لوست آرو”: أن نكون نموذجاً يحتذى به وأداة للتغيير الاجتماعي.
  • شركة “باسفيك ثييترز”: تهيئة مكان للأشخاص للانتعاش، وتعزيز المجتمع.
  • شركة “ماري كاي كوزمتيكس”: توفير فرص غير محدودة للنساء.
  • شركة “ماكنزي”: مساعدة المؤسسات والحكمات الرائدة في أن تكون أكثر نجاحاً.
  • شركة “ميرك”: الحفاظ على حياة الإنسان وتحسينها.
  • شركة “نايكي”: الشعور بعاطفة المنافسة والفوز فيها وسحق المنافسين.
  • شركة “سوني”: الشعور بمتعة التطور وتطبيق التكنولوجيا لمنفعة عامة الناس.
  • شركة “تيليكير كوربوريشن”: مساعدة الأشخاص الذين يعانون من إعاقات عقلية على تحقيق كامل إمكاناتهم.
  • شركة “وول مارت”: منح الناس العاديين فرصة شراء الأشياء نفسها التي يشتريها الأغنياء.
  • شركة والت ديزني“: إسعاد الناس.
[/su_expand]

وبالمثل، تُعرّف شركة “ثري إم” غرضها ليس من حيث المواد اللاصقة والمواد الكاشطة، التي تصنّعها، بل من حيث السعي الدائم لحل المشكلات العالقة بشكل مبتكر، وهو غرض يدفع الشركة دائماً للدخول في مجالات عمل جديدة. كما أن غرض شركة “ماكنزي آند كومباني” (McKinsey & Company) ليس تقديم الاستشارات الإدارية، بل مساعدة الشركات والحكومات لتكون أكثر نجاحاً، ومن الممكن أن ينطوي هذا الغرض، بعد 100عام، على طرق أخرى غير الاستشارات. وكذلك، فإن غرض شركة “آتش بي” ليس إنتاج معدات الاختبار والقياس الإلكترونية، بل تقديم مساهمات تقنية من شأنها تحسين حياة الناس، وهو الغرض الذي جعل الشركة تمضي بعيداً عن مسارها الأصلي المتمثل في إنتاج الوسائل الإلكترونية. وتخيّل لو أنّ والت ديزني قد اعتبر أن غرض شركته هو إنتاج الرسوم المتحركة، بدلاً من غرضه المتمثل في إسعاد الناس، لكان من المرجح ألا نحظى بميكي ماوس أو “ديزني لاند” أو مركز “إبكوت” (EPCOT Center) أو فريق الهوكي “أنهايم داكس”(Anaheim Ducks).

ويُعد أسلوب “الأسباب الخمسة” أحد الأساليب المؤثرة في تحديد الغرض. وهو كالآتي: ابدأ الأمر بعبارة وصفية مفادها أننا نصنع المنتجات الفلانية أو نقدم الخدمات الفلانية، ثم تساءلْ خمس مرات عن سبب أهمية هذه المنتجات التي تصنعها أو الخدمات التي تقدمها. وستجد أنك تصل إلى الغرض الأساسي للمؤسسة بعد بيان بعض هذه الأسباب.

وقد استخدمنا هذا الأسلوب لتعميق النقاش وإثرائه بشأن الغرض، عندما عملنا مع إحدى الشركات التي تعمل في مجال بحوث السوق. حيث اجتمع بي الفريق التنفيذي للشركة أول مرة لعدة ساعات وتوصلوا إلى صياغة بيان الغرض التالي لمؤسستهم: (توفير أفضل البيانات المتاحة في ما يتعلق ببحوث السوق). ثم طرحنا السؤال التالي: ما وجه الأهمية في توفير أفضل البيانات المتاحة في ما يتعلق ببحوث السوق؟

وبعد إجراء بعض المناقشات، أجاب المسؤولون التنفيذيون للشركة بطريقة تعكس إحساساً أعمق بالغرض الذي تسعى إليه مؤسستهم، حيث صاغوه على هذا النحو: (توفير أفضل البيانات المتاحة في ما يتعلق ببحوث السوق حتى يتسنى لعملائنا فهم أسواقهم بشكل أفضل مما يمكنهم خلاف ذلك).

وقد أتاحت المناقشة الإضافية لأعضاء الفريق إدراك أن شعورهم بقيمة الذات لا يأتي فقط من مساعدة العملاء على فهم أسواقهم بشكل أفضل، بل أيضاً من المساهمة في نجاح عملائهم.

وقد قاد هذا التفكّر الذاتي الشركة في نهاية المطاف إلى صياغة الغرض على النحو التالي: “المساهمة في نجاح عملائنا من خلال مساعدتهم على فهم أسواقهم”. ومع وضع هذا الغرض في الاعتبار، تتخذ الشركة الآن القرارات المتعلقة بمنتجاتها ليس في ضوء التساؤل عما إذا كانت هذه المنتجات ستُباع، بل بالتساؤل عما إذا كانت هذه المنتجات ستساهم في نجاح عملائها.

ومن شأن أسلوب “الأسباب الخمسة” أن يساعد الشركات في أي مجال على وضع إطار لعملها بطريقة أكثر جدوى. إذ يمكن أن تبدأ شركة تعمل في تصنيع الأسفلت والحصى بيان غرضها بالقول: “نحن نصنع منتجات الحصى والأسفلت”. وبعد استعراض بضع الأسباب، يمكنها أن تخلُص إلى أهمية صناعة الأسفلت والحصى نظراً لأن جودة البنية التحتية تلعب دوراً حيوياً في سلامة الناس وما يمرون به، لأن القيادة على طريق غير مستوٍ أمر مزعج وخطير، لأن الطائرات من طراز 747 لا يمكن أن تهبط بأمان على مدارج بُنيت بصنعة سيئة أو خرسانة رديئة، لأن المباني ذات المواد غير المطابقة للمواصفات تضعف مع الوقت وتنهار عند حدوث الزلازل. وهكذا يمكن أن ينشأ الغرض التالي من مثل هذا التفكّر الذاتي: (تحسين حياة الناس من خلال تحسين نوعية الأبنية التي يصنعها الإنسان). وبمفهوم غرض جرت صياغته على هذا المنوال، فازت شركة “جرانيت روك” (Granite Rock Company) في ولاية كاليفورنيا الأميركية بجائزة “مالكولم بالدريدج” الوطنية للجودة (Malcolm Baldrige National Quality Award)، وهو ليس إنجازاً سهلاً لشركة صغيرة لمقلع الصخور وتصنيع الأسفلت. وقد أضحت شركة “جرانيت روك” إحدى أكثر الشركات التي تعاملنا معها تقدماً وإثارة للحماس في أي صناعة.

لاحِظ أنّ أياً من الأغراض الأساسية لا يندرج في فئة (زيادة ثروة المساهمين)، فالدور الرئيس للغرض الأساسي للشركة هو التوجيه والإلهام. وليس من شأن زيادة ثروة المساهمين إلهام الأشخاص في جميع مستويات الشركة، كما أنها لا تقدم سوى القليل من التوجيه. إذ إن زيادة ثروة المساهمين هي الغرض النمطي الجاهز للمؤسسات التي لم تحدد بعد الغرض الأساسي الحقيقي من وجودها. وهي بديل ضعيف في حد ذاته.

وعندما يتحدث الأشخاص في المؤسسات الكبيرة عن إنجازاتهم، فهم لا يذكرون سوى القليل عن أرباح الأسهم. فالأشخاص العاملون في شركة “موتورولا” يتحدثون عن تحسينات الجودة المثيرة للإعجاب والأثر الذي تُحدثه منتجات الشركة على العالم. ويتحدث الأشخاص العاملون في شركة “آتش بي” عن المساهمات التقنية للشركة في الأسواق. فيما يتحدث الأشخاص العاملون في شركة “نوردستروم” عن خدمة العملاء النبيلة والأداء الفردي المميز من قِبل مندوبي المبيعات المتألقين. وعندما تتحدث مهندسة تعمل في شركة “بوينغ” عن إطلاق طائرة جديدة مثيرة وجذرية، فإنها لا تقول: “إنني لم أدّخر جهداً في هذا المشروع، لأنه سيضيف 37 سنتاً إلى أرباحنا على السهم الواحد”.

أصغِ إلى الأشخاص الذين يعملون في الشركات الكبيرة حقاً وهم يتحدثون عن إنجازاتهم، ولن تسمع سوى النزر القليل عن أرباح الأسهم

وتتمثل إحدى طرق الوصول إلى الغرض الذي يتجاوز مجرد زيادة ثروة المساهمين في تجربة لعبة “سفاح الشركات العشوائي”. وتعمل هذه اللعبة على النحو التالي: لنفترض أنك تستطيع بيع الشركة لشخص يدفع الثمن الذي يتفق الجميع داخل الشركة وخارجها على أنه أكثر من منصف (حتى في ضوء وجود عدد من الافتراضات الإيجابية للغاية بشأن التدفقات النقدية المستقبلية المتوقعة للشركة). ولنفترض كذلك أن هذا المشتري سيضمن عملاً مستقراً لجميع الموظفين بجدول الأجور نفسه بعد الشراء، ولكن دون أي ضمان بأن هذه الوظائف ستكون في نفس الصناعة. وأخيراً، لنفترض أن المشتري يخطط للقضاء على الشركة بعد شرائها، حيث ستتوقف منتجاتها التي تصنعها أو خدماتها التي تقدمها، وستنقطع عملياتها التي تقوم بها، وستُجمّد أسماء علامتها التجارية إلى الأبد، وهلمّ جرّا. وهو ما يعني أن الشركة ستختفي بشكل كامل عن الوجود.

هل تقبل هذا العرض؟ أذكر سبب قبولك أو رفضك له. وما هي الخسائر التي ستترتب على زوال الشركة من الوجود؟ وما وجه الأهمية في استمرار وجود الشركة؟

لقد تبيّن لنا أن هذا التدريب فعال للغاية في مساعدة المدراء التنفيذيين المتشددين، الذين يركزون بشكل خاص على الجوانب المالية، ليدفعهم إلى التفكير في أسباب أعمق لوجود مؤسستهم.

وثمة أسلوب آخر يتعين في سؤال كل عضو في “مجموعة المريخ” السالف ذكرها عن الكيفية التي يمكننا بها تحديد الغرض من هذه المؤسسة بحيث إنه إذا استيقظت صباح يوم غد وأنت تمتلك أموالاً في حسابك المصرفي تكفيك للتقاعد، فهل ستستمر حينها في العمل هنا؟ وما هو المفهوم الأعمق للغرض الذي سيحفزك على مواصلة تكريس طاقاتك الإبداعية الثمينة لجهود هذه الشركة؟

مع تقدّمها في القرن الحادي والعشرين، ستحتاج الشركات إلى الاستفادة من كامل طاقات الأفراد العاملين بها ومواهبهم الخلاقة.

ولكن لماذا ينبغي للأشخاص تقديم أقصى ما لديهم؟ إذ إن أفضل الأشخاص وأكثرهم تفانياً هم متطوعون في نهاية المطاف، كما أشار بيتر دراكر، لأن الفرصة متاحة لهم للقيام بشيء آخر في حياتهم.

اكتشاف الأيديولوجية الأساسية

أنت لا تبتكر الأيديولوجية الأساسية ولا تضعها، بل تكتشفها. كما أنك لا تستدل عليها عبر النظر إلى البيئة الخارجية، بل تدركها عبر النظر في داخل الشركة. كما يتعيّن أن تكون الأيديولوجية أصيلة، إذ إنه ليس بوسعك اصطناعها. فاكتشاف الأيديولوجية الأساسية ليس تدريباً ذهنياً. فلا تسأل: ما هي القيم الأساسية التي ينبغي لنا أن نتمسك بها؟ بل ينبغي أن يكون السؤال هو: ما هي القيم الأساسية التي نتمسك بها بصدق وشغف؟ ويتعين عليك ألا تخلط بين القيم التي تعتقد أنه يجب على المؤسسة أن تتحلى بها – ولكنها لا تفعل – وبين القيم الأساسية الأصيلة. إذ إن من شأن هذا الخلط أن يثير التهكم في جميع أنحاء المؤسسة، وسيقول العاملون: “مَن الذي يحاولون خداعه؟ نحن جميعاً نعلم أنّ هذه القيمة ليست قيمة أساسية في هذه الشركة!”. فالطموحات تكون ملائمة بدرجة أكبر بصفتها جزءاً من المستقبل المتوخى للشركة أو بصفتها جزءاً من استراتيجيتها، وليس بصفتها جزءاً من الأيديولوجية الأساسية لها. ولكن يمكن اعتبار القيم الأساسية الأصيلة التي اضمحلت بمرور الوقت جزءاً مشروعاً من الأيديولوجية الأساسية – ما دام أنك تقر للمؤسسة أنه يجب عليك العمل بجد لإحياء هذه القيم.

تُكتشف الأيديولوجية الأساسية عبر النظر في داخل الشركة. ويجب أن تكون هذه الأيديولوجية أصيلة، إذ إنه ليس بوسعك اصطناعها

ولا تنسى أن دور الأيديولوجية الأساسية هو التوجيه والإلهام، وليس التمييز. حيث يمكن أن تتحلى شركتان بالقيم الأساسية نفسها أو الغرض ذاته. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون غرض العديد من الشركات هو تقديم مساهمات تقنية، ولكن القليل فحسب من هذه الشركات يلتزم بهذا الغرض بالشغف ذاته الذي تتمتع به شركة “آتش بي”. ويمكن أن يكون غرض العديد من الشركات هو الحفاظ على حياة الإنسان وتحسينها، لكنّ القليل منها فحسب يتمسك بهذا الغرض بالقدْر نفسه الذي تُبديه شركة “ميرك”.

ويمكن أن تكون إحدى القيم الأساسية للعديد من الشركات هي خدمة العملاء النبيلة، ولكن القليل منها فحسب يخلق ثقافة مكثفة حول هذه القيمة مثلما تفعل شركة “نوردستروم”. كما يمكن أن يكون الابتكار هو أحد القيمة الأساسية لدى العديد من الشركات، لكنّ القليل منها فحسب يضع آليات مواءمة فعالة تحفّز الابتكار الذي نراه في شركة “ثري إم”. فما يميز الشركات ذات الاستراتيجية بعيدة النظر عمّا سواها من الشركات هو الأصالة والانضباط والاتساق التي تدوم بها الأيديولوجية – وليس محتوى الأيديولوجية ذاتها. ويلزم أن تكون الأيديولوجية الأساسية هادفة وملهمة فقط للأشخاص داخل المؤسسة، وليس من الضروري أن تكون مثيرة للأشخاص خارج الشركة. والسبب في ذلك أن الأشخاص داخل المؤسسة هم الذين يتعيّن عليهم الالتزام بأيديولوجية الشركة على المدى الطويل. ويمكن للأيديولوجية الأساسية أن تلعب دوراً في تحديد العاملين والمرفوضين في الشركة. إذ تجتذب الأيديولوجية الواضحة وذات الصياغة المُحكمة الأفراد الذين تتوافق قيمهم الشخصية مع القيم الأساسية للشركة، وعلى العكس من ذلك، فإنها تصُد أولئك الذين تتعارض قيمهم الشخصية مع القيم الأساسية للشركة.

ولا يمكنك فرض قيم أساسية جديدة أو غرض جديد على الأشخاص. فالقيم الأساسية للشركة والغرض من وجودها ليست أشياءً يمكن للناس دعمها. ففي كثير من الأحيان، يتساءل المدراء التنفيذيون عن الكيفية التي يمكنهم بها حمْل الأشخاص على مشاطرتهم الأيديولوجية الأساسية للشركة. والوقع أنك لا تحملهم على مشاركتها وليس بوسعك ذلك. وبدلاً من ذلك، ابحث عن أشخاص يميلون إلى مشاطرة القيم الأساسية لشركتك وغرضها، واعمل على استقدام هؤلاء الأشخاص واحتفظ بهم، ودَع أولئك الذين لا يشاركونك قيمك الأساسية يذهبون إلى مكان آخر. وفي الواقع، يمكن أن تتسبب عملية تحديد الأيديولوجية الأساسية ذاتها في مغادرة بعض الأشخاص الشركة عندما يدركون أنهم غير متوافقين شخصياً مع جوهر المؤسسة. وهي نتيجة لا بد أن تلقى الترحيب لديك. إذ من المؤكد أنه يستحسن الحفاظ على طائفة متنوعة من الأشخاص ووجهات النظر في الأيديولوجية الأساسية. فالأشخاص الذين يتشاطرون القيم الأساسية نفسها والغرض ذاته لا يفكرون بالضرورة بالطريقة نفسها أو يتشابهون.

وهناك أمر آخر مهم، وهو أنه لا ينبغي الخلط بين الأيديولوجية الأساسية نفسها وبين بيانات الأيديولوجية الأساسية. إذ يمكن أن يكون لدى الشركة أيديولوجية أساسية قوية للغاية دون وجود بيان رسمي يُعبّر عنها. فعلى سبيل المثال، لم تقم شركة “نايكي” (Nike(حسب علمنا) بوضع بيان رسمي لغرضها الأساسي. ولكن بيد أن شركة “نايكي”، وفق ما لاحظنا، تحظى بغرض أساسي قوي يتغلغل في المؤسسة بأكملها، يتمثل في: الإحساس بمشاعر المنافسة والفوز وسحق المنافسين. وكدليل على ذلك، تمتلك شركة “نايكي” مجمّعاً يبدو أشبه بضريح للروح التنافسية أكثر منه مجمعاً لمكاتب الشركة. إذ تغطي الصور العملاقة لأبطال شركة “نايكي” الجدران، وترى اللوحات البرونزية للرياضيين الذين يمثلون الشركة على طول ممشى المشاهير الخاص بها، وتقف تماثيل رياضيّي شركة “نايكي” بمحاذاة مضمار الجري الذي يحيط بالمجمع، ويُحظى الأبطال مثل العدّاءة الأولمبية جوان بنوا، ونجم كرة السلة مايكل جوردان، ولاعب التنس جون ماكنرو، بالتكريم على جدران مباني مجمع الشركة. ومن الطبيعي ألا يستمر الأشخاص العاملون في شركة “نايكي” والذين لا يشعرون بالتحفيز من الروح التنافسية والرغبة في أن يكونوا شرسين طويلاً في الشركة. وحتى اسم الشركة يعكس الإحساس بالمنافسة، إذ إن كلمة “نايكي” تعني إله النصر عند الإغريق. وبالتالي، على الرغم من أن شركة “نايكي” لم تقم ببيان غرضها بشكل رسمي، إلا أنها تتمتع بغرض قوي بشكل واضح.

ومما سبق، يمكننا أن نستنتج أن تحديد القيم الأساسية للشركة والغرض من وجودها ليس تدريباً في مهارة استخدام الكلمات. وفي الواقع، ستنتج المؤسسة مجموعة متنوعة من البيانات مع مرور الوقت لوصف الأيديولوجية الأساسية. فعلى سبيل المثال، وقد وجدنا في قسم الأرشيف بشركة “آتش بي” أكثر من ستّ صيغ مختلفة من نُسخ طريقة شركة آتش بي (HP Way)، التي صاغها ديفيد باكارد بين عامي 1956 و1972. حيث نصّت جميع هذه النُّسخ على المبادئ نفسها، ولكن اختلفت الكلمات المستخدمة باختلاف العصر والظروف. وبالمثل، جرت صياغة الأيديولوجية الأساسية لشركة “سوني” بعدة طرق مختلفة عبر تاريخ الشركة. إذ وصف ماسارو إيبوكا، عند تأسيس الشركة، عنصرين رئيسين في أيديولوجية شركة “سوني”، حيث نصّ بيان الأيديولوجية الأساسية على التالي: “سنرحب بالصعوبات التقنية ونركز على المنتجات التقنية المتطورة للغاية، التي تعود بفائدة كبيرة على المجتمع بغض النظر عن الكمية التي ينطوي عليها ذلك. وسنركز بشكل رئيس على القدرة والأداء والطابع الشخصي حتى يتمكن كل فرد من إظهار أفضل ما لديه من حيث القدرة والمهارة”. وقد ظهر هذا المفهوم نفسه في بيان لأيديولوجية الأساسية لشركة “سوني” الذي يُسمي “روح الريادة لدى شركة سوني” (Sony Pioneer Spirit)، حيث نصّ البيان على ما يلي: “سوني شركة رائدة ولا تعتزم اتّباع خُطى الآخرين على الإطلاق. وتود شركة سوني، من خلال التقدم الذي تحرزه، خدمة العالم بأسره. وستكون الشركة دائماُ في حالة بحث عن المجهول… وتؤمن شركة سوني بمبدأ احترام قدرة الفرد وتشجيعها… وتحاول دائماً استخراج أفضل ما لدى الأفراد. هذه هي القوة الأساسية لشركة سوني”. وهي القيم الأساسية نفسها لكن بكلمات مختلفة.

لذلك، سيتعيّن عليك التركيز على صياغة المحتوى بشكل صحيح، وتحديد جوهر القيم الأساسية والغرض. إذ إن مربط الفرس ليس هو صياغة بيان مثالي، بل هو الفهم العميق للقيم الأساسية لمؤسستك وللغرض من وجودها، واللذين يمكن التعبير عنهما بعدة طرق بعد ذلك. وفي الواقع، نقترح غالباً أنه بمجرد تحديد جوهر الشركة، ينبغي للمدراء إعداد بياناتهم الخاصة عن القيم الأساسية والغرض لمشاركتها مع مجموعاتهم.

وأخيراً، احذر الخلط بين الأيديولوجية الأساسية ومفهوم الكفاءات الأساسية. فالكفاءات الأساسية هي مفهوم استراتيجي يحدد إمكانيات مؤسستك من حيث ما تجيده بشكل خاص. في حين أن الأيديولوجية الأساسية تجسد ما تمثله وسبب وجودك. وينبغي أن تكون الكفاءات الأساسية متوافقة بشكل جيد مع الأيديولوجية الأساسية للشركة، وغالباً ما تكون متجذرة فيها، لكنهما مفهومان مختلفان. على سبيل المثال، يُعد التصغير إحدى الكفاءات الأساسية التي تتمتع بها شركة “سوني”، وهو أحد نقاط القوة التي يمكن تطبيقها بشكل استراتيجي على مجموعة واسعة من المنتجات والأسواق. وعلى الرغم من ذلك، فالتصغير لا يمثل الأيديولوجية الأساسية لشركة “سوني”. ومن الممكن ألا يكون التصغير جزءاً من استراتيجية الشركة بعد 100 عام، بيد أنه لكي تظل “سوني” شركة عظيمة، ستظل متمسكة بالقيم الأساسية نفسها الموضحة في بيان “روح الريادة لدى شركة سوني” والغرض الأساسي لوجودها نفسه، وهو تطوير التقنية بما يعود بالفائدة على عامة الناس. وفي شركة ذات استراتيجية بعيدة النظر مثل شركة “سوني”، تتغير الكفاءات الأساسية على مر العقود، في حين أن الأيديولوجية الأساسية لا تتغير.

وما أنْ تصبح لديك صورة واضحة بشأن الأيديولوجية الأساسية، لا تتردد في تغيير أي شيء لا يمثل جزءاً منها. ومنذ ذلك الحين فصاعداً، عندما يقول أحدهم: ينبغي عدم تغيير هذا الأمر لأنه “جزء من ثقافتنا” أو “لطالما كنا نقوم به بهذه الطريقة” أو أي عذر من هذا القبيل، أذكر هذه القاعدة البسيطة: إذا لم يكن الأمر أساسياً، فهو خاضع للتغيير. والصيغة القوية من هذه القاعدة هي أنه: إذا لم يكن الأمر أساسياً، فلنغيّره!

بيد أن صياغة الأيديولوجية الأساسية هي مجرد نقطة انطلاق. إذ يجب عليك أيضاً تحديد نوع التقدم الذي ترغب في حفزه.

2-المستقبل المتوخى

أما المكون الرئيس الثاني لإطار الرؤية، هو المستقبل المتوخى، والذي يتكون بدوره من جزأين: الأول هو هدف جريء محدد بمدة زمنية تتراوح بين 10 إلى 30 عاماً، والثاني هو أوصاف واضحة لما سيتطلبه تحقيق الهدف. ونحن ندرك أن عبارة المستقبل المتوخى تنطوي على شيء من المفارقة. فمن ناحية، هي تُعبّر عن طابع ملموس، أي شيء مرئي وواضح وحقيقي. ومن ناحية أخرى، فإنها تنطوي على وقت لم يُدرك بعد، بأحلامه وآماله وتطلعاته.

أ-الهدف الكبير والجريء والطموح على مستوى الرؤية (BHAGs)

تبيّن لنا في بحثنا الذي أجريناه أن الشركات ذات الاستراتيجيات المتبصرة تستخدم غالباً بيان رسالة جريء – أو ما نفضّل أن نطلق عليه اسم “الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة” (Big, Hairy, Audacious Goals) التي تُعرف اختصاراً بـ(BHAGs) – باعتبارها وسيلة قوية لتحفيز التقدم. وعلى الرغم من أن جميع الشركات بالضرورة تمتلك أهدافاً، ولكن هناك فرْقاً بين امتلاك هدف فحسب، وبين أن تكون ملتزماً حيال تحدٍّ ضخم وبالغ الصعوبة، مثل تسلّق جبل إيفرست، على سبيل المثال. فالهدف الكبير والجريء والطموح الحقيقي يتميز بالوضوح والإقناع، وهو يعمل بمثابة نقطة محورية موحدة للجهود، ويقوم بدور المحفز لروح الفريق. كما أنّ لديه خطاً واضحاً للنهاية، بحيث يمكن للمؤسسة معرفة متى تحقق الهدف، إذ إن الأشخاص يحبون الانطلاق حتى خطوط النهاية. وينطوي الهدف الكبير والجريء والطموح على مشاركة الأشخاص، فهو يخاطبهم ويجتذبهم. كما أنه ملموس ومحفز وعالي التركيز، ويفهمه الأشخاص على وجه السرعة، إذ إنه لا يتطلب سوى القليل من الشرح، وأحياناً قد لا يتطلب أي شرح. على سبيل المثال، لم تكن بعثة وكالة “ناسا” التي اتجهت إلى القمر في الستينيات من القرن الماضي بحاجة إلى لجنة من الأشخاص البارعين في استخدام الكلمات لقضاء ساعات طوال يحولون الهدف إلى بيان رسالة مطوّل يستحيل تذكّره. الأمر كله يتعلق بوضوح الهدف، فإذ كان من السهل فهم الهدف نفسه، فهو مقنع بحد ذاته بحيث يمكن أن يقال بـ100 طريقة مختلفة ولا يزال بوسع الجميع فهمه. ولا تفعل معظم بيانات الشركات التي اطلعنا عليها سوى القليل لتحفيز المضيّ قُدماً، لأنها لا تحتوي على آلية فعالة للهدف الكبير والجريء والطموح.

وعلى الرغم من أنه من الممكن أن يكون لدى المؤسسات العديد من الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة على مستويات مختلفة تعمل في الوقت نفسه، ولكن تتطلب الرؤية نوعاً خاصاً من الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة، وهو هدف كبير وجريء وطموح على مستوى الرؤية يسري على المؤسسة بأكملها، ويتطلب إنجازه مدة تتراوح بين 10 إلى 30 عاماً من الجهد المبذول. ويتطلب وضع هذا النوع من الأهداف التفكير بما يتجاوز الإمكانيات الحالية للمؤسسة والبيئة الحالية التي تعمل فيها. وفي الواقع، يفرض ابتكار مثل هذا الهدف أن يكون الفريق التنفيذي بعيد النظر، وليس ذا رؤية استراتيجية أو تكتيكية فحسب. ولا يتطلب الأمر أن يكون الرهان على تحقيق الهدف الكبير والجريء والطموح مؤكداً – فربما تراوح احتمالية النجاح في تحقيقه ما بين 50% إلى 70% فقط – ولكن يجب على المؤسسة أن تؤمن أنه يمكنها تحقيق الهدف على أي حال. ويتطلب تحقيق هذا الهدف جهداً غير عادي، وربما بعض الحظ. وقد ساعدنا بدورنا شركات على وضع هدف كبير وجريء وطموح على مستوى الرؤية من خلال تقديم المشورة لها للتفكير من منطلق أربع فئات واسعة هي: الهدف الكبير والجريء والطموح “المنشود”، و”الطموح التنافسي” لهذا الهدف، والهدف “القدوة”، والهدف المتعلق بالتغيير الداخلي. (راجع الفقرة الجانبية “الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة تساعد في بلوغ الرؤية طويلة الأمد”).

[su_expand more_text=”المزيد” less_text=”أقل ” height=”290″ link_color=”المزيد” link_align=”right”]

الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة تساعد في بلوغ الرؤية طويلة الأمد

يمكن أن تكون الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة المنشودة كمية أو نوعية، مثل الأهداف التالية:

  • أن نصبح شركة تبلغ قيمتها 125 مليار دولار بحلول عام 2000 (شركة “وول مارت”، 1990).
  • إضفاء الطابع الديمقراطي على اقتناء السيارات (شركة “فورد” للسيارات، أوائل القرن العشرين).
  • أن نكون الشركة الأكثر شهرة في تغيير سمعة المنتجات اليابانية ذات الجودة الرديئة (شركة “سوني”، أوائل الخمسينيات من القرن الماضي).
  • كن أقوى المؤسسات المالية العالمية وأوسعها وأكثرها فائدة على الإطلاق (مؤسسة “سيتي بانك” وهو الاسم السابق لبنك “سيتي كورب”، عام 1915).
  • أن نكون الشركة المهيمنة في الطائرات التجارية، وإدخال العالم إلى عصر الطيران النفاث (شركة “بوينغ”، في الخمسينيات من القرن الماضي).

الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة المرتبطة بخصم واحد تنطوي على التفكير في التغلب على منافس أشد قوة

  • إزاحة شركة “آر جي رينولدز” عن مكانتها باعتبارها شركة التبغ الأولى في العالم (شركة “فيليب موريس”، في الخمسينيات من القرن الماضي).
  • سحق شركة “أديداس” (شركة “نايكي”، في الستينيات من القرن الماضي).
  • سوف ندمر شركة “ياماها”! (شركة “هوندا”، في السبعينيات من القرن الماضي).

الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة المتعلقة بقدوة تتناسب مع المؤسسات المبتدئة

  • أن نصبح الشركة الأولى في قطاع منتجات الدراجات على غرار شركة “نايكي” في المنتجات الرياضية (شركة “جيرو سبورت ديزاين”، عام 1986).
  • أن نكتسب، في غضون 20 عاما،ً المكانة التي تحظى بها شركة “هيوليت-باكارد” اليوم (شركة “واتكنز جونسون، عام 1996).
  • أن نصبح “هارفارد” الغرب (جامعة ستانفورد، عام 1940).

الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة المرتبطة بالتحول الداخلي تناسب المؤسسات الكبيرة والراسخة

  • أن نصبح الشركة الأولى أو الثانية في كل سوق نخدمها ونُحدث تغيير جذري في هذه الشركة لاكتساب نقاط القوة التي تميز الشركات الكبيرة مقرونة برشاقة الشركة الصغيرة (شركة “جنرال إلكتريك”، في الثمانينيات من القرن الماضي).
  • تحويل هذه الشركة من شركة متعاقدة مع وزارة الدفاع إلى أفضل شركة تكنولوجية متنوعة في العالم (شركة “روكويل أوتوميشن”، عام 1995).
  • تحويل هذا القسم من مورد منتجات داخلي ذي مكانة متواضعة إلى واحد من أكثر الأقسام احتراما وإثارة ورواجاً في الشركة (قسم دعم المكونات بإحدى شركات منتجات الكمبيوتر، عام 1989).
[/su_expand]

ب-الوصف الواضح

والآن بعدما وضعت الأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة على مستوى الرؤية، يتطلب المستقبل المتوخى، ما نسميه بـ”الوصف الواضح”، وهو عبارة عن وصف حيوي ومحدد ومعزز للمشاركة، لما سيتطلبه تحقيق الهدف الكبير والجريء والطموح. يمكنك تشبيه الأمر بأنه ترجمة للرؤية من الكلمات إلى صور، أو أنه إنشاء صورة يمكن للأشخاص حمْلها في رؤوسهم. فالأمر يتعلق برسم صورة بكلماتك. ويُعد رسم هذه الصورة ضرورياً لجعل الهدف الكبير والجريء والطموح الذي تتراوح مدته من 10 إلى 30 عاماً أمراً ملموساً في أذهان الأشخاص.

على سبيل المثال، أوجد هنري فورد (Henry Fordهدف “إضفاء الطابع الديمقراطي على اقتناء السيارات” عبر هذا الوصف الواضح، حيث قال: “سأصنع سيارات من أجل الجماهير… وستكون زهيدة الثمن بحيث يتمكن كل شخص يتقاضى راتباً ملائماً من اقتناء واحدة والتمتّع مع أسرته بنعمة ساعات من السعادة في أماكن الله الواسعة المفتوحة… وعندما أنتهي من العمل عليها، سيكون بوسع الجميع دفع ثمن شراء سيارة، وسيشتري كل شخص واحدة. وسيختفي الحصان من على طرقنا السريعة، وسيُنظر إلى السيارة باعتبارها من المُسلمات… وسنوفر عدداً كبيراً من الوظائف للأشخاص بأجور مُجزية”.

وبالمثل، حُظي قسم تقديم الدعم للمكونات في إحدى الشركات التي تعمل في تصنيع منتجات الحواسيب بمدير عام كان قادراً على أن يصف هدفه بأن يصبح القسم أحد أكثر أقسام الشركة رواجاً بشكل واضح، حيث وصفه كالتالي: “سنحظى بالاحترام والتقدير من جانب زملائنا… وستسعى الأقسام التي تصنع المنتج النهائي بقوة وراء الحلول التي نقدمها، وستحقق هذه الأقسام نجاحات كبيرة فيما يتعلق ببيع منتجات الشركة في السوق، بدرجة كبيرة بسبب المساهمات التقنية التي نوفرها… وسنكون فخورون بأنفسنا… وسيسعى أفضل الأشخاص الجدد المنضمين إلى الشركة للعمل في قسمنا… وفي الوقت الذي يقدم فيه الأفراد الآخرون تعليقات غير مرغوب فيها بأنهم يحبون ما يفعلونه… سيواصل أفراد قسمنا العمل بتركيز عالٍ… وسيعملون بجِد عن طيب خاطر لأنهم يريدون ذلك… وسيشعر كلٌّ من الموظفين والعملاء أن قسمنا ساهم في حياتهم بطريقة إيجابية”.

يجب أن تترجم الرؤية من الكلمات إلى صورة عبر وصف واضح لما سيتطلبه تحقيق هدفك

وفي الثلاثينيات من القرن الماضي، كان لدى شركة “ميرك” هدف كبير وجريء وطموح يتمثل في تحويل نفسها من شركة تصنيع مواد كيميائية إلى إحدى أبرز شركات صناعة الأدوية في العالم، مع امتلاكها في الوقت ذاته قدرات في مجال البحث تمكّنها من منافسة أي جامعة كبرى. وقال جورج ميرك، في وصفه لهذا المستقبل المتوخى، خلال افتتاح مركز الأبحاث التابع لشركة “ميرك” في عام 1933: “نحن نعتقد أن العمل البحثي المستمر بصبر ومثابرة سيضخ في الصناعة والتجارة دماءً جديدة. ولدينا الثقة بأنه في هذا المختبر الجديد، وفي وجود الوسائل التي وفرناها، ستتطور العلوم وتزداد المعرفة وتكتسب حياة الإنسان تحرراً متزايداً باستمرار من المعاناة والمرض… ونتعهد بتقديم كل المساعدة الممكنة لكي يكون هذا المشروع جديراً بالثقة التي أوليناها له. فليتألق نور أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة، وأولئك الذين يكدحون ليكون هذا العالم مكاناً أفضل للعيش فيه، وأولئك الذين يحملون شعلة العلم والمعرفة عالياً خلال هذه العصور الاجتماعية والاقتصادية المظلمة، وليتحلّوا بالشجاعة من جديد ويشعروا أن أعمال أيديهم تُحظى بالدعم”.

وتُعد كل من العواطف والمشاعر والقناعة أجزاءً أساسية من الوصف الواضح. وفي حين يشعر بعض المدراء بعدم الراحة في إبداء المشاعر تجاه أهدافهم وأحلامهم، إلا أنّ هذا ما يحفز الآخرين. وقد فهم وينستون تشرشل (Winston Churchill)، ذلك عندما وصف الهدف الكبير والجريء والطموح الذي يواجه بريطانيا العظمى في عام 1940. إذ أنه لم يقل “لنهزم هتلر”، بل قال: “يعلم هتلر أنه سيتعيّن عليه تحطيمنا على هذه الجزيرة أو خسارة الحرب. وإنْ استطعنا الصمود أمامه، فربما تتحرر أوروبا بأسْرها، وربما تمضي الحياة في العالم قُدماً نحو التطور والازدهار. ولكن إنْ فشلنا في الصمود أمامه، فسيغرق العالم بأسره، بما في ذلك الولايات المتحدة، وبما في ذلك كل ما عرفناه وما اهتممنا لأمره، في هاوية عصر جديد من عصور الظلام، عصر سيكون أكثر شراً وربما يطول أمده بسبب استحداث العلوم المنحرفة. لذا، دعونا نُعِد أنفسنا للقيام بواجباتنا ولنتجلّد بحيث أنه في حال استمرت الإمبراطورية البريطانية ورابطة دول الكمنولث لمدة ألف عام، سيظل الناس يقولون: “كانت هذه أكثر أوقات تاريخهم مجداً”.

بضع نقاط أساسية

ولكن احذر هنا من أن تخلط بين الأيديولوجية الأساسية والمستقبل المتوخى. وعلى وجه الخصوص، لا تخلط بين الغرض الأساسي والأهداف الكبيرة والجريئة والطموحة. إذ غالباً ما يستبدل المدراء أحدهما بالآخر، سواء بالمزج بين الاثنين معاً أو بالفشل في التعبير عن كليهما باعتبارهما عنصرين مختلفين. فالغرض الأساسي – وهو ليس مجرد هدف محدد – هو السبب والمبرر لوجود المؤسسة. بينما الهدف الكبير والجريء والطموح هو هدف مبيّن بشكل واضح. وفي حين لا يمكن بلوغ الغرض الأساسي يوماً كما أوضحنا سابقاً، يمكن تحقيق الهدف الكبير والجريء والطموح خلال مدة تتراوح بين 10 إلى 30 عاماً. فكّر في الغرض الأساسي باعتباره نجماً في الأفق تلاحقه أبد الدهر، بينما الهدف الكبير والجريء والطموح هو جبل يتعيّن عليك تسلقه. فما أنْ تبلغ قمته، ستنتقل إلى جبال أخرى.

وبينما يُعد تحديد الأيديولوجية الأساسية عملية اكتشاف، يمثل تحديد المستقبل المتوخى عملية إبداعية. ونجد أن المدراء التنفيذيين غالباً ما يواجهون صعوبة كبيرة في تحقيق هدف كبير وجريء وطموح يتسم بالإثارة. إذ إنهم يرغبون في تحليل مسارهم صوب المستقبل. ولذا، تبيّن لنا أن بعض المدراء التنفيذيين يحرزون المزيد من التقدم من خلال البدء أولاً بوصف واضح، وتلقّي دعم من هذا الوصف لتحقيق الهدف الكبير والجريء والطموح.

ويتضمن هذا الأسلوب البدء بأسئلة من قبيل: نحن نقف في هذا المكان بعد 20 عاماً، ما الذي نود أن نراه؟ وما هو الشكل الذي ينبغي أن تبدو عليه هذه الشركة؟ وما الذي ينبغي أن يشعر به الموظفون حيال ذلك؟ وما الذي كان ينبغي تحقيقه؟ ولو كتب أحد الأشخاص مقالاً في مجلة كبرى في مجال الأعمال عن هذه الشركة بعد 20 عاماً، ما الذي سيكتبه؟

وقد واجهت إحدى شركات التقنية الحيوية التي تعاملنا معها صعوبة في تصوّر مستقبلها. حيث قال أحد أعضاء الفريق التنفيذي للشركة: “في كل مرة نتوصل إلى رؤية للشركة بأكملها، تكون عامة للغاية، غير قادرة على استثارة الحماس، أي تكون أمراً عادياً مثل “تطوير التقنية الحيوية في جميع أنحاء العالم”. وذكر المدراء التنفيذيون للشركة، عندما طُلب منهم رسْم صورة للشكل الذي يرون عليه الشركة بعد 20 عاماً، أشياء من قبيل: “أن تتبوأ الشركة غلاف مجلة “بزنس ويك” باعتبارها قصة نجاح نموذجية، وأن تدخل الشركة قائمة مجلة “فورتشن” لأكثر عشر شركات مدعاة للإعجاب، وأن يكون طموح أفضل خريجي العلوم وإدارة الأعمال هو العمل في هذه الشركة، وأن يتحدث الأشخاص إلى رفقائهم الجالسين بجوارهم على متن الطائرة بحماس عن أحد منتجاتنا، وأن نحقق 20 عاماً متتالية من النمو المربح، وأن تسود الشركة ثقافة ريادة الأعمال التي تُسفر عن تأسيس ستة أقسام جديدة داخلها، وأن يستخدم معلمو الإدارة الشركة باعتبارها مثالاً على الإدارة المتميزة والتفكير التقدمي… وهلمّ جرّا. ومن هذا المنطلق، تمكنوا بالفعل من تحديد الهدف المتمثل في أن يحظوا بالاحترام مثل شركة “ميرك” أو أن يصبحوا مثل شركة “جونسون آند جونسون” في التقنية الحيوية.

ما تحتاجه هو التزام كبير للغاية بحيث يبلع الأشخاص ريقهم بصوت مسموع عندما يدركون ما سيتطلبه تحقيق الهدف

وليس من المنطقي تحليل ما إذا كان المستقبل المتوخى هو المستقبل الصحيح. إذ إنه لا مجال لوجود إجابة صحيحة عند إنشاء هذا المستقبل، فالمهمة هي إنشاء مستقبل وليس التنبؤ به. حيث لا يمكننا الإجابة عن أسئلة من قبيل: هل ألّفَ بيتهوفن السمفونية التاسعة الصحيحة؟ وهل كتب وليام شكسبير مسرحية هاملت الصحيحة؟ فهذه الأسئلة بلا معنى. وإنما يتضمن المستقبل المتوخى أسئلة أساسية مثل: هل يجعل هذا المستقبل إبداعاتنا تتدفق؟ وهل نجده محفزاً لنا؟ وهل يحفز المضيّ قدُماً؟ وهل يدفعنا إلى الاستمرار في التحرك؟ ووسط ذلك كله، ينبغي أن يكون المستقبل المتوخى مثيراً للحماس بحد ذاته، بحيث يستمر في تحفيز العاملين في المؤسسة حتى في حال رحيل القادة الذين وضعوا الهدف. إذ كان “سيتي بانك” (City Bank)، وهو المصرف السابق لبنك “سيتي كورب” (Citicorp)، يمتلك هدفاً كبيراً وجريئاً وطموحاً يتمثل في: “أن يصبح البنك أقوى مؤسسة مالية في العالم، وأكثرها صلاحية للخدمة، وأوسعها انتشاراً في أي عصر”، وهو الهدف الذي أثار الحماس عبر أجيال متعددة حتى تمّ تحقيقه. وبالمثل، استمرت بعثة وكالة ناسا المتجهة إلى القمر في تحفيز الأشخاص على الرغم من وفاة الرئيس جون كينيدي قبل سنوات من إنجاز الهدف، وهو القائد الذي ارتبط اسمه بوضع هذا الهدف.

ويتطلب إنشاء مستقبل متوخى فعال مستوى معيناً من الثقة والالتزام المفرطين. وضَع في اعتبارك أنّنا لا نتحدث هنا عن أي هدف، بل هو هدف كبير وجريء وطموح. إذ إنه ليس من المعقول أن يحدد بنك إقليمي صغير هدفاً يتمثل في أن يصبح البنك “أقوى مؤسسة مالية في العالم وأكثرها صلاحية للخدمة وأوسعها انتشاراً في أي عصر”، كما فعل “سيتي بانك” في عام 1915. ولم يكن “إضفاء الطابع الديمقراطي على اقتناء السيارات”، كما قال هنري فورد، ادعاءً باهتاً. كما كان الأمر بالكاد مثيراً للسخرية بالنسبة إلى شركة “فيليب موريس” (Philip Morris) أن تأخذ على عاتقها هدف التغلب على عملاق المجال شركة “آر جي رينولدز” (RJ Reynolds Tobacco Company) لتتبوأ مكانها في المرتبة الأولى على السوق، وهي التي كانت تحتل المرتبة السادسة في خمسينيات القرن الماضي. وكذلك كان من الصعب على شركة “سوني”، باعتبارها مؤسسة صغيرة تعاني من ضائقة مالية، الإعلان عن هدف يتمثل في تغيير السمعة السيئة للمنتجات اليابانية حول العالم (راجع الفقرة الجانبية: “الجمع بين المبادئ الستة: شركة سوني في خمسينيات القرن الماضي”). وما يهُم، بالطبع، ليس هو جرأة الهدف فحسب، بل الالتزام تجاه ذلك الهدف أيضاً. فشركة “بوينغ” لم تتصور فحسب مستقبلاً تهيمن فيه طائراتها التجارية، بل راهنت على طائراتها من طراز 707، وفي وقت لاحق على طائراتها من طراز 747. وفي شركة “نايكي”، لم يتحدث الأشخاص هناك عن فكرة سحق شركة “أديداس” فحسب، بل انطلقوا في حملة لتحقيق هذا الحلم. وفي الواقع، ينبغي أن يُسفر المستقبل المتوخى عن القليل من”عامل بلْع الريق”، إذ إنه عندما يتضح للأشخاص مقدار ما سيتطلبه تحقيق هذا الهدف، ينبغي أن يبتلعوا ريقهم بصوت مسموع تقريباً.

[su_expand more_text=”المزيد” less_text=”أقل ” height=”290″ link_color=”المزيد” link_align=”right”]

الجمع بين المبادئ الستة: شركة “سوني” في خمسينيات القرن الماضي

  1. الأيديولوجية الأساسية
  2. القيم الجوهرية
  • الارتقاء بالثقافة اليابانية ووضع البلاد.
  • الريادة وعدم اتباع خطى الآخرين، وفعل المستحيل.
  • تشجيع القدرة والإبداع الفرديين.
  1. الغرض. الشعور بمتعة الابتكار وتطبيق التكنولوجيا لمنفعة عامة الناس.
  2. المستقبل المتوخى
  3. الهدف الكبير والجريء والخطير. أن نصبح الشركة الأكثر شهرة لتغيير سمعة المنتجات اليابانية ذات الجودة الرديئة في شتى أنحاء العالم.
  4. الوصف الواضح. سنقوم بصنع منتجات أصبحت تنتشر في كافة أنحاء العالم… وسنكون أول شركة يابانية تقتحم السوق الأميركية وتوزع منتجاتها فيها مباشرة… وسننجح في الابتكارات التي فشلت فيها الشركات الأميركية – مثل المذياع… وسيكون اسم علامتنا التجارية، بعد خمسين عاماً من الآن، معروفاً تماماً مثل أي علامة تجارية عالمية… وسيرمز إلى الابتكار والجودة التي تنافس الشركات الأكثر ابتكاراً في أي مكان حول العالم… وستعني عبارة “صُنع في اليابان” منتجاً جيداً، وليس منتجاً رديئاً.
[/su_expand]

هذه الشركات حققت أهدافها، ولكن ماذا عن الفشل في بلوغ المستقبل المتوخى؟ إذ تبيّن لنا في بحثنا الذي أجريناه أن الشركات ذات الاستراتيجية المتبصرة أظهرت قدرة رائعة على تحقيق حتى أهدافها الأكثر جرأة.

إذ نجحت شركة “فورد” في إضفاء الطابع الديمقراطي على اقتناء السيارات، وأصبح بنك “سيتي كورب” أكثر البنوك انتشاراً في العالم. وارتقت شركة “فيليب موريس” من المركز السادس إلى الأول، وتغلبت على شركة “آر جي رينولدز” في جميع أنحاء العالم، وغدَتْ “بوينغ” هي الشركة المهيمنة في مجال الطائرات التجارية، ويبدو أن شركة “وول مارت” ستحقق هدفها المتمثل في أن تبلغ قيمة الشركة 125 مليار دولار، حتى دون وجود مؤسسها سام والتون (Sam Walton). وفي المقابل، لم تحقق الشركات المقارَنة في بحثنا، في كثير من الأحيان، أهدافها الكبيرة والجريئة والطموحة، إنْ كانت قد وضعت أهدافاً من هذا النوع من الأساس.

ولا يكمن الفرْق في وضْع أهداف أسهل، حيث تميل الشركات ذات الاستراتيجية المتبصرة إلى تحقيق طموحات أكثر جرأة. كما لا يكمن الفرْق في وجود القادة ذوي الكاريزما والرؤية بعيدة النظر، إذ غالباً ما تحقق الشركات ذات الاستراتيجية المتبصرة أهدافها الكبيرة والجريئة والطموحة دون تولّي مثل هؤلاء القادة الخارقين قيادتها. كما لا يكمن الفرق أيضاً في امتلاك استراتيجية أفضل، إذ غالباً ما حققت الشركات ذات الاستراتيجية المتبصرة أهدافها من خلال عملية متكاملة تتمثل في تجريب الكثير من الأمور والإبقاء على ما ينجح منها، أكثر مما حققت هذه الأهداف من خلال الخطط الاستراتيجية الموضوعة بإحكام. وبالأحرى، يكمن نجاح هذه الشركات في بناء قدراتها كمؤسسة باعتبار ذلك سبيلاً رئيساً لإنشاء المستقبل.

والإجابة عن سؤال: لماذا أصبحت “ميرك” شركة صناعة الأدوية الأبرز في العالم؟ هي: لأنّ مهندسي الشركة أسسوا أفضل مؤسسة للبحث والتطوير الدوائي في العالم. ولماذا أصبحت بوينغ هي الشركة المهيمنة في مجال الطائرات التجارية في العالم؟ بسبب تنظيمها الهندسي والتسويقي المميز، الذي كان له القدرة على جعل مشاريع مثل الطائرات من طراز 747 حقيقة واقعة. وعندما طُلِب من ديفيد باكارد تحديد أهم القرارات التي ساهمت في نمو شركة “هيوليت-باكارد” وفي نجاحها، كانت إجابته متعلقة بشكل كامل بالقرارات المرتبطة ببناء قدرات المؤسسة والأفراد العاملين فيها.

تتمثل الديناميات الأساسية للشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر في الاحتفاظ بجوهرها وحفز التقدم. إذ إن الرؤية هي التي تحدد السياق.

وأخيراً، عند التفكير في المستقبل المتوخى، احذر من متلازمة “إننا نجحنا”، والمتمثلة في عدم المبالاة بسبب الرضا عن الذات الذي ينشأ بمجرد أن تحقق مؤسسة هدفها الكبير والجريء والطموح وتفشل في إحلال هدف آخر مكانه. حيث عانت وكالة “ناسا” من هذه المتلازمة بعد هبوط بعثتها على القمر بنجاح. فما هو الإنجاز الكبير التالي بعد هبوطك على سطح القمر؟ كما عانت شركة “فورد” من هذه المتلازمة، إذ إنها بعد أن نجحت في إضفاء الطابع الديمقراطي على اقتناء السيارات، فشلت في وضع هدف جديد يحظى بالأهمية نفسها ومنحت بذلك “جنرال موتورز” الفرصة لتأخذ مكانها في ثلاثينيات القرن الماضي. وبالمثل، عانت شركة “آبل” كمبيوتر (Apple Computer) أيضاً من هذه المتلازمة بعد تحقيقها الهدف المتمثل في إنتاج جهاز حاسوب يمكن أن يستخدمه الأشخاص غير الملمّين بالتقنية. وتعاني الشركات الناشئة في كثير من الأحيان من متلازمة “إننا نجحنا” بعد طرح أسهمها للاكتتاب العام أو بعد بلوغها مرحلة يصبح فيها بقاؤها ليس موضع شك. ويساعد المستقبل المتوخى المؤسسة فقط ما دام أنه لم يتحقق بعد. إذ كثيراً ما نسمع المدراء التنفيذيين، في الشركات التي نعمل معها، يقولون: “لم يعد العمل مثيراً للحماسة في الشركة كما كان في السابق. يبدو أننا فقدنا زخمنا”. ويشير هذا النوع من التصريحات، عادة، إلى أن المؤسسة قد تسلقت جبلاً ولم تحدد بعد جبلاً جديداً لتسلقه.

ويصوغ العديد من المدراء التنفيذيين بيانات الرسالة وبيانات الرؤية خبط عشواء. وينتهي الأمر بمعظم هذه البيانات، لسوء الحظ، إلى أن تصبح مجموعة من القيم والأهداف والأغراض والفلسفات والمعتقدات والتطلعات والأعراف والاستراتيجيات والعمليات والأوصاف. وعادة ما تكون هذه البيانات بمثابة سيل من الكلمات المختلة هيكلياً والمملة والمشوّشة التي تستدعي الرد عليها برد من قبيل: “هذه الكلمات صحيحة، ولكن مَن يأبه بها؟”. والأمر الأكثر تعقيداً أنه نادراً ما يكون لبيانات الرؤية والرسالة هذه صلة مباشرة بالديناميكية الأساسية للشركات ذات الاستراتيجية بعيدة النظر المتمثلة في الحفاظ على جوهرها وتحفيز التقدم. إذ إن هذه الديناميكية هي المحرك الأساسي للشركات المستديمة، وليس بيانات الرؤية أو الرسالة. حيث توفر الرؤية، ببساطة، السياق لتحويل هذه الديناميكية إلى واقع. ويتطلب بناء شركة ذات استراتيجية متبصرة 1% رؤية و99% مواءمة. فعندما تكون لديك مواءمة مميزة، يمكن لشخص يزور الشركة من الخارج الاستدلال على رؤيتك من عمليات الشركة وأنشطتها دون قراءة هذه الرؤية على الورق أو أي مقابلة مسؤول تنفيذي.

وربما يكون خلق المواءمة هو عملك الأكثر أهمية. بيد أن الخطوة الأولى دائماً ما ستكون هي إعادة صياغة رؤيتك أو رسالتك في سياق فعال لبناء شركة ذات استراتيجية متبصرة. فإذا أديت العمل على وجه صحيح لن يتعين عليك فعله مرة أخرى لمدة عشر سنوات على الأقل.

اقرأ أيضاً: القوى التنافسية الخمسة لمايكل بورتر

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!