الذكاء الاصطناعي واستعمالاته الواقعية

20 دقيقة
استعمالات الذكاء الاصطناعي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في العام 2013 وبالحديث عن استعمالات الذكاء الاصطناعي، أطلق مركز إم دي أندرسون للسرطان مشروعاً طموحاً جداً يتمثّل في القيام بالتشخيص واقتراح الخطط العلاجية لبعض أشكال السرطان باستعمال “نظام واتسون” وهو عبارة عن كمبيوتر خارق طورته شركة آي بي إم (IBM). ولكن في العام 2017، جُمد المشروع بعد أن فاقت تكاليفه 62 مليون دولار – كما أنّ النظام لم يكن قد جُرب على المرضى بعد. وفي الوقت ذاته، كانت مجموعة المعلوماتية في مركز السرطان تجري تجارب باستعمال تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي لأداء مهام تنطوي على قدر أقل من الطموح، مثل تقديم التوصيات المتعلقة بالفنادق والمطاعم لعائلات المرضى، وتحديد المرضى الذين كانوا بحاجة إلى مساعدة في سداد الفواتير، والتعامل مع مشاكل المعلوماتية التي كان يعاني منها الموظفون. وقد كانت النتائج التي توصلت إليها هذه المشاريع واعدة جداً: فقد أسهمت هذه النظم الجديدة في زيادة نسبة رضا المرضى وتحسين الأداء المالي والتراجع في الزمن الذي يخصصه مدراء الرعاية الطبية في المستشفيات لإدخال البيانات. وعلى الرغم من النكسة التي طالت المشروع الأساسي الخارق، إلا أنّ إم دي آندرسون يظل ملتزماً باستعمال هذه التكنولوجيات الإدراكية – أي الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي – لتحسين معالجة السرطان، وهو يعكف حالياً على تطوير مجموعة من المشاريع الجديدة المتنوعة في مركزه الخاص بالكفاءة وحوسبة الذكاء الاصطناعي.

إطلاق مبادرات الذكاء الاصطناعي

يُعتبر الفرق بين هاتين المقاربتين مهماً بالنسبة لأي شخص يخطط لإطلاق مبادرات في مجال الذكاء الاصطناعي. فقد أظهر استطلاع أجريناه وشمل 250 من المدراء التنفيذيين المطلعين على استعمال شركاتهم للتكنولوجيا بأنّ ثلاثة أرباعهم تقريباً يؤمنون بأنّ الذكاء الاصطناعي سيقود إلى تحولات جذرية في شركاتهم خلال ثلاث سنوات من الآن، بيد أنّ دراستنا لـ 152 مشروعاً في عدد مشابه تقريباً من الشركات كشفت أنّ احتمال نجاح المشاريع ذات الطموح الخارق هو أقل على الأرجح مقارنة بالمشاريع “ذات القطوف الدانية” التي تعزز العمليات التجارية. ولا يجب أن يكون هذا الخبر مفاجئاً، لأّنّ هذا كان حال الغالبية العظمى من التكنولوجيات الجديدة التي تبنتها الشركات في الماضي. لكن الفورة التي أحاطت الذكاء الاصطناعي كانت قوية جداً، فيما انساقت بعض المؤسسات وراء إغراءاتها.

في هذه المقالة، سوف نراجع مختلف فئات الذكاء الاصطناعي التي يجري توظيفها، وسنعرض إطاراً يبين للشركات كيف يجب أن تبدأ ببناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة المقبلة لكي تحقق أهدافها التجارية.

ثلاثة أنماط للذكاء الاصطناعي

من المفيد بالنسبة للشركات أن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي من منظار القدرات التجارية وليس من منظار التكنولوجيا. فإذا ما تحدثنا عموماً، فإنّ الذكاء الاصطناعي قادر على دعم ثلاثة احتياجات تجارية: أتمتة العمليات التجارية والتوصل إلى استنتاجات وآراء من خلال تحليل البيانات والتفاعل مع الزبائن والموظفين. (راجع الفقرة الجانبية بعنوان “أنواع مشاريع الذكاء الاصطناعي“).

أنواع مشاريع الذكاء الاصطناعي

درسنا 152 مشروعاً في مجال الذكاء الاصطناعي ووجدنا بأنّها تندرج في إطار ثلاث فئات.

  1. الروبوتات وأتمتة العمليات بواسطة الذكاء الاصطناعي (71).
  2. الاستنتاجات والآراء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي (57).
  3. التفاعل المبني على الذكاء الاصطناعي (24).

أتمتة العمليات

من أصل 152 مشروعاً درسناها، كان النمط الأكثر شيوعاً هو أتمتة المهام الرقمية والملموسة – ويشمل ذلك عادة الأنشطة الإدارية والمالية الداعمة والتي تجري في المكاتب الخلفية – باستعمال تكنولوجيات الأتمتة الروبوتية للعمليات. وتعتبر الأتمتة الروبوتية للعمليات أكثر تقدّماً من أدوات أتمتة العمليات التجارية السابقة، لأن “الروبوتات” (وهي عبارة عن كودات “رموز مشفّرة” على المخدم) تتصرّف مثل إنسان يُدخل المعلومات ويستهلكها من عدة مصادر للمعلوماتية. وتشمل المهام:

  • نقل البيانات من البريد الإلكتروني وأنظمة مراكز الاتصالات إلى أنظمة السجلات – مثل تحديث ملفات الزبائن التي تتضمّن تغييراً في العنوان أو في شروط الخدمة.
  • استبدال بطاقات الائتمان أو بطاقات الصراف الآلي الضائعة والتخاطب مع أنظمة متعدّدة بهدف تحديث السجلات والتعامل مع اتصالات الزبائن.
  • معالجة حالات الفشل في فرض الأجور مقابل الخدمات في أنظمة فوترة مختلفة عبر استخلاص المعلومات من عدّة أنماط من الوثائق.
  • “قراءة” الوثائق القانونية والتعاقدية بهدف استخلاص الأحكام باستعمال أنظمة معالجة اللغة الطبيعية.

تُعتبر الأتمتة الروبوتية للعمليات الطريقة الأرخص والأسهل لتطبيق تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي التي سنناقشها هنا، وهي تقود عادة إلى عوائد سريعة وعالية على الاستثمار. (كما أنّها أيضاً الأقل “ذكاء”، بمعنى أنّ هذه التطبيقات غير مبرمجة لكي تتعلّم وتتحسّن، على الرغم من أنّ المطورين يضيفون تدريجياً قدرات في مجال الذكاء والتعلّم). وهي مناسبة تماماً للعمل ضمن أنظمة دعم خلفي متعددة.

ففي وكالة ناسا، قادت الضغوط المرتبطة بالتكاليف الوكالة إلى إطلاق أربع نسخ تجريبية من الأتمتة الروبوتية للعمليات في الحسابات الدائنة والمدينة والإنفاق على المعلوماتية والموارد البشرية – وكلها يديرها مركز للخدمات المشتركة. وقد سارت المشاريع الأربعة على ما يرام – ففي التطبيق الخاص بالموارد البشرية، مثلاً، استكملت 86% من العمليات دون أي تدخل بشري – وهي باتت تطبق في عموم المؤسسة. كما تطبّق ناسا الآن المزيد من برامج الأتمتة الروبوتية للعمليات، والبعض منها ينطوي على مستويات أعلى من الذكاء. وكما يقول جيم ووكر، مدير أحد مشاريع مؤسسة الخدمات المشتركة، “حتى الآن لا يبدو هذا الأمر وكأنّه علم ذرة”.

قد يتخيل البعض بأنّ الأتمتة الروبوتية للعمليات سوف تقود إلى فقدان الناس لوظائفهم بسرعة. ولكن ضمن مشاريع الأتمتة الروبوتية للعمليات التي راجعناها والتي بلغ عددها 71 مشروعاً (وهي تشكل 47% من العدد الإجمالي للمشاريع)، لم يكن استبدال الموظفين هو الهدف الأساسي أو النتيجة المشتركة. ولم يكن هناك إلا عدد ضئيل من المشاريع التي تسببت بتقليل أعداد الموظفين، وفي معظم الحالات، كانت المهام المعنية قد نقلت أصلاً إلى عمال خارجيين كلفوا بإنجاز هذه المهام. ومع تحسن التكنولوجيا، من المرجّح أن تقود مشاريع الأتمتة الروبوتية للعمليات إلى فقدان بعض الوظائف مستقبلاً، ولاسيما في قطاع تعهيد العمليات التجارية إلى الخارج. فإذا كنت قادراً على تعهيد مهمة إلى جهة خارجية، فإنك قادر على أتمتتها ربما.

الاستنتاجات والآراء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي

 اعتمد النمط الثاني الأكثر شيوعاً للمشاريع في دراستنا (38% من الإجمالي) على خوارزميات لاكتشاف الأنماط الموجودة في أحجام هائلة من البيانات وتفسير معناها. ويمكن تشبيهها مثلاً وكأنها “عملية لتحليل البيانات الضخمة تفعل فعلها بعد تناول المنشطات”. وتستعمل هذه التطبيقات القائمة على تعلم الآلة للأغراض التالية:

  • التنبؤ بالأشياء التي من المحتمل يشتريها زبون معيّن.
  • تحديد حالات الاحتيال في استعمال البطاقات الائتمانية أثناء حصولها واكتشاف حالات الاحتيال في المطالبات التأمينية.
  • تحليل بيانات الكفالة لتحديد مشاكل السلامة أو الجودة في السيارات وغيرها من المنتجات المصنّعة.
  • أتمتة الاستهداف الشخصي في الإعلانات الرقمية.
  • توفير نماذج اكتوارية أكثر دقّة وتفصيلاً لشركات التأمين.

تختلف الاستنتاجات والآراء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي التي يوفرها تعلم الآلة عن الاستنتاجات التي يتوصل إليها التحليل التقليدي للبيانات الضخمة في ثلاثة أوجه: فهي عادة أكثر اعتماداً بكثير على البيانات المكثفة والمفصلة؛ والنماذج عادة ما تكون مدربة على جزء معين من مجموعة البيانات، كما أنّ النماذج تصبح أفضل، أي أنّ قدرتها على استعمال بيانات جديدة لوضع التنبؤات أو تصنيف الأشياء ضمن فئات تتحسن مع مرور الوقت.

يمكن لبعض أشكال تعلّم الآلة (التعلم العميق، تحديداً، والذي يحاول تقليد نشاط الدماغ البشري بهدف التعرف على الأنماط) أن تؤدّي بعض المهام مثل التعرف على الوجوه والكلام. كما أنّ تعلّم الآلة يمكن أن يتيح بعض البيانات الجديدة من أجل تحسين عملية تحليلية. وعلى الرغم من أنّ عملية معالجة البيانات كانت تتطلب فيما مضى جهداً بشرياً هائلاً، إلا أنّ تعلّم الآلة بات قادراً الآن على تحديد التطابقات الاحتمالية – أي البيانات التي من المرجح أن تكون مقترنة بالشخص ذاته أو الشركة ذاتها لكنها تظهر بأشكال تختلف اختلافاً طفيفاً – في مختلف قواعد البيانات. وقد استعملت شركة جنرال إلكتريك هذه التكنولوجيا لدمج بيانات الموردين، وقد وفّرت 80 مليون دولار في عامها الأول من خلال القضاء على أي تكرار موجود، والتفاوض على العقود التي كانت سابقاً تُدار على مستوى الوحدة التجارية. وعلى المنوال ذاته، استفاد بنك كبير من هذه التكنولوجيا لاستخلاص البيانات المتعلقة بالشروط من عقود الموردين ومطابقتها مع أرقام الفواتير، وتحديد منتجات وخدمات تبلغ قيمتها عشرات ملايين الدولارات لم تورّد. ويستعمل قسم التدقيق في شركة ديلويت هذا النوع من الاستنتاجات من الذكاء الاصطناعي لاستخلاص الأحكام من العقود، ما يمكّن فريق التدقيق من معالجة نسبة أعلى من الوثائق، غالباً ما تكون 100%، دون اضطرار المدقق البشري أن يتجشّم عناء الاطلاع عليها.

عادة ما تستعمل تطبيقات الاستنتاجات والآراء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء في الوظائف التي لا يمكن إنجازها إلا بواسطة الآلة – وهنا نتحدث عن مهام مثل شراء الإعلانات بواسطة البرامج والذي يشمل معالجة البيانات والأتمتة بسرعات عالية لطالما كانت تتجاوز قدرة البشر – لذلك فإنها لا تشكّل تهديداً عموماً للوظائف البشرية.

التفاعل المبني على الذكاء الاصطناعي

 كانت المشاريع التي تشرك الموظفين والزبائن باستعمال برامج معالجة اللغة الطبيعية والوكلاء الأذكياء وتعلّم الآلة هي النمط الأقل شيوعاً في دراستنا (فهي لا تمثّل أكثر من 16% من الإجمالي). وتشمل هذه الفئة:

  • الوكلاء الأذكياء الذين يقدمون خدمة زبائن على مدار اليوم وعلى مدار الأسبوع (24/7) ويعالجون مجموعة واسعة ومتنامية من القضايا، من طلبات كلمات السر إلى أسئلة الدعم الفني – وجميعها باللغة الطبيعية للزبون.
  • المواقع الداخلية المخصصة للإجابة عن أسئلة الموظفين المتعلقة بمواضيع من قبيل المعلوماتية، والمزايا والمنافع الوظيفية، وسياسة الموارد البشرية.
  • أنظمة التوصية بالمنتجات والخدمات التي يستعملها أصحاب متاجر التجزئة بهدف زيادة الطابع الشخصي للخدمة، وتحسين التفاعل، والمبيعات – وهي عادة تشمل لغة أو صوراً غنيّة.
  • أنظمة التوصية بالعلاج الصحي والتي تساعد مزودي الخدمات الطبية على صياغة خطط للرعاية المنظمة بحسب احتياجات المرضى والتي تأخذ بعين الاعتبار الحالة الصحية للمرضى الأفراد والعلاجات التي تلقوها سابقاً.

كانت الشركات التي شملتها دراستنا تميل إلى استعمال تكنولوجيات التفاعل المبني على الذكاء الاصطناعي مع الموظفين أكثر من ميلها إلى استعمالها مع الزبائن. وقد يتغيّر هذا الوضع عندما تصبح الشركات أكثر ارتياحاً تجاه فكرة نقل التفاعل مع الزبائن إلى الآلات. فعلى سبيل المثال، أطلقت شركت فانغارد برنامجاً تجريبياً يقوم على فكرة استعمال وكيل ذكي يساعد موظفيها المسؤولين عن خدمة الزبائن في الإجابة عن الأسئلة المتكررة. وتهدف الخطة في نهاية المطاف إلى السماح للزبائن بالتفاعل مباشرة مع هذا الإنسان الآلي عوضاً عن التفال مع وكلاء خدمة الزبائن من البشر. كما يستعمل كل من سي بانك في السويد، وعملاقة التكنولوجيا الطبية بيكتون ديكنسون (بي دي) في الولايات المتحدة روبوتاً ذكياً يسمّى أميليا ليكون بمثابة مكتب داخلي لدعم الموظفين في مجال المعلوماتية. وقد أتاح سي بانك مؤخراً الروبوت أميليا للزبائن بشكل محدود من أجل اختبار أدائه واستجابته للزبائن.

المنافع التجارية للذكاء الاصطناعي

المنافع التجارية <a href=للذكاء الاصطناعي” width=”850″ height=”725″ />

عادة ما تتبنّى الشركات مقاربة محافظة عندما يتعلّق الأمر بتكنولوجيات التفاعل المبني على الذكاء الاصطناعي والتي تتعامل مباشرة مع الزبائن. ويعود السبب في ذلك إلى حدّ كبير إلى عدم نضوج هذه التكنولوجيات بعد. فقد وجدت شركة فيسبوك، مثلاً، بأن برامج الرد الآلي ضمن تطبيق ماسنجر لم تكن قادرة على التجاوب مع 70% من طلبات الزبائن دون تدخّل بشري. ونتيجة لذلك، فقد حدّت شركة فيسبوك وعدد من الشركات الأخرى من استعمال برامج المحادثات الآلية لتقتصر على مواضيع ومجالات معيّنة وبعض أنماط

يشير بحثنا إلى أنّ تطبيقات التفاعل المبني على الذكاء الاصطناعي لا تشكّل في الوقت الحاضر تهديداً للوظائف في مجال خدمة الزبائن أو مندوبي المبيعات. ففي معظم المشاريع التي درسناها، لم يكن الهدف هو تقليل أعداد الموظفين وإنما التعامل مع أعداد متنامية من حالات التفاعل مع الموظفين والزبائن دون إضافة موظفين جدد. وكان عدد من المؤسسات يخطّط لتسليم عمليات التواصل الروتيني إلى الآلات، ونقل موظفي دعم الزبائن ليتعاملوا مع الأنشط الأعقد مثل التعامل مع قضايا الزبائن التي تدخل في طور التصعيد، أو إجراء الحوارات الطويلة غير المحددة الإطار، أو محاولة التواصل مع الزبائن قبل أن يتّصلوا لتقديم شكوى معيّنة.

مع تزايد اطلاع الشركات على هذه الأدوات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، فإنّها أخذت تنفّذ مشاريع تجريبية تجمع ما بين عناصر من هذه الفئات الثلاث لجني المكاسب التي يوفّرها الذكاء الاصطناعي. فقد طورت شركة تأمين إيطالية، على سبيل المثال، “مكتب مساعدة روبوتية” ضمن قسم المعلوماتية فيها. ويتفاعل هذا النظام مع الموظفين باستعمال تكنولوجيا التعلم العميق (والتي تندرج تحت مظلة “الاستنتاجات والآراء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي” للبحث في الأسئلة المتكررة والإجابات المرتبطة بها، والقضايا التي حلّت سابقاً، والوثائق المتوفّرة بهدف التوصّل إلى حلول لمشاكل الزبائن. وهي تستعمل تقنية للتوجيه الذكي (أتمتة العمليات التجارية) لتحويل المشاكل الأعقد إلى ممثلين من البشر، كما تستعمل تقنية معالجة اللغة الطبيعية لدعم طلبات المستخدمين المقدمة باللغة الإيطالية. ولكن على الرغم من التوسع السريع في تجربة الشركات لأدوات الذكاء الاصطناعي المعرفية، إلا أنها تواجه عوائق عديدة في التطوير والتنفيذ. وبناء على أبحاثنا، وضعنا إطاراً مؤلفاً من أربع خطوات لإدماج تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بطريقة تساعد الشركات على تحقيق أهدافها، سواء أكانت المشاريع من النوع الخارق، أو طريقة لتحسين العمليات التجارية.

1- فهم التكنولوجيات

قبل الشروع في مبادرة جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي، يجب على الشركات فهم أنواع التكنولوجيات المختلفة التي تؤدي مهاماً مختلفة وفهم نقاط الضعف والقوة في كل نمط. فالأنظمة الخبيرة المعتمدة على القواعد والأتمتة الروبوتية للعمليات، على سبيل المثال، تعتبر شفافة في طريقة عملها، لكنها غير قادرة على التعلّم والتحسن. أما التعلم العميق، من جهة أخرى، فهو عظيم في التعلم من الكميات الهائلة من البيانات المرمزة، ولكن من شبه المستحيل فهم الطريقة التي يستعملها لخلق النماذج التي يخلقها. وهذه القضية التي تعتبر بمثابة “صندوق أسود” يمكن أن تكون إشكالية في القطاعات الخاضعة للكثير من التنظيمات والتشريعات مثل الخدمات المالية، التي تصر الجهات الناظمة فيها على معرفة الآلية التي تتّخذ بموجبها القرارات.

صادفتنا في بحثنا مجموعة من المؤسسات التي أهدرت الكثير من الوقت والمال بعد أن تبنّت التكنولوجيا الخاطئة لتنفيذ المهام المرغوبة. ولكن إذا كانت الشركات مسلحة بفهم جيد للتكنولوجيات المختلفة، فإنها ستكون في موقع أفضل يسمح لها بتقرير التكنولوجيات الأقدر على تلبية احتياجاتها المحددة ومزودي الخدمات الأفضل للعمل معهم ومدى سرعة تطبيق نظام معين. ويحتاج كسب هذا الفهم إلى بحث وتعليم مستمرّين وعادة ما يكون ذلك ضمن قسم المعلوماتية أو الابتكار.

تحديات <a href=الذكاء الاصطناعي” width=”850″ height=”538″ />

وبالتحديد، تحتاج الشركات إلى الاستفادة من القدرات الموجودة لدى الموظفين الأساسيين، مثل علماء تحليل البيانات، الذين يمتلكون المهارات الضرورية في مجال الإحصاء والبيانات الضخمة والتي تسمح لهم بفهم خبايا وأسس هذه التكنولوجيات. ويتمثل عامل النجاح الأساسي في استعداد الموظفين للتعلم. فالبعض منهم سوف يغتم هذه الفرصة، في حين قد يفضل البعض الآخر الالتزام بالأدوات التي يعرفها. والأفضل أن تعمل الشركات حثيثاً على امتلاك النوع الأول من الموظفين.

إذا لم يكن لديكم داخل الشركة أشخاص متخصصون بعلوم البيانات وتحليلها، ربما ستضطرون إلى بناء منظومة خارجية من مقدمي الخدمات على المدى القصير. فإذا كنتم تتوقعون تطبيق مشاريع للذكاء الاصطناعي على المدى البعيد، فقد يكون الأفضل هو توظيف شخص من أصحاب المواهب لينضم إلى الشركة. وفي كلتا الحالتين، لا بدّ من امتلاك القدرات الصحيحة من أجل المضي قدماً.

ونظراً لندرة الأشخاص الموهوبين المتخصصين بتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، فإنّ معظم المؤسسات يجب أن تحشد مجموعة من الموارد – التي يمكن تجميعها في أحد الأقسام المركزية مثل قسم المعلوماتية أو الاستراتيجية – وأن تتيح الخبراء ليكونوا في خدمة المشاريع ذات الأولوية القصوى في المؤسسة. ومع حصول تزايد كبير في الاحتياجات وتوفر أصحاب المواهب، قد يكون من المنطقي تخصيص مجموعات لخدمة وظائف أو وحدات معيّنة في الشركة، ولكن حتى في تلك الحالة، يمكن لوظيفة تنسيق مركزية أن تكون مفيدة في إدارة المشاريع والمسارات المهنية

2- إنشاء محفظة من المشاريع

تتمثل الخطوة التالية في عملية إطلاق برنامج للذكاء الاصطناعي في إجراء تقويم منهجي للاحتياجات والقدرات، ومن ثم بناء محفظة من المشاريع التي تحظى بالأولوية. ففي الشركات التي درسناها، كان ذلك يجري عادة ضمن ورشات عمل أو عبر استشارات محدودة وعلى نطاق ضيق. ونحن نوصي الشركات بإجراء تقييمات في ثلاثة مجالات عريضة.

تحديد الفرص. يحدد التقييم الأول أيّاً من أقسام الشركة يمكن أن يحقق أكبر قدر من الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وعادة ما تكون هذه الأقسام من النوع الذي يحتوي على “المعرفة” – أي الآراء والاستنتاجات المستخلصة من تحليل البيانات أو من مجموعة من النصوص – والتي تكون نادرة ومطلوبة جدّاً لكن لسبب ما غير متاحة.

  • نقاط الاستعصاء. في بعض الحالات، قد يكون الافتقار إلى الاستنتاجات والآراء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي ناجماً عن وجود نقاط استعصاء تحول دون التدفق السلس للمعلومات؛ فالمعرفة متوفرة في الشركة لكنّها غير موزعة بطريقة مثالية. وهذا ما يحصل غالباً في قطاع الرعاية الصحية، على سبيل المثال، حيث ما تكون المعارف محصورة ضمن عيادات أو أٌقسام أو مراكز طبية أكاديمية منعزلة عن بعضها.
  • التحدّيات المرتبطة بالحجم. في حالات أخرى، تكون المعرفة موجودة لكنّ العملية المطلوبة لاستخدامها على نطاق واسع تحتاج إلى وقت طويل أو باهظة التكلفة جداً. وهذا ما يحصل غالباً في حالة المعارف التي يطورها المستشارون الماليون. وذلك هو السبب الذي يدفع العديد من شركات الاستثمار وإدارة الثروة الآن إلى أن توفر برمجيات روبوتية مدعومة بذكاء اصطناعي تقدم المشورة للزبائن بخصوص القضايا المالية الروتينية بتكلفة قليلة وفعالية عالية.

وفي قطاع الأدوية، تتعامل شركة فايزر مع مشكلة الحجم هذه من خلال استعمال نظام واتسون من شركة آي بي إم لتسريع عمليات استكشاف الدواء التي تحتاج إلى جهود مضنية في مجال العلاج المناعي لمرض السرطان، وهو أسلوب جديد ناشئ في معالجة السرطان يعتمد على النظام المناعي لدى الإنسان لمساعدته في مكافحة السرطان. ويحتاج طرح هذا النوع من الأدوية المناعية في الأسواق ما قد يصل إلى 12 عاماً. ويعتمد نظام واتسون على الجمع بين الأدبيات الطبية المتاحة والبيانات الخاصّة بشركة فايزر مثل التقارير المخبرية، ليساعد الباحثين على استنباط العلاقات واكتشاف الأنماط الخفية بما يساعد على تسريع عملية تحديد الأدوية الجديدة، ومزيج العلاجات التي تحتاج إلى دراسة، واستراتيجية اختيار المرضى الذين سيخضعون للاختبار في هذه الفئة الجديدة من الأدوية.

  • القدرات غير الكافية. أخيراً، قد تجمع شركة ما كمية من البيانات تفوق قدرة موظفيها الحاليين أو حواسبها الحالية على معالجتها والاستفادة منها. فعلى سبيل المثال، قد تمتلك شركة ما كميات هائلة من البيانات المتعلقة بالسلوك الرقمي للمستهلكين لكنها تنتقص إلى القدرة على استخراج استنتاجات وآراء منها، وتحديد كيفية الاستفادة منها بطريقة غير استراتيجية. ولحل هذه المشكلة، لجأت الشركة إلى استعمال تعلم الآلة لدعم مهام من قبيل شراء الإعلانات الرقمية المبرمجة ذات الاستهداف الشخصي، أو، كما في حالة سيسكو سيستمز وآي بي إم، إنشاء عشرات آلاف “نماذج الميول” التي تحدّد أي من نوع من الزبائن من المحتمل أن يشتري أي نوع من المنتجات.

تحديد حالات الاستعمال. يهدف التقييم الثاني إلى تحديد حالات الاستعمال التي ستسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي فيها في خلق قيمة كبيرة والإسهام في نجاح الشركة. يُفضل البدء بطرح أسئلة أساسية من قبيل: إلى أي مدى تُعتبر معالجة المشكلة المستهدفة أمراً أساسياً بالنسبة للاستراتيجية الإجمالية للشركة؟ ما مدى صعوبة تطبيق الحل المقترح والذي يعتمد على استخدام الذكاء الاصطناعي، سواء من الناحية الفنية أو المؤسسية؟ هل تستحق المكاسب المتحققة من إطلاق البرنامج الجهد المبذول؟ بعد ذلك، يجب إعطاء الأولوية لحالات الاستعمال التي تعطي أكبر قدر من القيمة على المديين القريب والبعيد، والتي يمكن إدماجها في نهاية المطاف ضمن المنصة أو البرنامج الأوسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي بهدف خلق ميزة تنافسية للشركة.

اختيار التكنولوجيا. يسعى التقييم الثالث إلى تحديد ما إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي قيد الدراسة لكل حالة من حالات الاستخدام قادرة على أداء المهمة المطلوبة منها. فبعض برمجيات الدردشة الآلية والوكلاء الأذكياء، على سبيل المثال، قد تسبب إحباطاً لبعض الشركات لأن معظمها غير قادر حتى الآن على مضاهاة القدرة البشرية في مجال المشكلات خارج إطار الحالات البسيطة ذات السيناريوهات المعدة سلفاً (وإن كانت تشهد تحسّناً هائلاً). وثمة تكنولوجيات أخرى مثل الأتمتة الروبوتية للعمليات قادرة على تسهيل العمليات البسيطة مثل إصدار الفواتير، لكنها في الحقيقة قد تبطئ عمليات الإنتاج الأكثر تعقيداً. وعلى الرغم من أنّ أنظمة التمييز البصري المعتمدة على التعلم العميق قادرة على تمييز لقطات معيّنة ضمن الصور وأفلام الفيديو، إلا أنها تحتاج إلى الكثير من البيانات المرمّزة وقد لا تكون قادرة على فهم حقل بصري معقّد.

عندما يحين الوقت المناسب، سوف تسهم تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في إدخال تحول على طريقة ممارسة الشركة لأعمالها. أما اليوم، فإنّ الحكمة تقتضي اتخاذ خطوات متدرجة مع التكنولوجيا المتاحة حالياً، مع التخطيط في الوقت نفسه لإدخال تحوّل جذري في المستقبل غير البعيد. وقد ترغب الشركة في نهاية المطاف في نقل عملية التفاعل مع الزبائن إلى برمجيات آلية ذكية، على سبيل المثال، ولكن في الوقت الحاضر، ربما يكون من المجدي والمنطقي أكثر أتمتة قسم المساعدة الخاص بالمعلوماتية في شركتكم كخطوة أولى على طريق تحقيق الهدف النهائي.

3- إطلاق المشاريع التجريبية

بما أنّ الفجوة التي تفصل بين القدرات الحالية والقدرات المرغوبة في مجال الذكاء الاصطناعي ليست واضحة دائماً، يجب على الشركات تنفيذ مشاريع تجريبية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل نشرها على مستوى المؤسسة بأكملها. وتُعتبر المشاريع التجريبية الهادفة إلى إثبات قدرة مفهوم معيّن على النجاح مناسبة تحديداً في حالات المبادرات التي تنطوي على إمكانية تحقيق قيمة تجارية كبيرة أو تسمح للمؤسسة باختبار تكنولوجيات مختلفة في الوقت ذاته. ولكن لا بدّ من توخّي الحذر لتجنّب البرامج “المفروضة” من كبار المدراء التنفيذيين الذين قد يكونون متأثرين بكلام مندوبي مبيعات الشركات. فمجرد شعور المدراء التنفيذيين ومجالس الإدارة بالضغوط “لفعل شيء ما بخصوص الذكاء الاصطناعي” لا يعني بأنّ على الشركة تجاوز الضوابط الصارمة التي يجب أن تخضع لها العملية التجريبية. فالمشاريع المفروضة من الأعلى غالباً ما تفشل، وهذا الأمر يمكن أن يقود إلى نكسة كبيرة لبرنامج الذكاء الاصطناعي في الشركة.

فإذا كانت شركتكم تخطط لإطلاق عدة برامج تجريبية، لربما يكون من الأفضل أن تدرسوا إمكانية إنشاء مركز للتميز في مجال الذكاء الاصطناعي أو هيكلية من هذا القبيل لإدارة هذه البرامج. تساعد هذه المقاربة في بناء المهارات والقدرات التكنولوجية المطلوبة ضمن المؤسسة، كما تساعد في الوقت ذاته في تحويل المشاريع التجريبية الصغيرة إلى تطبيقات أوسع نطاقاً ستترك أثراً أكبر. فشركة فايزر تمتلك أكثر من 60 مشروعاً تعتمد على شكل من أشكال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والعديد منها طور التجريب وبعضها حالياً قيد الإنتاج.

في شركة بيكتون ديكنسون، هناك وحدة “الأتمتة العامة” الواقعة ضمن قسم المعلوماتية وهي تشرف على عدد من المشاريع التجريبية لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي التي تستعمل الوكلاء الرقميين الأذكياء والأتمتة الروبوتية للعمليات (بعض العمل يجري بالشراكة مع قسم الخدمات العالمية المشتركة في الشركة).

تستعمل مجموعة الأتمتة العالمية خرائط للعمليات لتوجيه عملية التنفيذ وتحديد الفرص المتاحة في مجال الأتمتة. كما تستعمل المجموعة خرائط من نوع آخر تعتمد على الأشكال البيانية وتشير إلى الأنشطة الأنسب لتطبيق تداخلات الذكاء الاصطناعي فيها. وقد نجحت الشركة في استعمال برمجيات ذكية في عمليات الدعم المعلوماتي، لكنها غير جاهزة بعد لدعم العمليات الواسعة النطاق ضمن الشركة، مثل العملية الممتدة من استلام الطلبية وحتى تقاضي ثمنها. كما طوّرت شركة التأمين الصحي أنثيم نظاماً مركزياً مشابهاً للذكاء الاصطناعي يسمى مكتب قدرات الذكاء الاصطناعي.

إعادة تصميم العملية التجارية. خلال مرحلة تطوير مشاريع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يجب على الشركات التي تطبقها أن تفكر في كيفية إعادة تصميم مسار العمل، مع التركيز تحديداً على تقسيم الأعمال ما بين البشر وبرامج الذكاء الاصطناعي. ففي بعض مشاريع الذكاء الاصطناعي، 80% من القرارات تصدر عن الآلات في حين لا يتّخذ البشر إلا 20% من هذه القرارات؛ أما في بعض المشاريع الأخرى فإنّ النسبة تكون معكوسة. ولا بدّ من إعادة تصميم آلية سير العمليات بطريقة منهجية لضمان حالة التكامل بين البشر والآلات بحيث يعزز كل واحد منهما نقاط القوة الموجودة لدى الآخر، ويحاول التعويض عن نقاط ضعفه.

 

طرحت شركة الاستثمارات فانغارد، على سبيل المثال، خدمة جديدة بعنوان “الخدمات الاستشارية الشخصية”، تجمع ما بين المشورة الاستثمارية المؤتمتة والإرشادات التي يقدمها المستشارون من البشر. وضمن هذا النظام الجديد، تُستعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي لأداء العديد من المهام التقليدية في قطاع الاستشارات المالية، بما في ذلك إنشاء محفظة تناسب كل زبون على حدة وإعادة موازنة المحافظ مع مرور الوقت واختيار الاستثمارات بطريقة كفوءة ضريبياً. أما المستشارون الآدميون في فانغارد فإنهم بمثابة “مرشدين للاستثمار” تقع على عاتقهم مسؤولية الإجابة عن أسئلة المستثمرين والتشجيع على السلوكيات الاستثمارية الصحية، وهم يشكّلون بحسب تعبير الشركة، “عناصر ضبط للعواطف الجياشة” لمساعدة المستثمرين على الالتزام بالخطط الاستثمارية الموضوعة. هذا ويجري تشجيع المستشارين على التعرف على علم السلوك المالي لأداء الأدوار المنوطة بهم بفعالية. وقد أسهمت هذه المقاربة المتبعة في الأتمتة الروبوتية للعمليات في جمع أكثر من 80 مليار دولار من الأصول المدارة، كما أنّ التكاليف في هذه الحالة أقل من التكاليف بالمقارنة مع المشورة التي تعتمد بالكامل على العنصر البشري، وثمة نسبة رضا عالية بين صفوف الزبائن. (راجع الفقرة الجانبية التي تحمل عنوان “تقسيم العمل في إحدى الشركات”).

تقسيم العمل في إحدى الشركات

تستعمل فانغارد، وهي شركة للخدمات الاستثمارية، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتوفير المشورة الاستثمارية لزبائنها بتكلفة أخفض. فنظام الخدمات الاستشارية الشخصية فيها يؤتمت العديد من المهام التقليدية للمشورة الاستثمارية، في حين يتفرّغ المستشارون من البشر للأنشطة ذات القيمة الأعلى. وفيما يلي الطريقة التي اتّبعتها فانغارد لإعادة تصميم عملياتها لتحقيق الاستفادة القصوى من النظام الجديد.

المستشار:

يفهم الأهداف الاستثمارية

يضع خطة تنفيذية تلائم احتياجات الزبون

يوفّر التحليلات الاستثمارية والخطط الخاصة بمرحلة التقاعد

يضع استراتيجيات لتحقيق الدخل أثناء التقاعد والاستفادة من مردود الضمان الاجتماعي

يؤدّي دور المرشد السلوكي

يراقب الإنفاق ويشجّع على تحمّل المسؤولية

يوفّر الدعم المستمر في مجال الثروة والتخطيط المالي

يعالج الاعتبارات المتعلقة بالتخطيط العقاري

الذكاء الاصطناعي

يولّد خطّة مالية

يضع توقعات مبنية على الأهداف في أي لحظة من الزمن

يعيد موازنة المحفظة لضمان تنوّعها

يقلل الضرائب إلى الحد الأدنى

يتابع الأصول المجمّعة في مكان واحد

يتفاعل مع الزبائن افتراضياً

المصدر مجموعة فانغارد

فهمت فانغارد أهمية إعادة تصميم طريقة العمل عندما طبّقت هذه المقاربة في الأتمتة الروبوتية للعمليات، لكن العديد من الشركات وبكل بساطة تحاول تحويل المبادرات القائمة أساساً إلى مبادرات رسمية، من خلال أتمتة آليات العمليات الحالية اعتماداً على تكنولوجيا الأتمتة الروبوتية للعمليات. لكن لجوء الشركات إلى أتمتة آليات العمل المترسخة أصلاً يمكن أن يساعدها في التنفيذ السريع للمشاريع وفي تحقيق العوائد المرغوبة على الاستثمار – لكنها بذلك تفوت فرصة الاستفادة الكاملة من القدرات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي وإدخال تحسين هائل على العملية.

غالباً ما تستفيد جهود إعادة تصميم العمليات باستخدام الذكاء الاصطناعي من تطبيق مبادئ التفكير التصميمي (Design-Thinking)، أي فهم احتياجات الزبون أو المستخدم النهائي، وإشراك الموظفين الذين ستعاد هيكلة عملياتهم والتعامل مع التصاميم على أنها “مسودات أولى” تجريبية ودراسة عدّة بدائل ودراسة إمكانية استعمال قدرات الذكاء الاصطناعي بصراحة في عملية التصميم. وتُعتبر معظم المشاريع المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مناسبة للمقاربات التكرارية أو الرشيقة في التطوير.

4- النشر على نطاق أوسع

نجحت مؤسسات عديدة في إطلاق مشاريع تجريبية في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن لم يحالفها ذات القدر من النجاح في تطبيقها على مستوى المؤسسة بأكملها. فلكي تحقق الشركات أهدافها، فإنها بحاجة إلى خطط مفصلة لعملية تطبيق هذه المشاريع على نطاق أوسع، وهذا أمر يتطلب التعاون بين الخبراء التكنولوجيين ومالكي العملية التجارية الخاضعة للأتمتة. وبما أنّ قدرات الذكاء الاصطناعي تدعم عادة المهام الفردية وليس مجمل العمليات، فإنّ التطبيق على نطاق أوسع يحتاج في معظم الأحوال تقريباً إلى إيجاد حالة من التكامل مع الأنظمة والعمليات الحالية. وفي الاستطلاع الذي أجريناه، في واقع الأمر، قال المدراء التنفيذيون بأنّ هذا التكامل كان التحدي الأكبر الذي يواجهونه في مبادرات الذكاء الاصطناعي.

يجب على الشركات أن تبدأ عملية النشر والتطبيق على نطاق أوسع بدراسة ما إذا كان التكامل ممكناً أو مجدياً حتى. فإذا كان التطبيق يعتمد على تكنولوجيا خاصّة من الصعب الاستحواذ عليها، على سبيل المثال، فإنّ ذلك سوف يحد من إمكانية النشر على نطاق أوسع. ولا بدّ من التأكد من مناقشة مالكي العمليات التجارية للاعتبارات الخاصة بالتطبيق على نطاق واسع مع قسم المعلوماتية قبل المرحلة التجريبية أو خلالها: فأي محاولة للمناورة بهدف تجاوز قسم المعلوماتية لن يحالفها النجاح على الأغلب، حتى في حالة التكنولوجيات البسيطة نسبياً مثل الأتمتة الروبوتية للعمليات.  

تبنّت شركة التأمين الصحي أنثيم، على سبيل المثال، مبادرة لتطوير تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي كجزء من التحديث الرئيسي لنظمها الحالية. وعوضاً عن إدخال تطبيقات ذكاء اصطناعي جديدة ضمن التكنولوجيا القديمة، لجأت أنثيم إلى استخدام مقاربة شمولية تعظم القيمة المتولدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقلل التكلفة الإجمالية للتطوير والتكامل وتخلق ما يسمّى “تأثير الهالة” على الأنظمة الموروثة. كما لجأت الشركة إلى إعادة تصميم العمليات في الوقت ذاته، بهدف “استعمال الذكاء الاصطناعي لينقلنا إلى المستوى التالي” على حد قول مدير المعلوماتية توم ميلر.

وخلال مرحلة النشر على نطاق أوسع، قد تواجه الشركات تحديات هائلة في مجال إدارة التغيير. ففي إحدى سلاسل متاجر التجزئة المتخصّصة بالأزياء في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، استخدم أحد المشاريع التجريبية في مجموعة فرعية صغيرة من المتاجر مبدأ تعلم الآلة لتقديم التوصيات الخاصة بالمنتجات المتوفّرة على الموقع الإلكتروني ووضع التوصيات الخاصة بالإدارة المثلى للمخزونات ونماذج للاستبدال السريع للنواقص، بل وفي مهمة أصعب من كل ذلك هي تسويق السلع. وقد شعر البائعون الذين كانوا معتادين على طلب المنتجات بناء على حدسهم بالتهديد وأطلقوا تعليقات من قبيل: “إذا كنتم ستثقون بهذا، فما هي حاجتكم إلي؟” وبعد الانتهاء من المشروع التجريبي، ذهب البائعون كمجموعة إلى مدير ترويج المنتجات وطلبوا منه إنهاء العمل بهذا البرنامج التجريبي. وقد أشار المدير التنفيذي إلى أنّ النتائج كانت إيجابية واستدعت توسيع المشروع. وأكد للبائعين، بأنّ تحررهم من بعض المهام التسويقية، سيسمح لهم بإنجاز المهام ذات القيمة الأكبر والتي لا يزال البشر أقدر على تنفيذها من الآلة، مثل فهم رغبات الزبائن الأصغر عمراً وتقرير الخطط المستقبلية للشركة المتخصصة بصناعة الملابس. وفي الوقت ذاته، أقر بأنّ البائعين كانوا بحاجة إلى الخضوع للتثقيف بخصوص الطرق الجديدة في العمل.

إذا ما أرادت الشركات ضمان نجاح عملية النشر على نطاق أوسع، وتحقيقها للنتائج المرغوبة، فإنها يجب أن تركّز أيضاً على تحسين الإنتاجية. فالعديد من الشركات مثلاً تخطط لتنمية أعمالها من خلال زيادة الإنتاجية – بحيث تضيف زبائن وعمليات دون إضافة موظفين. والشركات التي تعتبر أنّ المبرر الأساسي للاستثمار في الذكاء الاصطناعي هو تقليل عدد الموظفين يفضل أن تعمل على تحقيق هذا الهدف مع مرور الوقت من خلال الاستنزاف الطبيعي للموظفين أو عبر التخلص من عملية التعهيد إلى جهات خارجية.

شركة المستقبل التي تستخدم الذكاء الاصطناعي

يشير الاستطلاع والمقابلات الذين أجريناهم إلى أنّ المدراء الذين يمتلكون الخبرة في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يتوقعون نجاحها المستقبلي. وعلى الرغم من أن نجاحاتها المبكرة تعتبر متواضعة نسبياً، إلا أننا نتوقع أن تسهم هذه التكنولوجيات في إدخال تحول كبير على طريقة العمل في نهاية المطاف. ونحن نؤمن بأنّ الشركات التي تتبنّى الذكاء الاصطناعي باعتدال الآن – وتمتلك خططاً مستقبلياً قوية – ستجد نفسها أيضاً في موقع جيّد يسمح لها بجني المكاسب تماماً مثل من تبنّى عمليات تحليل البيانات الضخمة في وقت مبكر.

وإذا ما طبّقت القطاعات التي تعتمد اعتماداً كثيفاً على المعلومات – مثل التسويق والرعاية الصحية والخدمات المالية والتعليم والخدمات الفكرية – الذكاء الاصطناعي، فإنها يمكن وفي الوقت ذاته أن تصبح ذات قيمة أكبر وتكلفة أقل بالنسبة للمجتمع. ويمكن أن تصبح العمليات التشغيلية المضنية في كل قطاع – مثل الإشراف على العمليات الروتينية، والإجابة المتكررة عن الأسئلة ذاتها، واستخلاص البيانات من كم لا نهائي من الوثائق – مهاماً تنجزها الآلات، ما يتيح المجال للبشر من العمّال بأن يصبحوا أكثر إنتاجية وإبداعاً. كما تعتبر تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي محفّزاً أساسياً لإنجاح الأنواع الأخرى من التكنولوجيات التي تعتمد اعتماداً كثيفاً على البيانات، بما في ذلك المركبات الذاتية القيادة، وإنترنت الأشياء، وخدمات الأجهزة المحمولة والمتنقلة، وتكنولوجيات المستهلك المتعدّدة القنوات.

اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي 

يكمن الخوف الأكبر من تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في أنها سوف تتسبب في تسريح جماهير غفيرة من العمال. وبطبيعة الحال، من المحتمل أن يحصل بعض الفقدان في الوظائف، مع تولي الآلات الذكية لبعض المهام التي كان البشر هم من ينجزها تقليدياً. لكنّنا نؤمن أنّ معظم العمال لا يجب أن يشعروا بأي قلق في الوقت الحاضر. فأنظمة الذكاء الاصطناعي تؤدّي بعض المهام، وليس وظائف كاملة. وقد كانت الخسائر في الوظائف البشرية التي رأيناها حتى الآن ناجمة بصورة أساسية عن استنزاف العمّال الذين لم يعيّن أحد مكانهم أو عن أتمتة المهام التي كانت تُعهّد إلى جهات خارجية. وتعتبر معظم المهام التي تؤدّيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي حالياً مكمّلة لأنشطة البشر، أو تغطّي مهاماً ضيّقة تقع في نطاق وظيفة أوسع، أو تؤدّي مهاماً لم يكن البشر هم من ينجزها في المقام الأوّل، مثل تحليل البيانات الضخمة.

معظم المدراء الذين نناقش معهم قضية فقدان الوظائف ملتزمون باستراتيجية تعتمد على التكامل – أي ضمان التكامل بين عمل البشر والآلات، عوضاً عن استبدال البشر بالكامل. ففي استطلاعنا، أشار 22% من المدراء التنفيذيين إلى أنهم اعتبروا تخفيض أعداد اليد العاملة أحد المكاسب الأساسية من الذكاء الاصطناعي.

نحن نؤمن بأنّ على كل شركة كبيرة أن تستكشف استعمالات الذكاء الاصطناعي، ولا شكّ بأنّ الطريق سيكون مليئاً بالمطبات، وليس هناك مجال للتراخي بخصوص قضايا إحلال القوى العاملة وأخلاقيات الآلات الذكية. ولكن بوجود التخطيط والتطوير الصحيحين، فإنّ تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يمكن أن تمهّد السبيل إلى العصر الذهبي للإنتاجية والرضا في العمل والرخاء.

اقرأ أيضاً:

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!