تابعنا على لينكد إن

هارفارد-بزنس-ريفيو-القادة-الملهمينيتمنّى كل قائد تقريباً لو كانت لديه القدرة على إلهام الناس لكي يتغيّروا. ويعود السبب في ذلك إلى أنّ كلّ قائد قد سبق له أن مرّ بتجارب ماضية حدّد فيها أمراً معيّناً يحتاج إلى تغيير، ووضع استراتيجية عظيمة لإحداث ذلك التغيير، لكنّه كابد معاناة كبيرة في دفع الناس إلى التحرّك في الاتجاه الجديد.

لكنّ المشكلة تكمن في أنّ معظم القادة يؤمنون بأنّهم لكي يتمكّنوا من إلهام الأشخاص الآخرين، فإنّهم يجب أن يظهروا كاريزما لا نظير لها تشبه ما كان لدى ستيف جوبز أو مارتن لوثر كينغ أو جون كندي من كاريزما قوية. وهذه الأمثلة عن أشخاص مُلهِمين لا تبدو مفيدة أو قابلة للتقليد بالنسبة للقادة الذين لا يحاولون صنع أول جهاز آيفون، أو إنهاء نظام الفصل العنصري، أو إرسال رائد فضاء إلى سطح القمر. ولكن ماذا لو كنت لا تحاول أكثر من تغيير الطريقة التي يتعامل بها موظفوك مع القروض، أو الأسلوب الذي يديرون به سلسلة التوريد والمشتريات، أو الطريقة التي يتفاعلون بها من الزبائن؟

هناك طريقة أبسط لإلهام الناس كي يتغيّروا. ففي السنوات القليلة الماضية، حاول مجموعة من علماء الاجتماع بقيادة تود ثراش دراسة ظاهرة الإلهام و فك طلاسمها. فإذا ما نظرنا إلى جوهر الإلهام، فإنّه الشيء الذي يحصل عندما يشعر شخص ما بأن لديه الحافز والدافع لبعث الحياة في فكرة جديدة بعد أن يدرك بطريقة عفوية وجود احتمالات جديدة. ولا شكّ في أن طرح الرؤى الجريئة والعظيمة وإلقاء الخطابات الكاريزماتية هي إحدى الطرق التي تحفّز هذا الشعور. ولكن قبل بضع سنوات، كنّا قد عثرنا على طريقة أخرى.

ففي سلسلة من التجارب الميدانية، طرحنا أنا وزملائي في شركة “ديسيجين بالس” على مجموعة من المدراء يعملون لدى أربع شركات مختلفة أن يقدّموا لنا التغييرات التي قرّروا إحداثها استجابة لمبادرة أوسع تهدف إلى التغيير، واشترطنا عليهم عدم ذكر أسمائهم على الاستمارات. ثم طلبنا من المدراء في كل مجموعة مراجعة قائمة القرارات التي اتخذها زملاؤهم والتصويت على القرار الذي ترك أكبر أثر على شركاتهم. وبعد تجربتنا اكتشفنا وجود قاسم مشترك واضح بين القرارات الفائزة. وندعوكم هنا لتروا إذا كان بوسعكم تحديد الفائز في هذه المجموعة من الخيارات التي قدّمها مدراء يعملون في شركة للتأمين الصحي.

القرار (أ): “تعاملت مع قضيّة تخصّ العلاقة التي تجمع بين أحد الموظفين والزبائن من خلال الإشراف المباشر واتّباع منهجية إدارة الأداء عوضاً عن ترك هذا المدير المسؤول عن العلاقات مع الزبائن يتجاهل القضية.”

القرار (ب): “قللت من عدد القيود الأمنية التي كانت موجودة على الصفحة المخصصة للتواصل مع الزبائن على الانترنت لأن وجود تلك القيود كان سيبطئ الصفحة ويعوق دخول الزبائن إليها.”

القرار (ج): “اخترت أن أسوّق الشركة بوصفها الشركة الرائدة في مجال الرعاية الصحية وليس فقط بالنسبة للأعضاء الحاليين، وإنما للجميع.”

كلّ هذه القرارات الثلاثة تعتبر أمثلة عن قرارات إدارية سليمة وهي تعكس تفكيراً منطقياً. لكن القرار (ب) حظي بأكبر عدد من الأصوات من المدراء الآخرين وبشكل ساحق. لا بل أنّ أياً من الزملاء الذي بلغ عددهم 19 مديراً في هذه التجربة لم يصوّت لصالح القرار (أ) أو القرار (ج). فما الذي أضفى هذه الخصوصية والتميّز على القرار (ب)؟

القرار (ب) كان يحتوي على ما اسمّيه أنا “القطعة المفقودة من اللوحة”. فلكي نستوعب العالم من حولنا، فإن أدمغتنا تتعامل مع كلّ وضع نجد أنفسنا فيه بوصفه لوحة مجزّأة إلى قطع صغيرة بحاجة إلى أن يُعاد جمعها على شكل لوحة كاملة. وعندما نجمّع اللوحة الخاصة بـ”طريقة عمل جهاز الميكروويف” أو “ما الذي يفعله مهندس المعلوماتية”، فإنّ أدمغتنا تخزّن تلك اللوحات المجمّعة في ذاكرتنا البعيدة المدى. لكنّ هذه اللوحات تكون هشّة. وعندما يحصل شيء غير متوقّع، كأن يقوم الميكروويف فجأة بتبريد الطعام عوضاً عن تسخينه، أو عندما يقوم مهندس المعلوماتية وعن عمد بإزالة طبقات تشكّل حماية للبيانات لمجرّد تحسين تجربة الزبائن مع الشركة، فإن دماغنا يشعر بأنّ هناك شيئاً ما ليس على ما يُرام. وبالتالي فإن لوحة الميكروويف تلك أو لوحة مهندس المعلوماتية تصبح فجأة لوحة ناقصة تفتقر إلى إحدى قطعها الأساسية.

لكن ما يحصل تالياً هو الجزء الملفت للانتباه، حيث أن هناك منطقة من دماغنا تدعى “القشرة الحزامية الأمامية” تقوم بإبلاغنا بالخطأ. ومن غير المفاجئ أن يصيبنا هذا الخطأ بحالة من عدم الارتياح. ولكي تحمينا أدمغتنا من ذلك الشعور المقيت الملازم لنا بأن جزءاً من عالمنا لم يعد منطقياً، فإن أدمغتنا هذه طوّرت آلية دفاعية غريزية. فعوضاً عن محاولة استبدال القطعة المفقودة في اللوحة، فإن أدمغتنا تعوّض من خلال إعادة تجميع لوحات جديدة غير مترابطة.

وكان الباحثان ترافيس برولكس وستيفين هايني قد أظهرا مراراً وتكراراً بأن أيّ خلل مهما كان صغيراً يمكن أن يصيب لوحة غير هامّة نسبياً في دماغنا مثل “كيف يعمل الميكروويف”، يمكن أن يحفّز القدرة لدى دماغنا لاكتشاف أنماط جديدة ورؤية احتمالات جديدة في مناطق أخرى. فعلى سبيل المثال، عندما يقوم جهاز الميكروويف لديك وبشكل غير متوقع بتجميد الطعام عوضاً عن تسخينه، فإنّ ذلك قد يكون مصدر إلهام بالنسبة لك ويلهمك فكرة حول زواجك أو وظيفتك أو حتى أرائك السياسية.

لقد اكتشف برولكس وهايني بأنّ الجزء المفقود من اللوحة لا يجعلنا “متحفّزين” لرؤية احتمالات جديدة فحسب، وإنما يجعلنا أكثر “مهارة” في رؤية الارتباطات والاحتمالات الجديدة. (ولعلّ هذا ما يفسّر بأن فترات الإبداع المكثّف تحصل غالباً خلال أكثر الأوقات صعوبة في حياة الفنان).

وهذه بالضبط هي الظاهرة التي لمسناها في دراساتنا الميدانية. فقبيل الجولة الأولى من تصويت المدراء على قرارات نظرائهم، قال العديد منهم أشياء من قبيل: “لا أرى فعلياً أي شيء يمكنني تغييره. فأنا أعمل في قسم المحاسبة فقط.” أو “أنا أعمل في الميدان، والتغييرات الحاصلة تخصّ عمل الشركة من الداخل أكثر”. بعبارة أخرى “أنا سأستمر في فعل ما اعتدت على فعله من قبل”.

ولكن بعد أن رأوا مهندس المعلوماتية يقلّل من أمن البيانات أو اكتشفوا بأن مدير أحد المعامل قد خفّض من أولوية إدخال التحسينات على إنتاجية المعمل فقط ليزيد من كفاءة سلسلة التوريد، فإن المدراء الآخرين في المجموعة أدركوا فجأة وجود إمكانيات جديدة للتغيير في المجالات التي يعملون فيها هم شخصياً.

وفي الجولتين التاليتين من التجارب، بدأ جميع المدراء الآخرين تقريباً وفي كل مجموعة باتخاذ قرارات مشروعة ومُبدعة. فقد بدأوا يرون إمكانيات جديدة وبدأوا يتصرّفون بناءً عليها. ببساطة، هم شعروا بالإلهام كي يتغيّروا.

لكن ذلك الإلهام لم يأتِ من أهداف كبيرة وضخمة وجريئة، أو من رؤى سامية بخصوص المستقبل، أو من خطابات كاريزماتية، أو من تجليات للعبقرية الفطرية أو الشغف لدى قادتهم. بل كلّ ما كان مطلوباً هو إدراك قرار غير متوقع من شخص آخر للتراجع عن عادة قديمة من أجل فعل شيء جديد. وهذا شيء يمكن لكلّ مدير في كلّ وضع من الأوضاع أن يفعله.

فعلى سبيل المثال، لجأ مدير إحدى المدارس في بلدة في ولاية تكساس إلى اتخاذ قرار بإلغاء ممارسة لعبة كرة القدم لمدّة عام واحد لكي يدفع سكّان البلدة إلى التفكير بطريقة خلاقة لإنقاذ مدرسة البلدة. كما أنّ قرار إزالة شطائر الإفطار بشكل مؤقت من متاجر ستاربكس هو الطريقة التي استعملها هوارد شولتز لإلهام الموظفين ليعاودوا التركيز على القهوة. كما أن اتخاذ قرار عام 1996 بقتل جهاز “نيوتن” الذي كان واحداً من احدث ما توصلت إليه التكنولوجيا من أجهزة حاسوبية صغيرة هو الطريقة التي جعلت ستيف جوبز يلهم المهندسين في شركة آبل للبدء بالتفكير بطريقة مختلفة قادتهم إلى رحلة في مجال تطوير المنتجات تعتبر من أكثر الرحلات إبداعاً في تاريخ الإنسان.

كلّ ما سبق يعني بأنّ الأشخاص الذين يسهمون في حصول التغيير لا يجب أن يكونوا بالضرورة عباقرة أو يتمتّعون بكاريزما كبيرة لكي يكونوا مُلهمين لإحداث التغيير. فإذا كنت قادراً على اتخاذ قرار، فأنت قادر على إلهام الناس كي يتغيّروا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "لست بحاجة إلى الكاريزما لتكون قائداً مُلهِماً للآخرين"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
kalorifi
Member
kalorifi
2 سنوات 2 شهور منذ

مقال جميل

wpDiscuz