ليس هناك ما يضمن أن تؤول مواهب الأفراد إلى أداء أعلى بغض النظر عن مدى موهبتهم. لقد أوضح علم الإمكانات البشرية بشكل عام أنه لا يمكن فهم الكفاءة الشاملة للفرد تماماً إلا إذا أخذنا في الاعتبار أيضاً تكوينه العاطفي وتفضيلاته وتصرفاته. هناك فرق عموماً بين ما تستطيع فعله وما تفعله عادة، بغض النظر عن مدى ذكائك ومعرفتك وخبرتك. ويُعتبر هذا أحد أسباب فشل جهود تحديد المواهب، حيث ينسى أرباب العمل أن النتيجة الحاسمة التي ينبغي عليهم التنبؤ بها هي ما قد يفعله الأفراد بمجرد حصولهم على الوظيفة وخاصة أدائهم النموذجي، ويلجؤون بدلاً من ذلك إلى التركيز على إمكانات المرشحين التي قد تُسفر عن أفضل أداء إذا تولّد لديهم الدافع لبذل قصارى جهدهم. فمن المحتمل وجود فرق بين ما تراه في المرشحين عند تقدّمهم للحصول على الوظيفة وما تراه منهم بعد خمس سنوات من العمل عند حصولهم على الوظيفة بالفعل، على الرغم من أنّ العلم قد يساعدك على التنبؤ بذلك، تماماً مثل خطأ الافتراض أن ما تراه في شخص ما في الموعد الأول هو ما ستظل تراه عند زواجك به بعد خمس سنوات. إذا كنت تعتقد أنك تعاني من نقص الأداء في العمل، فمن المحتمل أن تكون على صواب، حيث يبذل قلة من الأفراد فقط قصارى جهدهم ويمتلكون الحافز القوي خلال أوقات مستدامة ومستمرة من فترة خدمتهم. وقد كتب زميلي مارك إيفرون كتاباً رائعاً حول هذا الموضوع. في الواقع، قد تكون مخطئاً حتى مع اعتقادك أنك تؤدي أفضل ما لديك ضمن نطاق إمكاناتك، إذ إنّ هناك تداخلاً عموماً بين تصور الأفراد عن مواهبهم وأدائهم الفعلي. وغالباً ما يقيّم الموظفون الأعلى في الواقع أدائهم الخاص بصورة أكثر نقدية وقسوة، في حين يعتقد الموظفون ذوي الأداء الضعيف أنهم يقدّمون مساهمة رائعة للشركة. لذلك، يعدّ الوعي الذاتي عنصراً حاسماً في المواهب. في الحقيقة، لا يُكلّف معظم الأفراد أنفسهم عناء أن يبذلوا قصارى جهدهم بعد مضي أكثر من ستة أشهر في العمل، وهو إطار زمني معروف باسم فترة شهر العسل. وعلى الرغم من وجود العديد من الأسباب لذلك، إلا أن هناك أربعة أسباب شائعة لضعف الأداء وكيفية معالجتها:

  • عدم الملائمة: الموهبة أساساً هي شخصية في المكان المناسب، وهذا ما يفسر نجاح معظم الأفراد في بعض الوظائف والثقافات والسياقات مقارنة بالأفراد الآخرين. يُطلق علماء النفس التنظيمي على ذلك "الملائمة بين الموظف والوظيفة"، ويتم قياسها من خلال تحديد درجة الملاءمة بين سلوك الفرد وقيمه وقدراته وتصرفاته من ناحية، وخصائص الوظيفة والدور والمؤسسة من ناحية أخرى. وتكمن المشكلة في فشل المؤسسات في كثير من الأحيان في تقييم الدور، لاسيما ثقافاتها، حتى عند تقييمها المرشح بشكل صحيح. وهو ما يُفسر اعتبار العديد من المؤسسات أنفسها أكثر شمولاً وتنوعاً وإبداعاً وإيجابية مما هي عليه بالفعل، إلا أنه مجرد ثمن وليس تقييماً ذاتياً دقيقاً. ومن الواضح أن لهذا تأثير على تصورات المرشحين للدور والمؤسسة، حيث قد يستغرق الأمر منهم بعض الوقت فقط لاختبار الثقافة بشكل حقيقي وفهم ما يستلزمه الدور وما يتطلّبه منهم حقاً. ما الذي يمكنك فعله حيال ذلك؟ البديل الوحيد هو أن تقوم بأداء واجبك وأن تدرس المؤسسة التي توشك على الانضمام إليها بعناية، مع التأكد من فهمك للوظيفة المعنية جيداً لتجنب أي مفاجئات. لحسن الحظ، يمكن لعدد متزايد من القادة مساعدتك على الاستفادة من حكمة الجماهير في مواقع مثل غلاسدور، الذي يتّبع منهج موقع "تريب أدفايزور" في أماكن العمل، لكن من الواضح أنه ليس مثالياً تماماً. وما يساعدك على التنبؤ بالملائمة أيضاً هو طرح الأسئلة التفصيلية أثناء مقابلاتك، والتحدث إلى الموظفين، وتحديد القواسم المشتركة مع أصحاب المناصب عالية الأداء في نفس الدور أو دور مماثل. وفي المقابل، قد لا تتطلّب مساهمتك الرئيسية في المؤسسة أو الدور في بعض الحالات أن تكون ملائماً تماماً، وهذه إحدى فوائد التنوع المعرفي. ومع ذلك، من الأسلم افتراض قيامك بالتكيف والأداء بشكل جيد عندما ترى أوجه تشابه بين ملفك الشخصي وملف الموظفين ذوي الأداء العالي، في الواقع، هذه هي الطريقة المتبعة لمعايرة أدوات التقييم القائمة على العلم لزيادة الدقة التنبؤية، أي من خلال المقارنات مع أصحاب المناصب عالية الأداء.
  • فك الارتباط: يُعتبر فك الارتباط من الآثار الجانبية الشائعة لضعف الملائمة، على الرغم من أن هناك أسباباً أخرى أيضاً وراء انعدام الحماس والدافع السائد في أماكن العمل النموذجية. في الواقع، تُعدّ القيادة الرديئة إحدى أكثر الدوافع شيوعاً لفك الارتباط. وكما أوضحت في كتابي الأخير "لماذا يصبح الرجال عديمو الكفاءة قادة؟" (Why Do So Many Incompetent Men Become Leaders)  الذي يُفسر سوء الأداء الإداري، وخاصة تنوع الذكور، السبب وراء ضعف أداء الكثير من الأفراد في العمل، فضلاً عن بيان سبب تخلّي الموظفين الموهوبين والنجوم عن وظائفهم، وحتى عن التوظيف التقليدي تماماً. وحل هذا ليس بسيطاً. لا يمكنك أن تقرر بشكل مفاجئ استبدال مديرك بقائد أفضل يلهمك ويوجهك ويقدم لك ملاحظات موضوعية وبنّاءة حول أدائك، ويثير حماسك حيال العمل عندما تستيقظ كل صباح. لاحظ أنه حتى لو كان مديرك قادراً على فعل كل هذه الأشياء، إلا أنه قد لا يشارك بذلك بنفسه، ربما لأنه يعمل لصالح قائد غير كفؤ أو شخص غير مشارك أيضاً. وحتى إن لم تكن قادراً على التخلي عن مديرك، هناك بعض الوسائل المؤكدة التي قد تحسن من مشاركتك وبالتالي أدائك. مثلاً، يساعد إيجاد الوقت لتكون فضولياً وتتعلم في جعل عملك أكثر وضوحاً. كما أن التواصل مع زملائك وتعزيز الجانب الشخصي للعمل أيضاً محفز للغاية. أخيراً، إعلام رئيسك بصعوبة مشاركتك قد يساعد أيضاً، لأنه قد لا يكون مدركاً لذلك وعلى استعداد لمساعدتك، خاصة إذا قدّر مواهبك.
  • السياسة التنظيمية: على الرغم من تميّز أماكن العمل الحديثة بأنها أكثر عدلاً عموماً وأكثر اعتماداً على البيانات في ممارسات إدارة المواهب أكثر من أي وقت مضى، لا يزال هناك الكثير من التقدم الذي ينبغي إحرازه. يبتهج قادة الأعمال بفكرة كون شركاتهم مغناطيسات مواهب جديرة، ولكن حتى إذا كان قادة الأعمال قادرين على اجتذاب أفضل الموظفين ذوي الأداء المتميز إلى شركاتهم، لا يزال يتحتم على هؤلاء النجوم تعلم كيفية تجاوز الجانب المسموم والمحسوب من أي ثقافة، بما في ذلك قدراً أساسياً من السياسة التنظيمية. وما يُثير الدهشة هو تركيز الكثير من التدريب المهني والتنفيذي على تحسين مهارات الأفراد السياسية والشخصية، وقد وُجد أن الدهاء السياسي للأفراد يعزّز من نجاحهم الوظيفي بغض النظر عن مواهبهم ومهاراتهم الفنية. بشكل عام، كلما تآكلت ثقافة المؤسسة وأصبحت أكثر تلوثاً، ارتفع عدد الأفراد الطفيليين، تماماً كما تزدهر البكتيريا في البيئات الملوثة. ويمكن رؤية ذلك في أي مؤسسة تلاحظ فيها فجوة واضحة بين النجاح الوظيفي للأفراد وأدائهم الفعلي ومواهبهم. ويمكنك التعامل مع هذا الوضع من خلال إدراكك للسياسة والمشاركة فيها، دون أن تبيع روحك. على أي حال، من السذاجة الاعتقاد أن مواهبك غنية عن البيان. في الواقع، كلما كنت موهوباً، زاد أعداؤك، خاصة في المؤسسات المسمومة والسياسية. وإذا كانت الأمور صعبة التغيير، قد يكون أفضل رهان هو تغيير المؤسسات، أو على الأقل الوحدات. لاحظ أنه على الرغم من كون جميع المؤسسات سياسية، إلا أن لبعضها طابع سياسي أقل من غيرها.
  • الظروف الشخصية: إنّ السبب الأخير واضح وضوح الشمس، ولكن من السهل أن ننسى في عالم اليوم المليء بالمتطلبات على مدار اليوم وطوال أيام الأسبوع، أن للأفراد حياتهم الشخصية والخاصة بغض النظر عن مدى مشاركتهم وموهبتهم. وغالباً ما تتداخل العيوب والمحن الشخصية مع نجاحهم المهني. وهذا هو سبب وجود الكثير من النقاش حول التوازن بين العمل والحياة، حتى اليوم، عندما تآكلت الحدود بين العمل و "الحياة". سيرغب المدراء الأخيار وأرباب العمل الداعمون في فهم ظروفك، ويمكنك أن تكون على ثقة أن لديهم مصلحة راسخة في مساعدتك على التعامل مع ظروفك حتى تتمكن من تقديم ما يتوافق مع مواهبك، وأن تشعر بالامتنان وأن تستمر في التزامك معهم على المدى الطويل.

باختصار، يمكنك دائماً افتراض أن مواهبك ضرورية، ولكنها ليست كافية للتفوق والتأثير في العمل. ما قد يُساعدك في النهاية على أداء أفضل ما لديك هو تحسين وظيفتك بحيث تتناسب مع اهتماماتك ومعتقداتك وأنشطتك الأوسع نطاقاً، وأن تكون متيقظاً للقوى الاجتماعية غير المرئية التي تحكم ديناميكيات المؤسسات.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!