تابعنا على لينكد إن

هناك الكثير من الإثارة الآن حول موضوع كيف سيغير الذكاء الاصطناعي قطاع الرعاية الصحية. ولا غرابة في ذلك، نظراً لظهور العديد من تقنيات الذكاء الاصطناعي التي ساعدت البشر على تبسيط العمليات الإدارية والطبية في قطاع الرعاية الصحية. ووفقاً لشركة رأس المال الجريء روك هيلث (Rock Health)، تمكنت 121 شركة ذكاء اصطناعي إلى جانب تقنية تعلم الآلة في القطاع الطبي من جمع 2.7 مليار دولار في 206 صفقات في الفترة ما بين 2011 و2017.

يبدو الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة مجالاً واسعاً، حيث يشمل حفظ الصحة والتشخيص إلى التقنيات التشغيلية الطبية؛ إلا أنه مجال ضيّق أيضاً من ناحية أنّ استخدامات الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة تؤدي عادة مهمة واحدة فحسب. وفي هذا السياق، قمنا بتفحص قيمة 10 استخدامات واعدة للذكاء الاصطناعي، ووجدنا أنها يمكن أن توفّر ما يصل إلى 150 مليار دولار سنوياً من نفقات قطاع الرعاية الصحية الأميركية بحلول العام 2026.

وقد حددنا هذه الاستخدامات بذاتها بناء على مدى تبني الشركات لها، واستناداً إلى إمكانياتها في توفير التكاليف سنوياً. وتبين لنا أنّ تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تكون ذات قيمة أكبر في مساعدة أطباء الخطوط الأمامية من ناحية تحسين إنتاجيتهم وجعل العمليات الخلفية أكثر كفاءة، لكن هذه التقنيات لم تدخل بعد في عمليات اتخاذ القرارات الطبية أو تحسين نتائجها. وهكذا نجد أنّ استخدامات الذكاء الاصطناعي الطبية لا زالت نادرة.

دعونا الآن نلقي نظرة على بعض الأمثلة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في الخط الأمامي للرعاية الصحية. أثبتت تقنية الذكاء الاصطناعي جدارتها في تحسين تحليل صور الفحوصات بسرعة ودقة، حيث يحدد الذكاء الاصطناعي الشذوذات المعينة ويضعها أمام مرأى طبيب الأشعة. وفي العام 2011، وجدت مجموعة من الباحثين في مركز لانغون الطبي التابع لجامعة نيويورك، أنّ هذا النوع من التحليل المؤتمت يمكنه أن يكتشف أورام الرئة الصغيرة (في التصوير المقطعي الحاسوبي للصدر) بسرعة أكبر 62% إلى 97% من مجموعة أطباء الأشعة. وتشير النتائج التي توصلنا إليها أنّ القدرات التي يتميز بها الذكاء الاصطناعي فيما يخص تحليل صور الفحص، يمكن أن توفّر 3 مليارات دولارات، وذلك بتوفير المزيد من الوقت على أطباء الأشعة للتركيز على مراجعة الحالات التي تتطلب تحليلاً وحكماً بشرياً أعمق.

وثمة مجال آخر يتمثل في الجراحة الروبوتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فإن أخذنا جراحة تقويم العظام، على سبيل المثال، سنجد أنّ أحد الروبوتات المساعدة يستطيع تحليل البيانات من السجلات الطبية ما قبل الجراحة من أجل التوجيه العملي لأداة الجرّاح في الوقت الحقيقي أثناء إجراء العملية. يستطيع هذا الروبوت كذلك أن يستخدم التجارب الجراحية الفعلية السابقة لتحسين التقنيات الجراحية الجديدة. وقد كشفت دراسة أجريت على 379 مريضاً عبر تسع غرف جراحة أنّ الروبوت المدعوم بالذكاء الاصطناعي الذي أنتجته شركة مازور روبوتيكس (Mazor Robotics) تمكّن من تخفيض المضاعفات الجراحية خمس مرات أقل بالمقارنة مع عمل الجراحين بمفردهم. وكشف بحثنا، أنه إذا ما اُستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل صحيح ومناسب في جراحة تقويم العظام، فإنّ الجراحة بمساعدة الروبوت المدعوم بالذكاء الاصطناعي بإمكانها أيضاً تخفيض ما نسبته 21% من مدة بقاء المريض في المستشفى بعد الجراحة، وذلك نتيجة لقلة المضاعفات والأخطاء الطبية، ما يوفّر 40 مليار دولار سنوياً.

كما يجري استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أيضاً في المشكلة المكلّفة مالياً والمتمثلة في أخطاء جرعات الأدوية، حيث تشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أنّ الذكاء الاصطناعي يستطيع توفير 16 مليار دولار سنوياً. وبهذا الصدد، كشفت تجربة ثورية أجريت في العام 2016 في كاليفورنيا أنّ صيغة رياضية وُضعت بمساعدة الذكاء الاصطناعي تمكنت من التحديد الدقيق لجرعات الأدوية الكابحة للمناعة التي تستخدم لمعالجة المرضى الذين زرعوا أعضاء جديدة. من ناحية تقليدية، يعتمد تحديد الجرعة على مجموعة من القواعد العامة والحدس الناجم عن الخبرة، وتمثل أخطاء تقدير الجرعات المناسبة ما نسبته 37% من إجمالي الأخطاء الطبية التي يمكن تجنبها. ومع أنّ تقنية تحديد الجرعات باستخدام الذكاء الاصطناعي لا زالت ناشئة، إلا أنها مثال بارز وقوي لأن الجرعة الصحيحة ليست أمراً جانبياً، بل هي شرط لازم للتأكد من عدم رفض جسد المريض للعضو بعد زراعته.

وذات الأمر مع استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة الأطباء على اتخاذ أحكام طبية أو تشخيصية أدق، لا زال هو كذلك في أول تطوره، إلا أنّ بعض النتائج بدأت توضّح قدراته الواعدة. وفي هذا السياق، قامت مجموعة من الباحثين في جامعة ستانفورد باختبار خوارزمية ذكاء اصطناعي لكي تتنافس مع 21 طبيباً متخصصاً في الأمراض الجلدية لمعرفة قدرة التقنية على تحديد أمراض سرطان الجلد والتعرف عليها. وقد كشفت النتائج الطبية، كما نقلت ذلك مجلة نيتشر (Nature ) العام الماضي، “عن تحقيق الخوارزمية أداء متساوياً مع جميع الأطباء المختبرين، ما يوضّح قدرة الذكاء الاصطناعي على تصنيف أمراض سرطان الجلد بمستوى من الكفاءة يضاهي أطباء الأمراض الجلدية”. وتشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أنّ الذكاء الاصطناعي قادر على توفير 5 مليار دولار سنوياً من خلال أدائه للفحوصات الأولية قبل أن يدخل المريض لقسم الطوارئ.

من جانب آخر، بدأنا نشهد كذلك إمكانية المساعدات الافتراضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، على خدمة المرضى ومرافقتهم مثل الممرضات. ولو أخذنا على سبيل المثال المساعدة الافتراضية “مولي” (Molly)، التي طورتها شركة سنسلي (Sensely)، سنجد أنها ممرضة رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي وتمثل شخصية افتراضية تؤدي مهامها، وقد بدأت جامعة كاليفورنيا وهيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة (NHS) باستخدام هذه التقنية للتفاعل مع المرضى، وطرح الأسئلة عن صحتهم، وتقييم أعراضهم، ومن ثم توجيههم إلى القسم الطبي الأكثر مناسبة لعلاجهم. وتقدر بحوثنا أنّ الممرضات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بإمكانها توفير 20 مليار دولار سنوياً، من خلال توفير 20% من وقت الممرضات الذي ينفقنه على مهام رعاية المريض.

لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على هذه الأمثلة فحسب، بل هو قطاع واعد أيضاً يمكنه مساعدة قطاع الرعاية الصحية على إدارة مشاكل ونقائص المكاتب الطبية الخلفية، والتي تكلّف أموالاً طائلة. وتشير الإحصائيات إلى أنّ الأنشطة التي لا تتعلق برعاية المرضى تستهلك أكثر من نصف (51%) عمل الممرضات وما يقرب من خمس (16%) أنشطة الأطباء. وهنا يبرز دور التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل تحويل الأصوات إلى نصوص مكتوبة، حيث يمكن لهذه التقنية أن تحسّن من إجراءات الأعمال الإدارية وتقضي على الأنشطة المستنزفة للوقت والتي لا تتعلق برعاية المرضى، مثل كتابة الملاحظات الطبية، وملء الوصفات وترتيب الفحوصات. ووفق بحثنا، قدّرنا أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا الجانب يمكن أن يوفّر على القطاع 18 مليار دولار سنوياً.

وبهذا الصدد، جذب مركز بيث الطبي (Beth) في بوسطن، الاهتمام ولفت الأنظار لاستخدامه الذكاء الاصطناعي لفحص أمراض السرطان، إلا أنّ أول استعمال له لتقنية الذكاء الاصطناعي كان أكثر ابتذالاً؛ لأنه استخدمه في تقليص معدلات إعادة القبول في المستشفى والكشف عن التأخيرات والغيابات المحتملة. فقد قام خبراء التقنية في المركز، باستخدام تعلم الآلة، لتطوير برنامج يتوقع المرضى الذين من المرجح ألا يأتوا للمركز أو يتأخروا في تلقي العلاج، وذلك لكي يتاح للمركز الطبي التخطيط المسبق للوقت الإضافي.

من جانب آخر، تكبّد الأخطاء والعمليات الاحتيالية قطاع الرعاية الصحية ومؤسساته الكثير من الأموال، وهو ضرر يمتد إلى شركات التأمين الطبية أيضاً. من ناحية تقليدية، يتم الكشف عن العمليات الاحتيالية بناء على مجموعة من المراجعات الحاسوبية (القائمة على قواعد محددة) والتدقيق اليدوي للدعاوى الطبية. وكما لاحظتَ ذلك ولا بدّ، فهي عملية مستنزفة للوقت ويعتمد نجاحها على سرعة الكشف عن الاحتيالات بعد وقوع الحادث، بغية تسوية الوضع. وفي الوقت الحالي، تقوم شركات التأمين الصحية بتجربة تقنيات التنقيب عن البيانات بمساعدة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دمجها مع الشبكات العصبية القائمة على الذكاء الاصطناعي (حيث تحاكي هذه الشبكات أنشطة الدماغ البشري، لكن بسرعة أكبر)، وذلك لتفحص الدعاوى الطبية بغية التقاط أنماط عمليات الاحتيال للحصول على تعويضات التأمين الصحي. ووفق بحثنا، قدّرنا أنّ الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يوفّر 17 مليار دولار سنوياً، من خلال تحسين سرعة ودقة عملية اكتشاف الاحتيالات في الدعاوى الطبية المرفوعة للحصول على تعويضات.

وبعيداً عن الاحتيال في التأمين الطبي، نجد أنّ الضجة الناجمة عن خروقات البيانات، مثل فيروس وانا كراي (WannaCry) أو بيتيا (Petya)، التي وقعت خلال السنوات القليلة الماضية، جعلت الأمن الرقمي شاغلاً رئيسياً لمؤسسات الرعاية الصحية. وتخبرنا الإحصائيات أنّ الخروقات الأمنية في قطاع الرعاية الصحية تكلّف المؤسسات 380 دولار لكل مريض مسجّل لديها. وقد بينت البحوث أنّ استخدام تقنية ذكاء اصطناعي لمراقبة واكتشاف التفاعلات غير الطبيعية في البيانات التي تملكها المؤسسة الطبية، من شأنه أن يوفّر 2 مليار دولار من خلال تقليص حوادث انتهاك بيانات السجلات الطبية.

لقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي أكثر شيوعاً وانتشاراً، وينبغي على شركات الرعاية الصحية الاستثمار فيها لتحقيق أقصى استفادة منها. ومع أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الحكم الطبي واتخاذ القرار لا يزال ناشئاً، ويتطلب المزيد من الوقت للنمو والتطور. إلا أنّ استخدامات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها أن تقدم فوائد عظيمة اليوم (مثل الجراحة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، والممرضات الافتراضية، والإجراءات الإدارية) لا بدّ أن تُمنح الأولوية ويتم الاستثمار فيها، لأنها ستجعل مؤسسات الرعاية الصحية وشركات التأمين تربح الكثير من الوقت، ما يتيح لها أن تركّز كل جهدها على تقديم خدمات طبية أفضل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz