الأنشطة الجانبية الاستراتيجية

12 دقيقة
الأنشطة الجانبية الاستراتيجية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليكم هذه القصة التي تتحدث عن الأنشطة الجانبية الاستراتيجية لدى بعد الشركات. أمضى أميت بالي السنوات السبع الأولى في مسيرته المهنية كمراسل لصحيفة واشنطن بوست. ورغم أنه عمل لساعات طويلة، وتولى مهاماً في مناطق الحروب في الشرق الأوسط، إلا أنه خصص بعض الوقت أيضاً ليكون عضو مجلس إدارة في صحيفة جامعته الأم التي تخرج فيها، حيث كان بوسعه مساعدة الصحفيين الطامحين والتعرف على آليات عمل الجمعيات التي لا تتوخى الربح. وبعد أن غادر بالي صحيفة واشنطن بوست والتحق بكلية الأعمال، انضم إلى ماكنزي (McKinsey) ليعمل فيها استشارياً – وهو عمل آخر شاق. لكنه مجدداً منح الأولوية للتطوع، حيث اضطلع بتوزيع أشخاص للرد على المكالمات ليلاً وخلال عطلة نهاية الأسبوع لصالح “تريفور بروجيكت” (Trevor Project)، وهي جمعية تعمل على منع ظاهرة الانتحار في أوساط بعض فئات الشباب. في نهاية المطاف، انضم إلى مجلس إدارتها (إفصاح: أحدنا يشغل عضوية مجلس الإدارة في الجمعية)، ما ساعده على الاطلاع على التحديات المالية وتحديات التشغيل التي تواجه هذه الجمعيات، كما ألهمه ذلك أن يزيد من انخراطه في أنشطة ماكنزي التي لا تتوخى الربح. وصلت هذه الحلقة الفاضلة في نهاية المطاف إلى ذروتها عندما عُيّن في منصب الرئيس التنفيذي لتريفور بروجيكت في 2017. يشرح بالي الأمر قائلاً: “بما أنني استثمرت وقتي خارج العمل في أشياء أشعر بالشغف تجاهها، فإن ذلك سمح لي بتعلم أمور جعلتني أفضل في أداء وظيفتي. كما حضّرتني هذه التجارب لتولي أدوار قيادية لم أكن أعلم أنني سأتولاها في المستقبل”.

هذه هي قوة تولي مهام إضافية خارج مؤسستك بطريقة استراتيجية.

اقرأ أيضاً: استراتيجيتك للأجهزة المحمولة لا يجب أن تقتصر على الهواتف فحسب

ما الذي يعنيه الانخراط في نشاط خارجي؟

ينهمك الكثير من المدراء والقادة في التركيز على وظائفهم وشركاتهم الحالية. والعديد منهم يؤمن ببساطة أنه لا يستطيع النجاح إلا من خلال تركيز ذهنه على شيء واحد فقط. وبطبيعة الحال، فإن معظم الناس الآن باتوا يدركون أن تحقيقك للتقدم في مسيرتك المهنية، ولاسيما للوصول إلى مناصب الإدارة التنفيذية العليا، يتطلب منك امتلاك خبرات متنوعة واستكشاف الفرص في مجموعة متنوعة من الوظائف والقطاعات والمناطق الجغرافية. لكن التفكير العام السائد هو أنك عندما تحصل على دور ينطوي على تحديات ويتطلب منك بذل جهد إضافي، فإنك يجب أن توليه انتباهك الكامل لكي تضمن تميزك، وتهيئة نفسك للخطوة التالية. يمكن لهذه المقاربة أن تعطي النتائج المرجوة على المدى القصير. بيد أن عملنا مع آلاف التنفيذيين إضافة إلى خبراتنا الشخصية سمحا لنا أن نكتشف أن ذلك يمكن أن يعزز تطورك على المدى البعيد بل وحتى يمكن أن يطور مسيرتك المهنية.

لماذا؟ الآن وأكثر من أي وقت مضى، يُعتبرُ الانخراط في أنشطة جانبية استراتيجية أحد الشروط الأساسية للتنفيذيين. فوتيرة التغيير والزعزعة تصعّب أيضاً على الأقسام المتخصصة بالتعلم في الشركات الكبرى، وكليات الإدارة، وبرامج التعليم المخصصة للتنفيذيين مهمة إبقاء مناهجها التعليمية مواكِبة للتطور الحاصل. ونتيجة لذلك، فإن القادة الراغبين في الصعود – ومساعدة مؤسساتهم على النجاح والازدهار – بحاجة إلى العثور على طرق لتوسيع مجال رؤيتهم وبناء معارفهم ومهاراتهم وصِلاتِهم في خضمّ إنجازهم لأعمالهم اليومية.

يتجاوز ذلك مجرّد حضور المؤتمرات المتخصصة ضمن قطاع العمل، أو المناسبات المخصصة للتعارف، أو تلقي الدروس الليلية. نحن هنا نتحدث عن انخراط ذي مغزى في أنشطة خارجية تساعدك في التعرف على شخصيات ومعلومات وثقافات جديدة، لكنها بطريقة من الطرق متوافقة مع اهتماماتك الشخصية وعملك الأساسي الحالي أو المستقبلي. يمكن أن يشمل ذلك عضوية مجالس إدارة مؤسسات عامة أو خاصة أو جمعيات لا تتوخى الربح؛ والتعليم، أو الزمالات، أو النشر، أو إنتاج الأفلام؛ والخدمة العامة أو المدنية على المستوى الفيدرالي أو على مستوى الولاية أو البلدية؛ وتقديم المشورة للشركات الناشئة أو الاستثمار فيها؛ وتولي أدوار قيادية في جمعيات أو نواد مهنية؛ والحديث في منتديات للأفكار، أو مهرجانات، أو مؤتمرات أو تنظيم مناسبات من هذا النوع. انظر إلى نفسك بوصفك شخصاً يمتلك محفظة تكون فيها وظيفتك في المنتصف تماماً، مع وجود أنشطة خارجية تحيط بها وتكمّلها، بحيث تطبّق ما تعلمته في كل جانب منها على الجوانب الأخرى.

الأنشطة الجانبية الاستراتيجية

عندما أجرينا استطلاعاً شمل 122 من كبار التنفيذيين الذين ينتمون إلى طيف واسع من القطاعات، اتفق الجميع على أن الانخراط في أنشطة جانبية هو أمر أساسي لنجاح القائد اليوم وفي المستقبل. وقال الجميع باستثناء شخص واحد إن المؤسسات تستفيد أيضاً عندما يمتلك الموظفون هذه الخبرات. وقد أخبرنا أكثر من 100 شخص أنهم قد أخذوا بالحسبان الأنشطة الخارجية للموظفين عندما درسوا مدى ملاءمتهم للوظائف في إطار خطط التعاقب الوظيفي.

اقرأ أيضاً: الاستراتيجية الرقمية الجيدة تخلق سحباً جاذبياً

ورغبة منا في تحديد الطريقة التي يتمكن القادة بها من العثور على الفرص الصحيحة وما الذي يكسبونه منها، أجربنا مقابلات معمقة مع قادة يعملون في القطاعين العام والخاص، ومن أعمار مختلفة، وفي مراحل مختلفة من مسيراتهم المهنية، لكننا اخترناهم من الأشخاص الذين كانوا يشكّلون تجسيداً عملياً لتلك الفلسفة. وقد لخصنا في هذه المقالة عصارة التجارب والدروس التي خلصوا إليها.

أخبرَنا أكثر من 100 تنفيذي أنهم قد أخذوا بحسبانهم الأنشطة الخارجية للموظفين عندما درسوا مدى ملاءمتهم للوظائف في إطار خطط التعاقب الوظيفي.

كيف تدخل ذلك حيز التنفيذ؟

إيجاد الوقت

واحد من أكبر العوائق التي تواجه التنفيذيين هي امتلاك جدول مواعيد ممتلئ عن آخره. فنظراً لكل المتطلبات المهنية والشخصية، قد يبدو من المستحيل أن تضيف أي شيء إلى قائمة مهامك. لكن تجربتنا المشتركة أوضحت أن بوسعك إيجاد الوقت إذا منحت الأولوية لذلك (وإن كان ذلك يعني التنازل عن بعض الليالي وعطل نهاية الأسبوع). بوسعك، على سبيل المثال، تخصيص ساعة أو أكثر من جدولك الزمني كل أسبوع لهذه الأنشطة. كما أن دعوة أصدقائك أو شريك حياتك أو أفراد أسرتك – أي الناس الذين ترغب في إمضاء وقتك معهم في جميع الأحوال – للانضمام إليك في هذه الأنشطة يمكن أن يكون تجربة تغنيك وتغنيهم وتشكل مكسباً لك ولهم. وإذا كنت قادراً على إشراك مجموعة صغيرة من المتخصصين الذين يشابهونك في العقلية أو ربما موظفيك الأحدث عهداً الذين يشاركونك اهتماماتك في هذا المسعى، فإن ذلك الأمر سيساعدك في المحافظة على التزامك، وسيوفر لك أشخاصاً تتبادل الأفكار معهم. وإذا ما حظيت بالدعم من مديرك لهذه الفكرة، فإنه ربما سيسمح لك بتخصيص جزء من ساعات عملك لتمضيها في السعي وراء شغفك الخارجي.

ما حجم الوقت الذي يجب أن تمضيه في هذه الأنشطة الواقعة خارج الإطار المباشر لعملك؟ قال المشاركون في استطلاعنا إن الرقم يجب أن يكون ما بين 10% و20%، دون أن تكون النسبة متساوية كل يوم، أو أسبوع، أو شهر. في غالب الأحيان، بوسعك أن توزع التزاماتك بالمشاريع الخارجية على فترات زمنية متباعدة. مجموع الأوقات التي تمضيها يمكن أن ينخفض لا بل يجب أن ينخفض إلى 2% عندما تكون منشغلاً جداً في حياتك العملية والعائلية، أو قد يرتفع ليصل إلى 30% عندما لا يكون الحال كذلك. بعبارة أخرى، أنت بحاجة إلى أن تنجز المطلوب منك في عملك وحياتك العائلية قبل أن تتولى مسؤوليات إضافية. أما إذا وجدت متسعاً من الوقت، فاغتنم الفرصة.

كارا ميدوف بارنيت هي المديرة التنفيذية لمسرح الباليه الأميركي وأم لثلاث فتيات، يبلغن من العمر عشر سنوات، وثماني سنوات، وأربع سنوات. لكنها مرتبطة أيضاً بمؤسسة “أميركان ثييتر وينغ” (American Theater Wing) المسرحية الأميركية التي تبقيها على تواصل بنوع مختلف من الفنون الأدائية، وقد أتمت لتوها فترة خمس سنوات كعضوة مؤقتة في مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations)، ما يساعدها في تكوين فهم أفضل للقضايا التي تواجه الفنانين في مؤسستها علماً أنهم ينحدرون من 15 بلداً. تشرح بارنيت الأمر قائلة: “أفكر كثيراً فيما أطيق وما لا أطيق خارج نطاق عملي الذي أتفرغ له وخارج نطاق حياتي العائلية النشطة”. ولا يشمل ذلك قول كلمة “لا” فحسب وإنما أقول أيضاً “ليس الآن” للعديد من المجموعات، عدا عن أنها تنتقي الأشياء التي تملأ بها جدولها الزمني بعناية، كأن تخصص ليل الجمعة من كل أسبوع، على سبيل المثال، لإمضاء الوقت مع زوجها وأطفالها. تقول بارنيت: “يكمن المفتاح الأساسي في أن تكون حاضراً ذهنياً في الغرفة التي تجد نفسك فيها. وعندما تكون في مزاج العمل، يجب أن تكون حاضراً بكل جوارحك. وعندما تكون في المنزل مع أطفالك، أبعد هاتفك عن متناول يدك بحيث تكون قادراً على قراءة القصص لأطفالك قبل النوم دون تفقد بريدك الإلكتروني. وبالنسبة للأنشطة الأخرى، شارك في الأنشطة التي تحفز الفضول الفكري وحب الاستطلاع لديك. اجتمع مع أشخاص لن تكون قادراً على الاجتماع بأمثالهم في قطاعك أو مكان عملك الحالي. دع آفاقك تكون رحبة”.

شغل الراحل ديفيد ستيرن، وهو محامٍ أصبح رئيس الرابطة الوطنية لكرة السلة الأميركية، عضوية عدة مجالس إدارة طوال مسيرته المهنية، واتفق مع أهمية ضم هذه الالتزامات الخارجية المفيدة إلى جدول أعماله المزدحم بالمواعيد أصلاً، وقد ذكر أن علاقته بأشخاص مختلفين واطلاعه على مقاربات مختلفة لحل المشاكل قد زوداه بالمهارات التي احتاجها للتفاوض على اتفاق مساومة جماعي رائد بين لاعبي الرابطة الوطنية لكرة السلة الأميركية والمالكين في 2011. شرح لنا ستيرن رأيه قائلاً: “مهما كانت درجة انشغالك، يجب أن تتعلم. ولطالما دفعت نفسي في هذا الاتجاه عبر طرح السؤال التالي على نفسي: “ما الذي فعلته اليوم لكي أوسع قدراتي؟ أعتقد أن هناك الكثير الذي يمكن للمرء أن يتعلمه خارج جدران مكتبه”.

تحديد الأدوار

كيف بوسعك العثور على الأنشطة الجانبية الاستراتيجية والفرص الصحيحة التي تسهم في إيجاد الحلقة الفاضلة التي شرحناها أعلاه؟ أولاً، أخبر الزملاء والأصدقاء ضمن مؤسستك، ومعارفك الموثوقين أنك تبحث عن أنشطة تقع خارج نطاق وظيفتك أو المهارات المطلوبة لأدائها. استكشف الأشياء التي تثير شغفك، واستفسر من المجموعات المرتبطة بها ما إذا كان لديها أي مناصب شاغرة ستمنحك الفرصة للتعلم والتطور. ابحث عن الأصدقاء والزملاء الذين لديهم وظائف تطوعية مفيدة واعرض عليهم المساعدة. اطرح اسمك، واهتماماتك، وخبراتك من خلال المحاضرات العامة، وشبكات التواصل الاجتماعي، والنشر بحيث يبدأ الناس بعرض إمكانيات مختلفة عليك.

ينصح محمود خان، المدير العلمي السابق للأبحاث العالمية والتطوير في شركة “بيبسيكو” (PepsiCo)، والرئيس التنفيذي الحالي لشركة “لايف بيو ساينسيز” (Life Biosciences) باتخاذ “خطوات وئيدة”. شغل خان عضوية مجالس إدارة شركات عديدة، بما في ذلك شركة سمحت له عندما كان في الثلاثينيات من عمره بالمساعدة في صياغة سياسة خاصة بالصحة العامة. يقول خان: “بوسعك فعل الكثير في وقتك الخاص، مثل مساعدة منظمة غير حكومية في المجتمع الذي تعيش فيه. ابحث عن هذه الفرص. فكل تجربة يمكن أن تضيف قيمة لك”.

بعد هذه الفترة من الاستكشاف والتجريب، يجب أن تكون شديد الانتقائية بخصوص الأدوار التي ستلتزم بها بجدية. “عندما تنخرط في أنشطة خارجية، من الأهمية القصوى بمكان أن تنخرط بها لأسباب صادقة وليس لمجرد الترويج للذات أو ممارسة التعارف مع الاختصاصيين الآخرين المحتملين”. هذا ما تقوله كاثرين وايلد، رئيسة مجلس الإدارة والرئيسة التنفيذية لمؤسسة الشراكة من أجل مدينة نيويورك (Partnership for New York City)، التي تدير برنامج ديفيد روكيفيلر للزمالات (David Rockefeller Fellows Program) الذي شارك فيه أورلان.

يتفق بالي مع هذا الرأي قائلاً: “إذا كنت تمضي وقت فراغك في فعل أشياء لا تشعر بالشغف تجاهها أو لا تمنحك الطاقة، فإن هذه ستكون فرصة ضائعة لك وللأشخاص الذين كانوا سيستفيدون من آرائك لو أمضيت هذا الوقت بطريقة مختلفة”.

اعمل على ضمان اختيار دور بوسعك أن تقدم من خلاله مساهمة قيّمة. يشغل كين ميلمان، الذين كان منخرطاً في السابق في عالم السياسة لكنه يعمل حالياً في منصب الرئيس العالمي للشؤون العامة والرئيس المشارك لقسم الأثر العالمي في شركة الاستثمارات “كيه كيه آر” (KKR)، في الوقت الحاضر مناصب في مجالس إدارة كل من مستشفى ماونت سيناي (Mount Sinai Hospital) في نيويورك، و”كلية فرانكلين آند مارشال” (Franklin & Marshall College)، ومؤسسة “تيتش فور أميركا” (Teach for America)، و”سبونسرز فور إيديوكيشنال أوبورتشيونتي” (Sponsors for Educational Opportunity). يقول ميلمان: “لطالما حاولت العثور على مؤسسات لأنخرط فيها بحيث يكون بمقدوري إحداث فرق كبير”.

تبرير التزامك أثناء الخوض في الأنشطة الجانبية الاستراتيجية

عندما تتولى دوراً استراتيجياً في نشاط خارجي موازٍ لعملك الأساسي، من الحكمة بمكان في غالب الأحيان أن تطلب الإذن (أو أحياناً السماح) من صاحب عملك وعائلتك. يتمثل المفتاح الأساسي في إظهار أهمية هذا الشيء بالنسبة لك وصلته بك، سواء على مستوى المنافع الشخصية، مثل زيادة التفاعل والطاقة، أو المنافع المؤسسية، مثل الانضمام إلى شبكة أوسع (راجع المزيد من التفاصيل أدناه). ينصح خان قائلاً: “تحدى مؤسستك بطريقة ملائمة. هيئ قصة واضحة عن المنفعة التي سيحققها النشاط لشركتك ولتطوّرك، وتوافقه مع قيم شركتك. قدّم لهم التفسير المنطقي الذي يشرح كيف سيدعم هذا النشاط جهودك العملية”.

كيف يمكن للمؤسسات إلهام موظفيها لينخرطوا في الأنشطة الجانبية الاستراتيجية؟

باتت فرص الانخراط في عمل مفيد خارج أروقة المكاتب وبصورة متزايدة إحدى الأدوات المستخدمة في تعيين الموظفين واستبقائهم. ويرغب جيل الألفية الجديدة والأفراد المنتمون إلى الجيل زد (Z) (أي المولودون بعد عام 1997)، بالتحديد، في أن يعرفوا أن أصحاب العمل الذين يعملون لديهم يقدّرون تطورهم الشخصي والإسهامات التي يقدّمونها ليس إلى الشركة فحسب وإنما إلى مجتمعاتهم أيضاً.

وإليكم المثال التالي: يقول كين ميلمان، رئيس الشؤون العامة في شركة “كيه كيه آر” (KKR) إن شركته قد طبقت برنامجاً يُدعى 40 مقابل 40، يمنح الموظفين أجر 40 ساعة كل عام مقابل تقديم خدمات في جمعيات لا تتوخى الربح يشعرون بالشغف تجاهها. منذ انطلاق البرنامج قبل أربع سنوات، أمضى أكثر من 1,000 موظف من موظفي “كيه كيه آر” أكثر من 11,000 ساعة في العمل مع 220 منظمة خيرية. يقول ميلمان: “هناك الكثير من الفرص التي تستفيد منها المؤسسة عندما تبني علاقات مع الناس خارج إطار العمل. فأنت تتعلم كيف تفكّر في المشاكل في سياق معيّن وتطبقها في سياق آخر”.

بوسعك أيضاً أن تتحدث إلى مديرك بخصوص الأنشطة الجانبية الاستراتيجية وجعل مشاركاتك الخارجية جزءاً من أهدافك السنوية أو تحقيق التواؤم بين شغفك الخارجي واهتمامات صاحب عملك. فعلى سبيل المثال، بما أن أورلان كان تنفيذياً في شركة “إرنست آند يونغ” “إي واي” (EY) وعضو مجلس إدارة في “تريفور بروجكت”، فإنه ساعد في إقامة شراكة بين الاثنتين، ما سمح لمؤسسته التي لا تتوخى الربح بالاستفادة من موارد “إي واي” وموظفيها.

في وقت سابق من مسيرة ميدوف بارنيت المهنية، عندما كانت عضوة منتدبة في “لينكولن سنتر إنترناشيونال” (Lincoln Center International)، وكانت بناتها أصغر عمراً، وقع الاختيار عليها للحصول على زمالة معهد آسبن (Aspen Institute) ما استدعى منها إمضاء أربعة أسابيع بعيداً عن المنزل خلال فترة عامين. رغم أنها كانت أماً شابّة تعمل في وظيفة ضخمة، كانت تعلم أنها تختبر “تجربة تحول شخصي ونمو مهني”، لذلك تفاوضت مع مديرها، وموظفيها، وزوجها – الذي كانت تصفه بـ “الفريق الرائع في المنزل” – من أجل إنجاز المهمة.

إذا أبدى صاحب عملك تردداً في السماح لك بتخصيص الوقت لقضية خارجية أو الأنشطة الجانبية الاستراتيجية التي تريدها حتى بعد أن تكون قد حاولت إقناعه منطقياً أنها سوف تضيف قيمة إلى الشركة، فإن ذلك سيكون بمثابة علامة إنذار. يقول خان: “إذا لم تكن المؤسسة التي تعمل لديها تفهم قيمة التفاعل مع الأنشطة الخارجية، فإنها معرضة لخطر الانقراض. فلماذا ترغب أن تكون جزءاً منها؟”

ما هي المنافع على المدى البعيد؟

إعادة شحن نفسك بالطاقة

يقول كيث كراش، رائد الأعمال الذي سبق له أن أسس سلسة مشاريع ناجحة، والشريك المؤسس لشركة “أريبا” (Ariba)، والرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة السابق لشركة “دوكيو ساين” (DocuSign)، الذي عُيّن مؤخراً كمساعد لوزير الخارجية الأميركي لشؤون النمو الاقتصادي والطاقة والبيئة، أنك عندما تخصص وقتاً للأنشطة الخارجية في جدولك الزمني، فإن ذلك يمكن أن يساعدك فعلياً في تجنّب حالة الاحتراق النفسي والإرهاق الوظيفي. يقول كراش: “لقد وجدت أنه كلما زاد انشغالك، تتولى مهاماً أكثر، وبالتأكيد يتحسن أداؤك لوظيفتك”. خلال مسيرته المهنية التي بدأت في مجموعة “جنرال موتورز” (General Motors) الهندسية، خدم كراش في مجموعة من المؤسسات التي لا تتوخى الربح وشغل عضوية مجلس الإدارة في عدد من الشركات (بما في ذلك مجلس إدارة “إنجيز ليست” (Angie’s List) ومجلس إدارة “أوبورتشيونيتي إنترناشيونال” Opportunity International)، وساعد في إيجاد برنامج تدريبي على القيادة لصالح رابطة “سيغما كاي” (Sigma Chi) في جامعة بوردو (Purdue University)، التي ما زال مرشداً لها. يقول كراش: “في كل مرة أخصص إجازة لمدة أسبوع لتيسير البرنامج لصالح هؤلاء الشباب، أشعر أن بطاريتي قد شُحِنت من جديد. أشعر بالإلهام. تخطر في بالي بسبب ذلك أفكار لن تمر في بالي في أي ظرف آخر. يوسّع ذلك نطاق فهمي وتعاطفي مع الآخرين. كانت والدتي تقول لي دوماً إن الطريقة الفضلى للتعلم هي من تجارب الآخرين”.

اقرأ أيضاً: الاستراتيجية العظيمة تبدأ برئيس تنفيذي موجود في الخطوط الأمامية

بناء المعارف والمهارات والثقة

يمنحك أفضل أشكال التفاعل الخارجي إضافة إلى الأنشطة الجانبية الاستراتيجية شيئاً بوسعك أن تفيد به مؤسستك. من الأمثلة العظيمة على ذلك ما تطرحه روزان هاغيرتي، التي تشغل منصب رئيسة مجلس الإدارة والرئيسة التنفيذية في “كوميونيتي سولوشنز” (Community Solutions)، المؤسسة التي تكرّس نفسها للقضاء على ظاهرة التشرد وأسبابها. في عمر الثلاثين، كانت قد أسست جمعيتها الأولى التي لا تتوخى الربح، وفي ذات الفترة تقريباً، تقدمت بطلب لتشغل عضوية مجلس الأمناء في الكلية التي تخرجت فيها، “أمهيرست كوليدج” (Amherst College). رغم أن الإيفاء بالالتزامين دفعة واحدة كان مهمة شاقة، على حدّ رأيها، إلا أن “التوقيت كان مثالياً حيث إنني تلقيت تعليماً قيّماً بخصوص ما الذي يعنيه العمل مع مجلس إدارة وما هي الأشياء التي يجب الانتباه إليها في معرض سعيي إلى تطوير جمعيتي التي لا تتوخى الربح. كانت عضوية مجلس الأمناء ذاك تشبه الالتحاق بدورة على مستوى الماجستير في قيادة الجمعيات التي لا تتوخى الربح والإدارة على المدى البعيد. مهما كان موقعك في مسيرتك المهنية، ففي أي وقت تستطيع أن تتعلم فيه مهارات جديدة، وأن تدير مشروعاً معقداً، بل وحتى أن ترتكب بعض الأخطاء التي تستطيع النهوض منها، فإن ذلك سيكون قيّماً للغاية”.

تكوين منظور أوسع

عندما تنجز عملاً مهماً في مجالات أخرى وتنضم إلى شبكات أخرى، فإنك تميط اللثام عن فرص لم تُغتنم لك ولمؤسستك. بوسعك أن تنشئ صلات تساعدك في أن تصبح مبتكراً أو مديراً أفضل. فبعد أن مرّت عشر سنوات على شغل هاغيرتي لمنصب الرئيس التنفيذي لجمعيتها الأولى التي لا تتوخى الربح، استقطعت بعض الوقت للذهاب إلى طوكيو في إطار منحة زمالة، ودراسة قطاع المساكن المسبقة الصنع في اليابان، والاطلاع على الطريقة التي يتعامل بها مجتمع مختلف مع مسألة التشرد. تقول هاغيرتي: “أعادت هذه التجربة توجيه أسلوب تفكيري بطرق مازال صداها يتردد في حياتي”.

شغل ديفيد بيوت، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي السابق في شركة “أليرغان” (Allergan)، عضوية عدة مجالس إدارة خارج قطاع الصناعات الدوائية خلال مسيرته المهنية، وشجّع مرؤوسيه على فعل الشيء ذاته. يشرح بيوت الأمر قائلاً: “أنت تدرك حجم اختلاف العالم عندما تكون في الجانب الآخر”. وهو يقول إن الأدوار الإضافية التي تولاها ساعدته في الالتقاء بعدد أكبر من الشركاء التجاريين المحتملين، وفي تحسين قدرته على التعرف على الاتجاهات السائدة، وفهم الأسواق المستقبلية المحتملة للمنتجات مثل مادة البوتوكس التي تستعمل في الأغراض الطبية المختلفة.

تتراكم هذه الخبرات كلها لتسهم في تكوين ذهنية قيادية أكثر شمولية. حول الأنشطة الجانبية الاستراتيجية وكما يقول ميلمان: “يتغلب التفكير الجانبي على التفكير الخطي دائماً. الأمر الأساسي هذه الأيام هو طرح منظور مختلف، وتطبيقه على كل ما تفعله. وليس بوسعك فعل ذلك إذا كان انتباهك وتركيزك كلهما مقتصرين على الجدران الأربعة لمؤسستك”.

اقرأ أيضاً: استراتيجيتك الخاصة يجب أن تكون مرنة، وكذلك طريقة تنفيذها

وفي نهاية الحديث عن الأنشطة الجانبية الاستراتيجية التي تتبعها الشركات، ليس من السهل على الدوام أن تعثر على نشاط تستطيع التفاعل معه خارج إطار وظيفتك النهارية. ولكنك عندما تعثر عليه، ستجد أنه سيفتح لك الباب على مصراعيه عادة إلى العديد من الفرص. وهذه هي التجارب التي ستتحول إلى ميزتك التنافسية الشخصية. يخلص خان إلى ما يلي: “مع تزايد تعقيد عالم الأعمال، بات العثور على حل ضمن مجال أو فرع وحيد أمراً متزايد الصعوبة. وإذا ما أردت تطوير نفسك كقائد، فإنك بحاجة إلى مغادرة منطقة راحتك. فهكذا يحصل النمو الشخصي”.

اقرأ أيضاً: ما هو التفكير الاستراتيجي؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .