تابعنا على لينكد إن

يتطّلع العالم اليوم إلى المستقبل بحذر، وهذا بدوره ينطبق على أكثر العمال المبدعين تفاؤلاً، حتى ولو لم يعترفوا بذلك. وعلى ما يبدو، فإننا أمام المزيد من الإبداع في مجال التكنولوجيا، وأنّ العالم يرحّب بالتحولات غير القابلة للاضمحلال.  

صحيح أننا نرغب بالتغيير، وهو ما يدفعنا إلى التقدّم والتطور، إلا أنّ هذا الشعور يبقى مقترناً بشيء من عدم اليقين والقلق. إذ بات عدد كبير من العمال حول العالم يتساءلون عن مصير العمالة العادية في وجه التقدم، وعن مصيرهم خلال الأعوام المقبلة. لكنني وعلى الرغم من أنني أعتبر أنّ القلق مبرر، إلا أنني أرى أيضاً أنّ تجربة الأتمتة خلال السنوات الماضية تدفعنا إلى عدم الخوف منها في المستقبل، وعدم تجنّبها.

خلال العقود الأولى من القرن العشرين، كانت بعض المصاعد الكهربائية تتطلب عمالاً مشرفين عليها لاستقبال الناس، إذ عند دخولهم المصعد، يسألهم العامل عما يريدون شراءه. وبعد أن يتم إعلامه برغباتهم، يبدأ العامل فوراً بالعمل على لوحة تحكم تتضمن عجلات وأزرار تحكم لإغلاق باب المصعد وتغيير سرعته واتجاهه وإيصال ركاب المصعد إلى الطابق المراد الوصول إليه بشكل مريح قدر الإمكان. لم يكن هذا أمراً سهلاً حينها بالنظر إلى إمكانية وجود بعض المصاعد التي يصعب التعامل معها. إلا أنّ الوضع تغيّر اليوم، فتطورات الأتمتة باتت تضمن عملية سلسة بمجرد الضغط على زر واحد.

كانت وظيفة العامل المشرف على المصعد وجيهة ومطلوبة في بداية ومنتصف القرن العشرين، لكنها لم تعد كذلك اليوم، إذ أنّ توظيف شخص بأجر للقيام بهذا العمل يبدو أمراً غير ضروري- وغريباً أيضاً، فنحن الآن بالكاد نشعر بالوقت الذي نقضيه داخل المصعد.

إذاً، بات واضحاً تقدم الأتمتة والذكاء الاصطناعي على حساب الوظائف التقليدية مثل وظيفة عامل المصعد تلك، لكننا في النهاية سنتأقلم معها، خاصة أن بعض الباحثين كانوا قد توقعوا هذه التغييرات فلم يكن هذا التغيير مستهجناً.

بحسب دراسة أجراها محللون في مؤسسة ماكنزي العالمية (McKinsey Global Institute) في العام 2017، هنالك احتمالية في أتمتة 5% من الوظائف بشكل كامل بواسطة التقنيات المتوافرة حالياً، وبأن يقوم أتمتة حوالي نصف الأعمال المأجورة التي يقوم بها الموظفون بشكل جزئي على الأقل، في مجالات معينة كالتصنيع والتجزئة وبعض أنواع الخدمات. والأهم في الدراسة أنها توقعت أن يؤدي تطور التقنيات إلى أتمتة 50% من العمل الذي يقوم به البشر اليوم مع حلول العام 2055. تبدو هذه الإحصاءات وكأنها مقدمة لإحدى روايات الخيال العلمي، ولكنها ليس مخيفة. إذ تشير الدراسة المذكورة أعلاه إلى أنّ النتيجة المتوقعة ستزيد الإنتاجية لدى البشر وستعلي أهمية ما يسمونه بـ”العمل المعرفي”: ماذا يعني ذلك؟ كون الآلات قادرة على الإنتاج وليس على الإبداع، فإنّ الأتمتة ستفسح المجال أمام البشر للتفكير بشكل أعمق وصناعة القرارات اعتماداً على الإبداع، واستخدام الخطط والاسترتيجيات بدقّة أكبر، ما سينعكس إيجابياً على نجاح الشركات والحكومات، عن طريق رفع معدلات الإنتاج، والتقليل من عدد الأخطاء، لأن الأتمتة مهما استطاعت الحلول مكان البشر، إلا أنها لن تقدر على الحلول مكان العقل البشري الذي يستطيع الابتكار ولا يتوقف عند العمل وفق معايير وتوجيهات معينة.

من هنا، أعتقد أننا سنكون على خطأ إذا اعتبرنا أنّ الأتمتة ستقوم بـ”سرقة” الوظائف من البشر، وأدعو إلى اعتبارها داعماً أساسياً لتطورهم.

وكمثال على ذلك، دعونا نذكر ما تقوم به الإمارات العربية المتحدة التي تصدر حالياً أكثر من 250 معاملة ورقية سنوياً، والذي يتسبب بهدر ما يزيد عن 190 مليون ساعة عمل سنوياً لأجل هذه العملية. وفقاً للتوقعات التي نشرتها استراتيجية الإمارات العربية المتحدة للذكاء الاصطناعي، تحاول الحكومة توفير أكثر من 50% من التكاليف المؤسسية الحالية بحلول العام 2031، وبالتالي إذا استطعنا إسناد هذا العمل الذي يستهلك الوقت والموارد إلى الآلات، فقد يتمكن موظفو المكاتب، إذا حُرروا من أكوام العمل الورقي وإدخال البيانات بشكل روتيني، من السعي وراء الفرص التي تستفيد بشكل أفضل من قدراتهم الفكرية. في حال سار كل شيء وفق الخطة، سيتم إلغاء بعض الوظائف، لكن ذلك سيدعم النمو الاقتصادي والفكري والإبداعي. لابدّ وأنّ حكومة دبي تعتقد هذا، فقد أعلن مؤخراً نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تأسيس صندوق محمد بن راشد للابتكار وقيمته ما يفوق مليار درهم إماراتي لتمويل المشاريع الإبداعية ضمن مجالات الطاقة المتجددة والتعليم والمواصلات والرعاية الصحية على مدى الخمسة أعوام المقبلة.

تُعتبر الإمارات اليوم في موقع يمكّنها من قيادة الإبداع عالمياً، وذلك لأنها تعد حاضنة للتقدم التكنولوجي والأتمتة، إلا أنّ ذلك عليه أن يقترن بالتخطيط لدمج الذكاء البشري بالقدرات الآلية، كما على المسؤولين التنفيذيين وقادة الحكومة تخصيص الوقت والجهد لبناء الهياكل التي تشكل أساساً لمستقبل واع تجاه التقنية، بدلاً من التمسك بأنظمة قديمة.

إننا بحاجة إلى تبني تحول مؤسسي إيديولوجي بعيداً عن تعزيز الإنتاج اليومي والتوجه نحو تشجيع الإبداع الداخلي والتفكير الإبداعي. ومن المحتمل أن تصبح أقسام الموارد البشرية أكثر أهمية لأن مسألة اكتساب المواهب تبتعد أكثر ما يمكن عن ما يمكن القيام به، إلى ما يمكن الإبتكار فيه. نحن نقف على أعتاب عالم يتفوق فيه الذكاء والقيادة الفكرية على الإنتاج المحض والميكانيكا. حان وقت الاستعداد والتخطيط.

وكانت حكومة دبي قد سعت إلى تحسين خدماتها الإلكترونية ضمن برامج “حكومة دبي الذكية”، كذلك أطلقت الإمارات مبادرات تكنولوجية مهمة تسعى إلى استخدام السيارات ذاتية القيادة والتكسي الجوي والروبوتات. وفي مبادرة أخرى أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، للنهوض بالمجتمعات العربية عبر تمكينهم من لغة المستقبل، دعا الشباب العربي إلى الانضمام إلى مليون مواطن عربي في رحلتهم نحو الاحتراف في عالم تطوير البرمجيات، وذلك عبر منصة مليون مبرمج عربي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz