هل انفعلت من قبل للتغير المؤسسي متململاً ومحدثاً نفسك بهدوء قائلاً: "ها نحن ذا مجدداً؟" أو بسؤال الآخرين بلا مواربة: "ألم نجرب هذا الأمر من قبل؟".

يمكن أن تكون التغيّرات الطارئة على العمل حادة وجدانياً ومثيرة للحيرة والارتباك والخوف والقلق والإحباط واليأس. لقد صرح الخبراء أنه حتى تجربة خوض غمار التغيير في مكان العمل يمكن أن تحاكي تجربة الذين يعانون من الحزن والأسى إثر فقدان حبيب لهم. ولأن التغيير يمكن أن يكون مستنزفاً جداً من الناحية الجسدية والوجدانية، فإنه غالباً ما يفضي إلى إرهاق شديد، ويخلق حلقة مفرغة تؤدي إلى مقاومة أكبر للتغيير.

ما من أحد يود أن يكون عقبة أمام التغيير، حيث يقاوم بفطرته أي مبادرات أو جهود جديدة. هذا ليس بالموقف الملائم لك أو لمسيرتك المهنية أو لمؤسستك. وتحسين قدرتك على التكيف، وهي إحدى قدرات الذكاء العاطفي الجوهرية، هي مفتاح أساسي لكسر هذه الحلقة المفرغة. ومن حسن الطالع أنّ هذه مهارة يمكن أن تكتسب. وحقيقة الأمر، في سياق عملنا كمدربين، غالباً ما تكون هذه المهارة أولوية لدى عملائنا. فقد ضجروا من الشعور بالإحباط والغضب بسبب التغييرات في محل عملهم، ويريدون أن يظهروا بمظهر القادر على التكيف لا المقاوم له.

في المرة التالية التي تجري فيها مؤسستك تغييراً كبيراً، ادرس استراتيجيات الذكاء العاطفي الأربعة التالية لمساعدتك على تقبل التغيير بدلاً من التأهب الحذر له:

حدد مصدر مقاومتك. إنّ فهم الأسباب الكامنة وراء مقاومتك يتطلب مستوى عال من الوعي بالذات. على سبيل المثال، إذا كنت تقاوم التغيير لأن القلق يساورك من أن يجعلك ذاك التغيير تظهر في شكل الموظف عديم الكفاءة، فبوسعك وضع خطة لتعلم المهارات الجديدة التي ستحتاج إليها كي تكون ناجحاً. أو إذا كنت متخوفاً من أن يتعارض التغيير مع استقلاليتك، فيمكنك أن تسأل الموظفين الذين يقودون جهود التغيير كيف بوسعك المشاركة في هذه العملية. وحتى إذا لم يرُق لك الاتجاه الذي تقصده مؤسستك، فانخراطك في تنفيذ التغيير يمكن أن يساعدك على استعادة إحساسك بالسيطرة على مجريات الأمور ويقلص من رغبتك في المقاومة.

تشكّك في أساس رد فعلك العاطفي. عادة ما تعكس ردود أفعالنا العاطفية تجاه التغيير تفسيراتنا – أو "قصصنا" – التي نقنع أنفسنا بصحتها. وفي الحقيقة، غالباً ما تنبع قصصنا من اللاوعي، ونادراً ما تتسق مع الواقع. اسأل نفسك: ما الشعور الأساسي المرتبط بهذا التغيير؟ أهو الخوف والغضب والإحباط؟ ما أن تضع أصابعك على الشعور الذي يغمرك، اسأل نفسك عن جوهره. ما الذي أؤمن بصحته ويجعلني غاضباً أو متهيباً أو محبطاً؟ وهذا النوع من الاستقصاء يساعد على إيضاح القصص التي تسوق مشاعرك وتؤثر في تصوراتك.

ومثال على ذلك، ثمة تنفيذية رفيعة المستوى في مجال النقل والمواصلات أدركت أنّ رد فعلها العاطفي الحاد هو الغضب. وبينما راحت تشكك في أصل غضبها، اكتشفت قصة كامنة وراء هذا الغضب؛ ألا وهي أنها كانت عاجزة وضحية مبادرة التغيير الوشيكة. وفي ظل هذا الوعي الجديد، استطاعت أن تفصل ما بين استجابتها العاطفية و"القصة" الكامنة وراء غضبها من ناحية والأحداث الواقعية من ناحية أخرى. ولقد سمح لها ذلك بتحديد العديد من الخيارات التي تتيح لها تحمل مسؤوليات قيادية جديدة لجانب كبير من جوانب مبادرة التغيير. وفي ظل تلك الفرص الجديدة التي تعيدها إلى مركز قوة، تحولت بؤرة تفكيرها من الظن بأنّ التغييرات الطارئة تمسها شخصياً إلى التركيز على كيفية أدائها لدور قيادي يخلق فرصاً جديدة لمسيرتها المهنية ومؤسستها معاً.

تحمل مسؤولية دورك في الموقف. ليس من السهل دوماً أن نقر بالدور الذي نلعبه في خلق موقف سلبي. والشخص الواعي بذاته يتأمل كيف أنّ مواقفه وسلوكياته تساهم في معايشته للتغيير. على سبيل المثال، لنفترض ملاحظتك بأنك تزداد توتراً على نحو مطرد كلما تناهى إلى مسامعك أي تغيير جديد وشيك. ستسمح لك ممارسة التأمل الواعي بدراسة مشاعرك، وكيف تؤثر تلك المشاعر على موقفك. وأي سلبية أو نزعة تشاؤمية سوف تؤثر على سلوكك وأدائك وسعادتك (بطريقة سيئة). وعندما تتأمل الكيفية التي يساهم بها رد فعلك الأول في وقوع سلسلة سلبية من الأحداث، سيكون من الأسهل عليك تعديل موقفك بحيث تكون أكثر انفتاحاً على بحث منظورات جديدة، ما سيبدل في نهاية المطاف الطريقة التي تستجيب بها للأشياء.

عزز نظرتك المستقبلية الإيجابية: قد تشعر بأن الأمور بائسة من حولك متى لم توافق على تغيير جديد، غير أنّ الدراسات أثبتت أنّ تبني نظرة مستقبلية إيجابية يمكن أن يفتح الباب أمامنا على إمكانات جديدة ويجعلنا أكثر تقبلاً للتغيير. سيساعدك طرح القليل من الأسئلة على نفسك على التفكير بتفاؤل أكثر. أولاً، اسأل نفسك: "أين الفرص التي تنطوي على هذا التغيير؟". وبعد ذلك، اسأل نفسك: "كيف ستعينني تلك الفرص وتعين غيري؟".

على سبيل المثال، شهد أحد عملائنا مؤخراً تغييراً مؤسسياً كبيراً. على مدار الأشهر الثمانية عشر السابقة، كان عميلنا يقود عملية تحول أحد أقسام شركته السابقة وبيعه، وكان قد قبل تواً منصباً جديداً كرئيس لشركة جديدة. وكان يعلم أنّ هذا الإنجاز لم يكن ليستطيع تحقيقه منذ سنوات قليلة ماضية. لكنه اضطر للعمل بكد واجتهاد للانتقال من خانة "حلّال المشاكل" إلى خانة "الباحث عن الفرص". وفسر كيف أهّله عملنا معاً لهذا التحول قائلاً: "كنت دوماً أقف موقف المدافع، حريصاً كل الحرص على الحد من التعرض للخطر أو تكبد الخسائر في أي موقف. وبينما بدأنا تحويل تركيزنا من كيفية الحد من الخسائر إلى البحث عن الفرص، تغيّر كل شيء. وانتقلت من الدفاع إلى الهجوم. وشرعت أرى الفرص التي لم تكن جلية لي من قبل. والآن، أصبح هذا التوجه مبرمجاً في الطريقة التي أفكر بها".

إنّ القدرة على التكيف بسرعة وبسهولة مع التغير غالباً ما تكون ميزة تنافسية للقائد. وفي المرة التالية التي تشعر فيها بمقاومتك للتغيير، استخدم السبل الأربعة الواردة أعلاه لحشد الزخم والطاقة النفسية لك وللآخرين. واجعل خيارك المتعمد لا ينحصر في تقبل التغيير وحسب، بل ودعمه ودفعه بإيجابية للأمام أيضاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!