تابعنا على لينكد إن

تقوم المؤسسات اليوم بإعداد الاستراتيجية بشكل تلقائي وكأنه أمر لا بد منه. حيث أصبح التخطيط الاستراتيجي من المهام الروتينية، فنلاحظ إنشاء وحدات عمل متخصصة بالتخطيط، وأُخرى لمتابعة تنفيذ استراتيجية المؤسسة بعد أن يتم إسقاطها على الموظفين في إداراتهم حسب الاختصاص. إذ يسير النضج التنظيمي في مؤسساتنا جنباً إلى جنب مع وضع أسس وقواعد وممارسات ثابتة للإدارة الاستراتيجية داخل المؤسسات، فنلاحظ تطوير سياسات وإجراءات ونماذج عمل خاصة بالتخطيط الاستراتيجي، واعتماد أدلة وإرشادات تفصّل كيفية أداء المهام المتعلقة بإدارة الاستراتيجية.

إذ تنجرف المؤسسات في خضم هذه الطفرة إلى ممارسات عفوية تثقل كاهلها، وتجعل الموظفين يشعرون بالاستراتيجية عبئاً أكثر من كونها وسيلة لرسم طريق النجاح، ومركباً لقيادة المؤسسة إلى وجهتها. حيث تناولت دراسات وأبحاث حديثة عدد من هذه الممارسات، وبيّنت أثرها المحبط في عدة مواضع، ولربما يسمح مقالنا في تناول هذا الموضوع بشيء من التمحيص.

تتأثر الاستراتيجية مباشرة باختيار فريق العمل، وتترسخ القناعة في مؤسسات اليوم أنّ إعداد وتنفيذ الاستراتيجية ليست مهمة خاصة بإدارة الاستراتيجية، وإنما لا بد من إشراك مجموعة أوسع من الموظفين، بحيث يتم تكوين فريق عمل يملك القدرة على التأثير. حيث أشار بيتر بريغمان في مقال نُشر في هارفارد بزنس ريفيو سابقاً إلى ذلك عندما شدّد على وجوب اختيار الأشخاص الأكثر تأثيراً والعمل معهم. بالتالي يجب على هؤلاء الأشخاص أن يكونوا متعاونين، ويتسمون بالروح الإيجابية، والأهم من ذلك امتلاكهم للسلطة اللازمة من أجل نشر الاستراتيجية وتسويقها إلى باقي الموظفين معتمدين على قدرتهم الإقناعية.

ولحسن الحظ، تمتلك المؤسسات اليوم العديد من الأدوات التي تسمح بتحديد الموظفين المؤثرين، ويجب التوضيح هنا أنّ الموظفين المؤثرين ليسوا بالضرورة أصحاب المناصب العليا، وإنما من يكون أداؤهم أساسياً في بيئة العمل. ومن الممارسات الجيدة لتحديد هذه الفئة رسم خرائط السلطة داخل المؤسسة، إذ تُبيّن خريطة السلطة علاقة التأثر والتأثير بين الموظفين، ويمكن من خلالها تحديد الموظفين الأكثر تأثيراً في المحصلة، وبالتالي الاعتماد عليهم ضمن فريق الاستراتيجية. والجدير بالذكر أنّ خريطة السلطة الخاصة بالاستراتيجية تختلف عن خرائط السلطة الأُخرى، فغرض الخريطة يؤثر على رسم العلاقات وتقديرها، وبالتالي على شكلها النهائي.

إلى جانب ذلك، تخسر المؤسسات قدرتها على إبقاء استراتيجيتها حية نشطة إذا ما جعلت مشاركة الموظفين في تطويرها أمراً معقداً، ويؤدي هذا إلى فقدان الموظفين الارتباط مع الخطة الاستراتيجية. كما يمكن تفادي الوقوع في هذا المطب الاستراتيجي (إن صحت التسمية) باعتماد ما يسمى الإدارة باتجاهين أو من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، بحيث يتم إشراك الموظفين في اقتراح التعديلات وسوق المناسب منها صعوداً للوصول إلى استراتيجية المؤسسة، وكذلك الأمر بإعادة إسقاط الاستراتيجية المحدّثة على وحدات العمل. وهذا يشجع الموظفين على المشاركة، ويقوي إحساسهم بالمسؤولية اتجاه الاستراتيجية، كما يزيد من تحفيزهم ويدفعهم إلى تحقيق أعلى مستوى من الابتكار المؤسسي، مع العلم أنّ تطبيق هذا الأسلوب لا يتطلب خبرات كبيرة ومتخصصة لدى الإدارة العليا. وتطرّق ديفيد كوليس لهذا التحدي من خلال طرحه ما يسميه “الاستراتيجية الرشيقة” بهدف تمكين المؤسسات من اكتساب مرونة رواد الأعمال وكذلك ثبات الشركات الكبيرة.

ومن أبرز الأمثلة على شركات دفعت ثمن ضعف مرونتها الاستراتيجية، وعدم قدرتها على مواكبة التغيّرات المتسارعة شركة بلاك بيري وشركة نوكيا. حيث فقدت كل شركة منهما قيمة كبيرة من حصتهما السوقية نتيجة فشل استراتيجيتهما في التعامل مع ثورة الهواتف الذكية، وعدم تمتعهما بالرشاقة الكافية لتلمّس هذه التغيّرات والتعامل معها بطريقة سليمة.

وعلى المؤسسة التي ترغب في ممارسة الإدارة الاستراتيجية بشكل ناجح، أن تكتسب قدرتين أساسيتين: القدرة على التخطيط، والقدرة على التعلم. إذ تعجز المؤسسة عن ملاحقة التغيّرات المتسارعة في البيئة المحيطة، التي أصبحت من سمات عصرنا الحالي إذا ما اعتمدت الرسمية الزائدة في التخطيط الاستراتيجي. ومثل هذه الرسمية تتمثل في وضع الخطة الاستراتيجية ومراجعتها على فترات زمنية متباعدة، وفق إجراءات صارمة. فمن شأن ذلك إضعاف قدرة المؤسسة على التعامل مع حالات عدم اليقين في بيئة الأعمال. كذلك فإنّ الاعتماد على معالجة مستجدات الأمور وانتظار ما سيحدث من تغيّرات والتعلم منها أمر غير مجدي، ولا يساعد المؤسسة في الوصول إلى موقع ريادي. وأطلق ريكاردو فيشياتو في بحث نشره عن هذه الحالة مسمى “عدم اليقين الحدودي” (Boundary Uncertainty). حيث نصح أن يتم التعامل مع هذا الوضع عبر محورين، الأول يعتمد على تعميق فهمنا لأهمية الاستشراف الاستراتيجي، والمحور الثاني الاعتماد على المرونة الاستراتيجية في التعامل مع بيئات الأعمال المضطربة. ومن الضروري في هذا الحالة، اكتساب أصحاب القرار فهماً سليماً للمكونات الرئيسية لمجال اختصاص مؤسساتهم، وأن يعتمدوا على التخطيط وتقنيات الاستشراف لفهم دوافع التغيير وتأثيرها على أعمالهم.

كما أنّ إكساب المؤسسات الصلابة الاستراتيجية من شأنه المزاوجة بين التخطيط والتعلم، وهذا التوجه الجديد يتجاوز السلوك التقليدي الذي ناصرته العديد من الأبحاث السابقة في قطاعات الأعمال المختلفة، والقائم على التمسك بالتخطيط الاستراتيجي في مواجهة حالات عدم الاستقرار والتغيّرات المتسارعة.

ولعل ما قامت به شركة فيليبس يُعتبر مثالاً جيداً على هذا التوجه، حيث تنبهت إلى تغيّر ميول المستهلكين وتفضيلاتهم، وتوجههم نحو أجهزة التلفاز ذات الشاشات الأكبر حجماً، ومنصات الألعاب التي تحتاج إلى تلفاز بقدرات فائقة، كذلك مشاهدة الأفلام عند الطلب. وبعد مجموعة من الاستقصاءات والأبحاث، نجحت فيليبس في تطوير استراتيجية مبنية على مخرجات التعلم، وأنتجت هذه الاستراتيجية العديد من التقنيات الثورية في هذا المجال كتطوير أجهزة قادرة على الارتباط فيما بينها لتشكيل بيئة منزلية ذكية، وكذلك تقديم تقنية الإضاءة المحيطية التي تكوّن شعوراً بأنّ الشاشة أكبر من حجمها الطبيعي.

يُعتبر التوازن هو كلمة السر في نجاح المؤسسات خلال عملية التخطيط الاستراتيجي، ونرى بعض المؤسسات تذهب بعيداً إلى اعتماد أساليب في التخطيط الاستراتيجي تُخالف الغالب المعمول به، كالتخطيط الاستراتيجي العضوي الذي هو أكثر تكيّفاً وشمولاً من نماذج التخطيط الاستراتيجية العادية، ويتم التركيز فيه على الأنشطة والأعمال التي أثبتت فعاليتها وليس على التحديات، حيث يقرر المدراء الأعمال التطويرية التي تتماشى مع رؤية ورسالة المؤسسة وليس المستهدفات الموضوعة. وبالطبع نحن لا نُشجع على الذهاب كل هذه المسافة، ولكن بالحد الأدنى إيجاد التوازن المطلوب.

أخيراً، على المؤسسات اليقظة عندما يتعلق الأمر بالاستراتيجية الاعتماد على الأشخاص المؤثرين وتشكيل فريق عمل داخلي، وإشراك الموظفين بمختلف فئاتهم في تحديد التحديات والفرص التي يمكن الاستفادة منها من واقع خبرتهم واطلاعهم، والحرص على إبقاء الاستراتيجية مرنة بحيث تسمح باستيعاب المستجدات في الوقت المناسب.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz