إذا تلقيت يوماً ما ملاحظة بأنّ "عليك أن تمتلك خطة استراتيجية في عملك" فبإمكانك أن تتصور كم ذلك محبط بالنسبة لك. والأكثر إحباطاً هو ألّا تقدم لك تلك الملاحظة أية نصيحة ملموسة حيال ما ينبغي عليك أن تقوم به في هذا الصدد. اختبرت هذه الحالة إحدى المتدربات التي أشرف على تدريبها والتي تدعى ليزا، وكانت نائب مدير الموارد البشرية، إذ تقول: "تمّ إخباري بأن عليّ توسيع دائرة تفكيري واهتمامي وأن امتلك خطة استراتيجية في عملي، بيد أنني شعرت وكأنني حصلت على تعريف لكلمة ما باستخدام الكلمة ذاتها. فذلك لم يكن مجدياً بالنسبة لي على الإطلاق".

فما هي الخطوات التي ينبغي عليك اتخاذها لتمتلك التفكير الاستراتيجي في عملك؟

ابدأ بتغيير عقليتك. إذا كنت تعتقد بأنّ التفكير الاستراتيجي إنما يخص كبار المدراء التنفيذيين فقط، فعليك أن تعيد النظر بهذا الأمر. إذ إنه من الممكن، بل من الضروري أن يحدث ذلك في مستويات العمل المؤسساتي كافة. فالتفكير الاستراتيجي جزء غير مدوّن في توصيفات جميع الوظائف في الشركات. وإذا ما أغفلت هذه الحقيقة، فإنك ستفوّت فرصة نيل الترقية في عملك أو سيتم اقتطاع جزء من الميزانية المرصودة لقسمك نظراً لضعف مساهمته الاستراتيجية في تطوير الشركة.

وعندما تقبل بأنّ ذلك الأمر هو جزء لا يتجزأ من عملك، تصبح مهمتك التركيز على تطوير 4 مهارات مهمة من شأنها أن تُظهر براعتك الاستراتيجية في عملك.     

اعرف: لاحظ وابحث عن توجهات جديدة

لم تكن ليزا ترى المشهد العام لمهامها. وذلك بسبب مشاغلها الكثيرة في العمل بالإضافة إلى السرعة التي كان عليها الالتزام بها في إنجاز تلك المشاغل، فغالباً ما كانت منغمسة كلياً بتفاصيل عملها اليومي، وغافلة عن ملاحظة التوجهات الأساسية على الصعيدين الداخلي والخارجي. لقد كانت ليزا تفتقد للمعلومات المفتاحية المهمة التي من شأنها أن تساعدها في أن تركّز على الأولويات وتكون سبّاقة في معالجة قضايا المواهب اللازمة لشركتها التي كانت تنمو بسرعة، كما كانت تؤدي عملها بأسلوب روتيني بحت ولا تهتم سوى بخطوة التوظيف القادم، من دون أن تُدرك أنها كانت بحاجة لتبني نهج جديد تماماً في توظيف العمالة والاحتفاظ بها.     

ولكي تكون استراتيجياً، أنت بحاجة إلى فهم سليم لبيئة عملك ودراية شاملة بتوجهاتها وعوامل دفعها وتحفيزها. فالتقدير الفكري والنظري لأهمية إحضار بيانات حديثة ومواكبة التوجهات الجديدة ليس كافياً. بل عليك أيضاً: أن تستكشف التوجهات الداخلية في عملك اليومي. فعلى سبيل المثال، حاول توجيه انتباهك للقضايا التي تُطرح في شركتك مراراً وتكراراً واعمل على تصنيف أبرز العقبات التي يواجهها زملاؤك في العمل. وعليك أن تكون سبّاقاً في التواصل مع أقرانك في شركتك وفي مجال عملك بشكل عام وذلك كي تتعرف على ملاحظاتهم المستقاة من خبراتهم الميدانية في السوق، وأن تشاركهم أيضاً بخبراتك واستنتاجاتك. إلى جانب أن تُدرك أهمية ما يُتيحه لك منصبك الوظيفي من معلومات فريدة ورؤى مميزة، وما لذلك من تأثير على تحديد استراتيجية الشركة. 

فكر واطرح الأسئلة الصعبة

انطلاقاً من فهمك الجديد لتوجهات العمل وقضاياه، بإمكانك التدرّب على تبني طريقة تفكير استراتيجية وذلك بأن تطرح على نفسك السؤال التالي: "كيف لي أن أوسّع دائرة اهتمامي؟"، فطرح الأسئلة هو تجسيد للرؤية الاستراتيجية. أدركت ليزا أنّ حياتها وخبراتها السابقة قد منحتها منظاراً استراتيجياً فريداً لكنه كان سطحياً. لذلك بذلت قصارى جهدها لتكثيف رؤيتها وتنمية مهارات البحث لديها. ومن خلال امتلاك المزيد من الفضول ورؤية المعلومات من مناظير مختلفة، باتت ليزا قادرة على تخفيض درجة قصر نظرها والتعرف على طيف واسع من الإمكانات والنهج والنتائج المحتملة المختلفة.

فعلى سبيل المثال، عندما كانت ليزا تعمل على مشروع للاحتفاظ بالعمالة طرحت على نفسها الأسئلة التالية: "كيف يبدو النجاح في العام الأول؟"، و"كيف يبدو في العام الثالث؟"، "ماذا يمكن أن يؤثر سلباً على النتائج؟"، و"ما هي أولى أمارات النجاح والفشل؟"، "ما هي الأمور التي على شركاء العمل أن يفهموها لضمان نجاحه؟"، و"هل تدعم النتائج الأهداف الأوسع للشركة أو المؤسسة؟". إنّ طرح ليزا لتلك الأسئلة الصعبة في بادئ الأمر جعلها تكتشف أنه كان من الأفضل لها الانخراط مبكراً مع زملائها وكبار المدراء التنفيذيين بطرق من شأنها أن تعود بالنفع على المشروع وأن تساعدها على تكوين الانطباع لدى الآخرين بأنها استراتيجية وتتمتع بفكر عميق.

تكلّم: واحرص على أن يكون كلامك استراتيجياً.

يعرف المفكرون الاستراتيجيون أيضاً كيف يتكلمون لغة واضحة واستراتيجية. إنهم يصنفون أفكارهم ويرتبونها حسب الأوليات، كما يقومون بصياغة لغة تواصلهم الشفوي كما الكتابي بطريقة تساعد المتلقي على استخلاص الرسالة الأساسية لكلامهم. إنهم لا يرضون بالواقع الراهن، بل يتحدونه ويستحثون المتلقي على طرح مسلمات هذا الواقع للنقاش؛ بل إنّ المفكرين الاستراتيجيين المتميزين يأخذون بيد المتلقي ويرافقونه في رحلة تنطلق من تحديد مواضيع النقاش، مروراً بتكوين فهم مشترك لها، لتصل في نهاية المطاف إلى تأطير الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمامهم. وقد بدا ذلك صعباً أو معقداً، ولكن هنالك طرق تساعدك على بناء تلك المهارات وشحذها:

  • حاول إدخال المزيد من البنى والتراكيب في تواصلك الشفوي كما الكتابي مع الآخرين. جمّع أفكارك الأساسية ورتبها منطقياً. ولتكن صياغتك مقتضبة قدر المستطاع.

  • هيّئ متلقيك من خلال تزويدهم برؤوس أقلام تصف لهم المواضيع الرئيسية التي ستتطرق لها، بحيث يكونون على استعداد للانخراط في سوية أعلى من النقاش.

  • اعتمد طريقة إعطاء الأجوبة أولاً، عوضاً عن التصاعد تدريجياً وصولاً إلى النقطة الأساسية.


بعد أن أدركت ليزا أنّ الطريقة التي كانت تتحدث بها قد كوّنت انطباعاً بأنها لم تكن استراتيجية في تفكيرها، بدأت بتغيير ذلك الانطباع من خلال التركيز في لقاءاتها المباشرة مع مدير الموارد البشرية على الأمور الاستراتيجية وترك مناقشة التفاصيل التكتيكية للمراسلات عبر البريد الإلكتروني. كما حصرت المواضيع المطروحة في تلك اللقاءات بموضوع استراتيجي واحد أو موضوعين كي لا يتشتت الحديث، وحرصت على أن تضع ما تطرحه من مواضيع في سياق أولويات مدير الموارد البشرية والمدير التنفيذي للشركة.

تصرف: خصّص جزءاً من وقتك للتفكير، واحتو الصراعات.

في بدايات عملي مع ليزا كان جدول أعمالها يغصّ بالمهام والاجتماعات، بحيث لم يبق لديها الوقت للتفكير ملياً بالمواضيع المطروحة للنقاش ومقارنة الخيارات المتاحة أمامها. وهكذا لم تكن قادرة على تقديم أية مساهمات استراتيجية. وبعدما أدركت أنها لم تقدم سوى جزءاً من مقدراتها الكامنة، شرعت بتقييم مهامها وفق سلم الإلحاح والأهمية، حسب مصفوفة ستيفن كوفي ذات الصفين والعمودين. وهكذا قررت التوقف عن حضور الاجتماعات غير الضرورية، وحجزت في مفكرتها محطات للتفكير والتزمت بها تماماً كما تلتزم بمواعيد اجتماعاتها مع الآخرين، وتخلصت من الشعور بالذنب والتقصير ولم تعد تسأل نفسها "هل أنا أعمل فعلاً بمجرد جلوسي وراء مكتبي أفكر دون أن أقوم بأي فعل؟".

لقد تدربت ليزا أيضاً على مهارات أساسية أخرى، فتعلمت كيف تحتوي الجدال وتستحث التحدي من دون أن تترك الأمور تنحدر إلى المنحى الشخصي، الأمر الذي سمح لها بطرح الأسئلة الصعبة. ولكي تنجح في ذلك عمدت إلى التركيز على الموضوع لا على الأشخاص ولجأت إلى زملاء حياديين لمناقشة أفكارها وتقييمها. ولتدبّر ما قد ينشأ من غموض لا يمكن تفاديه حينما يطرح المرء الكثير من الأسئلة، تعلمت ليزا أيضاً أن توضح معايير عملية اتخاذها للقرار، الأمر الذي سمح لها بأن تتصرف بشكل أفضل في مواجهة نقص المعلومات وعدم كفايتها.

إنّ مسألة بناء مهاراتك الاستراتيجية قد تكون مضنية، وقد تشعر في بداية الأمر بأنك لا تحرز أي تقدم، وكأنك تركل الرمل في المحيط، ولسوف يسود رؤيتك الغموض وأنت تتملكك مشاعر الإرباك التي سترافق مرحلة التشكيك بمسلماتك ومعتقداتك السابقة وحالة الصراعات ومشاعر الفضول لديك. ولكن ما إن ينقشع الغبار وتغدو قادراً على تقديم إسهامات استراتيجية في نقاشاتك، حتى تشعر بالسعادة الحقيقية لتحملك عناء هذه المغامرة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!