يحدث دائماً أن يجتمع عدة مدراء في أحد المنتجعات لمدة يومين بغرض التوصّل إلى "خطة استراتيجية" ينجزونها ويتوجهون إلى منازلهم. ولكن هل يقومون بتصميم خطة ذات استراتيجية فعلاً؟

في بداية جلساتي العامة حول التخطيط الاستراتيجي اطلب من الحضور، الذين يتراوحون ما بين أعضاء مجلس إدارة ورؤساء تنفيذيين إلى مدراء متوسطين، أن يدونوا مثالاً لاستراتيجية على ورقة. ينظرون نحوي متسائلين عندما يدركون أنها مهمة صعبة، وأنا أؤكد لهم أنها مهمة صعبة، فيستمرون بالتدوين.

دائماً ما تبهرني النتائج وتبهرهم أيضاً. هنا مثال من قائمة الإجابات التي حصلت عليها من آخر جلسة: إجراءات (إطلاق خدمة جديدة؛ إعادة النظر في ملاءمة شركتنا لأعمال التقاعد)؛ نشاطات (تسويق منتجاتنا عبر القنوات المناسبة)؛ أهداف (تحقيق ربح صاف يبلغ 100 مليون دولار)؛ وتوصيفات واسعة للوضع الحالي (عملية تخطيط من بداية تصنيع المنتج إلى نهايته؛ العمل لصالح أصحاب المصلحة).

عذراً، ولكن لا يمكن تصنيف أي من هذه الإجابات على أنها استراتيجية.

للأسف عندما يتحدث المسؤولون التنفيذيون عن "الاستراتيجية" فإنهم غالباً ما يرتبكون بشأن معناها الفعلي. لمَ هذا الارتباك؟ المشكلة تبدأ بالكلمة ذاتها- إذ أنه غالباً ما يُساء فهم هذا المفهوم في مجال الإدارة. يقع الخلط الأساسي بين "الهدف" و"الاستراتيجية" و"الإجراء". (أرى هذا الأمر كثيراً في الاستراتيجيات المنشورة). لذلك أغتنم الفرصة وأخبر جمهوري ليستفيدوا من هذه المعلومة.

"الهدف" هو الأمر الذي تعمل على تحقيقه – علامة نجاح المؤسسة. وفي الجانب الآخر يقع مفهوم "الإجراء" وهو ما يحصل على المستوى الفردي- والذي يُعرض على المدراء يوماً بعد يوم. ولهذا عندما يفكرون بالاستراتيجية يركزون على الأفعال التي يقومون بها، ولكنها لا تُعد استراتيجية أيضاً؛ إذ تقع "الاستراتيجية" في مكان بين هذين المفهومين على مستوى المؤسسة، ولا يمكن للمدراء أن "يشعروا" بها بالطريقة ذاتها؛ فهي فكرة تجريدية. يملك الرؤساء التنفيذيون ميزة هنا لأنهم الوحيدون أصحاب النظرة الكاملة للمؤسسة.

ويُعد مفتاح الاستراتيجية هو أنها تحدد موقع إحدى الشركات مقابل الشركات الأخرى- شركة جي إم مقابل فورد وتويوتا على سبيل المثال. ماذا يعني تحديد الموقع؟ هو تحديد موقع الشركة ضمن العوامل الاستراتيجية المتعلقة بكل مجموعة من أصحاب المصلحة.

تعد المؤسسة جزءاً من نظام يتكون من معاملات بين المؤسسة ذاتها وأصحاب المصلحة الرئيسيين مثل العملاء والموظفين والموردين وحملة الأسهم. وتختلف المؤسسات طبعاً في تفاصيل هذه المجموعات بناء على درجة تعقيد المجال الذي تعمل فيه الشركة.

وتتمثل مهمة فريق التخطيط الاستراتيجي في تحديد المواقع ضمن هذه العوامل بهدف تقديم قيمة لأصحاب المصلحة الرئيسيين وتحقيق هدف المؤسسة. لنرجع إلى أحد الأمثلة ضمن قائمة الإجابات الخاصة بالجلسة: "تحقيق ربح صاف يبلغ 100 مليون دولار"، هذا هدف وليس استراتيجية؛ إذ أنّ الاستراتيجية تخدم الهدف بتحديد موقع الشركة ضمن العوامل الاستراتيجية المتعلقة- بالنسبة للعملاء في هذه الحالة.

لنقل أنّ فريق التخطيط الاستراتيجي حدد "السعر" كعامل استراتيجي. في هذه الحالة لنأخذ إحدى الشركات الإسترالية التي تنتج مواد غذائية وتحمل علامتها التجارية بصمة محلية. حددت هذه الشركة موقعها بكل وضوح ضمن هذا العامل: "ضمان أقل سعر لمنتجاتها. وفي حالة الاحتمال المستبعد وهو أن يجد العميل سعراً أقل، سنتغلب عليه فوراً". هذا هو موقع الشركة ضمن عامل السعر. من جهة أخرى لننظر إلى تويوتا. أحد العوامل الاستراتيجية المتعلقة بالنوع ذاته من الأهداف بالنسبة للعملاء هو "السلامة". بمراجعة مواد الشركة يمكننا تحليل موقعها في هذا المجال على أنه: "السلامة هي الأساس، وسياراتنا من بين الأكثر تطوراً وموثوقية وأماناً".

وبهدف ضمان التنفيذ، على فريق التخطيط الاستراتيجي أن يحدد بعض الإجراءات على مستوى المشروع أو البرنامج. كان على مطاعم ماكدونالدز أن تفعل هذا عندما أخذت هذا الموقع ضمن عامل "مجموعة المنتجات": مجموعة وجبات تقليدية مع تأكيد قوي على عنصر السلطة ومع إضافة خيار إمكانية تصميم العملاء لشطيرة "البرغر" الخاصة بهم. كذلك العروض الخاصة الدورية لإثارة اهتمام العميل. يمكنك تصور الإجراءات عالية المستوى التي قد تتبع ذلك مثل: تصميم برنامج تدريبي لجميع الموظفين في مجال إجراءات التعامل مع الأطعمة المعدة بناء على الطلب.

إذا ألقيت نظرة عن بعد للعملية التي ذكرتها، يمكنك أن ترى أنها تتضمن تصميماً للنظام. إذ تُؤخذ مجموعات أصحاب المصلحة الرئيسيين بالترتيب لمعرفة ما تريده المؤسسة من هذه المجموعات (الهدف) وما يريده أصحاب المصلحة من المؤسسة (العامل الاستراتيجي)- على سبيل المثال، عند الحديث عن رغبة العملاء بأداء فعال ضمن عوامل السعر وخدمة العملاء. يجب على فريق التخطيط الاستراتيجي تقرير موقع المؤسسة ضمن هذه العوامل (الاستراتيجية). وسيكون هذا مشروطاً بدراسات العملاء بالتأكيد. وبتكرار هذا الأمر مع جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين، تأتي الخطوة التالية المتمثلة في ضمان الانسجام- وهو التناسب بين شؤون الموظفين وشؤون العملاء وشؤون الموردين وما إلى ذلك- ومن ثم تصميم النظام.

تتبلور خلاصة تجربتي في العمل مع العملاء على مدى عدة أعوام في أنّ الفرق التنفيذية تفشل في معالجة مسألة التخطيط الاستراتيجي من منظور تصميم النظام. وأحد الأسباب الرئيسية وراء هذا هو أنّ مدراء هذه الفرق يعالجون المهمة من وجهة نظر إدارية تشغيلية مثل الشؤون المالية والموارد البشرية والتسويق والعمليات. وكنتيجة لهذا فهم يتحدثون عن "الإجراء" عندما يكون هدفهم التفكير في "الاستراتيجية". يحثّ اتباع نهج أصحاب المصلحة في التخطيط الاستراتيجي على رفع المدراء من تفكيرهم إلى مستوى المؤسسة.

تذكر أنّ التخطيط الاستراتيجي رحلة وليس مشروعاً، وأنّ الخطط تحتاج إلى تعديل مستمر. لا بأس في أن تبدأ خطتك باجتماع لمدة يومين ولكن لا تقف هناك أبداً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!