ما الأولوية التي تضعها نصب عينيك عند شروعك في رحلة استراتيجية جديدة للحفاظ على شركتك وتنميتها في عالم يتّسم بالقلق وسرعة التغيّر؟ إذا كنت مثل معظم القادة الذين نعرفهم، فستبدأ ولا شك في الهيكل التنظيمي والعمليات.

وسيكون هذا الأمر خاطئاً بالطبع.

طرحنا عام 2016 سؤالاً على 80 مديراً من كبار المدراء التنفيذيين ينتشرون على 20 دولة و25 صناعة مختلفة حول الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لهم خلال مرحلة التنفيذ الاستراتيجي. وبينت إجاباتهم أنّ الأولوية القصوى كانت تتمثّل في إعادة تحديد الهياكل التنظيمية، وإعادة تنظيم سلطات اتخاذ القرار (الحكم)، وإعادة صياغة العمليات.

ثم سألناهم عن أكبر الحواجز التي واجهتهم أثناء التنفيذ وفقاً لتجربتهم على المدى الطويل، وذكر 76% منهم أنّ العائق الأكبر كان عدم تفاعل الموظفين. وبعبارة أُخرى، فشل الناس في العمل معاً لإحداث التغيير المطلوب.

ويؤكد هذا البحث أنه عندما يتعلق الأمر بتنفيذ الاستراتيجية، هناك فجوة في المعرفة. إذ يعرف المدراء التنفيذيون أنّ العوائق التي تحول دون النجاح على المدى الطويل هي انعدام التفاعل والتعاون، ولكنهم مع ذلك يركزون على الهيكلية والسلطة والعملية. فانطلقنا لنستكشف السبب.

طغيان المسائل الملموسة

على مدار العام الماضي، لمحنا وجود هذه المفارقة مع مجموعات من كبار المسؤولين التنفيذيين. وبدون تردد، كان تفسيرهم للفجوة القائمة بين المعرفة والفعل كما يلي: الهيكلية والعملية والحوكمة هي أمور “ملموسة”، ما جعل التصرف في هذه المجالات أمراً أكثر سهولة سواء من حيث إمكانية ملاحظتها أو قياسها. ليس من قبيل الصدفة إذن، أن يقوم المدراء التنفيذيون بعملية القياس اعتماداً على هذا الأساس.

يمكننا أن نسمّي هذا الأمر طغيان المسائل الملموسة. وينجم عن هذا الأمر تكلفة مألوفة جداً: إذ تفشل معظم المبادرات التي يتم وضعها لتنفيذ الاستراتيجية في تحقيق الفوائد المرجوة. تصل درجة التدهور في 17% من مشاريع تكنولوجيا المعلومات الكبيرة إلى مرحلة خطيرة بحيث أنها تهدد وجود الشركة نفسها، وفي هذا السياق، كشفت دراسة للمشاريع الحكومية في المملكة المتحدة عمّا قيمته 4 مليارات دولار من الجهود الضائعة نتيجة للمبادرات الفاشلة.

كما أنّ هناك تكلفة بشرية أيضاً. شهد معظم الناس ما يحدث عندما يبدأ تنفيذ الاستراتيجية بتغييرات في الهيكلية والحوكمة والعملية. إذ يُبدي الناس مقاومتهم للتغيير ويتملكهم القلق. هل سأحافظ على وظيفتي؟ هل سأفقد زملائي الأعزاء؟ فيخيم التعب، وتنهار المعنويات، وتتضاءل نقاط المشاركة، وتعمّ القصص السلبية حول قدرة الشركة على إدارة عملية التغيير.

وكما أوضح المدراء التنفيذيون لنا، فإنّ الخوف من خلق هذا الوضع بالذات هو السبب في تركيز أغلبهم على المسائل الملموسة بدلاً من التركيز على العامل البشري. ومن شأن وجود حوار مفتوح حول القضايا الاستراتيجية الهامة أن يولّد شعوراً كبيراً بالخطر. لقد قالوا: “نشعر بأننا سنفقد السيطرة. إذ ستطفو على السطح مقاومة كبيرة لخططنا”. بينما في الواقع، يخبرنا علم النفس والخبرة أنّ العكس هو الصحيح: يزداد قلق الموظفين ومقاومتهم للتغيير عندما ينعدم وجود التفاعل الحقيقي، ويتّخذ التغيير شكلاً مفروضاً.

يُعتبر موضوع السيطرة أمراً مثيراً للاهتمام بشكل خاص نظراً للتطلعات المعلنة لمعظم الشركات نحو تعزيز قوة العاملين لديها. وأكثر وجهات النظر التنفيذية شيوعاً هي “يجب أن نكون أكثر ابتكاراً ورشاقة وقابلية للتكيف”. ومع ذلك، عندما نتعامل مع المدراء التنفيذيين نجد أنّ أحد أهم العوامل التي تدفعهم نحو معالجة الأمور الملموسة هو الخوف من أنّ أي شيء يمكن أن يحدث عندما تنعدم القبضة القوية. يتناقض هذا الأمر بشكل صادم مع الطموح المرجو – فإذا كنت ترغب في أن تكون أكثر ابتكاراً ورشاقة، أليس من الرائع حقاً أن يكون الباب مفتوحاً على مصراعيه بحيث يمكن لأي شيء أن يحدث؟

تمتد جذور طغيان المسائل الملموسة عميقاً في عالم يتّسم بدرجات عالية من اليقين والاتفاق. وتمكننا فترات الاستقرار والنمو المتواصل والهوامش المتسقة والزبائن السعداء من إدارة أهدافنا المحددة سلفاً، والتواصل من خلال التسلسل الهرمي، ووضع مقاييس الأداء السنوية الفردية. ويتم التحكم في الفروق الطفيفة من خلال تغييرات صغيرة تتم على الهيكلية والحوكمة والعملية.

وليس من المستغرب، في هذا الوضع العملي الراسخ تماماً، أننا عندما تتطلب الأمور تغييراً جذرياً، نسعى غريزياً وننجذب بقوة إلى نفس الرافعات التي كنا نستخدمها للحفاظ على سيطرتنا على الأمور في الأوقات التي كانت أكثر استقراراً، يشبه هذا الأمر ما نفعله عندما نشدّ قبضتنا على عجلة القيادة في سيارتنا حينما يصبح الطريق أكثر التفافاً. تكمن المشكلة هنا في أنّ التغيير الاستراتيجي يطرح سؤالاً مختلفاً تماماً، فبدلاً من أن يكون السؤال عن كيفية البقاء على نفس الطريق، يتحول إلى الطريقة المناسبة لاتخاذ مسار جديد؟

التنفيذ التشاركي

لا يمكنك تغيير المواقف والعقول من خلال تغيير الهيكليات والحوكمة والعملية، يمكنك تغيير المواقف والعقول من خلال المشاركة الحقيقية والتفاعل ثنائي الاتجاه.

ولكي نهرب من طغيان المسائل الملموسة، نشجع القادة على التفكير فيما سيحدث إذا بدأوا بالتفاعل فعلاً. فبدلاً من اعتبار الصياغة والتنفيذ مرحلتين مختلفتين، مع توفر عنصر المشاركة في مكان ما بينهما، ماذا لو اتخذنا نهجاً تشاركياً حقاً؟ ماذا لو كان هناك حوار حقيقي وشامل؟ يبدأ ذلك مع تحديد سبب احتياج الشركة إلى استراتيجية جديدة، والاستمرار في تحديد الخيارات الاستراتيجية التي يمكن اتخاذها، والانتهاء بكيفية تحقيق ذلك معاً. يتّسم عالمنا اليوم بالمتغيرات السريعة والافتقاد إلى اليقين، ما يجعل فكرة قدرة بعض العقول الرائعة في رأس هرم الشركة، أو العقول التي يتم الاستعانة بها من إحدى شركات الاستشارات المتخصصة، على تحديد استراتيجية مثالية أمراً مثيراً للسخرية. ويرى المنهج التشاركي في تنفيذ الاستراتيجية بأنه للحصول على استراتيجية مرتبطة بالشركة، ولو جزئياً على الأقل، يجب أن تتمّ صياغة هذه الاستراتيجية من قبل الأشخاص الذين سيقومون بتنفيذها.

ومع ذلك، نادراً ما يدعوا المدراء التنفيذيون طاقم الموظفين للمشاركة. وبدلاً من ذلك، فإنهم يشرعون في سلسلة من الاتصالات الواسعة باتجاه واحد (على سبيل المثال، تراهم يعقدون الاجتماعات في قاعات المدينة أو الندوات عبر الإنترنت) لتبادل أفكارهم. ومثل هذه الاجتماعات لا تؤدي إلا إلى دعوة الموظفين لإبداء آرائهم بشأن ما سبق اقتراحه بالفعل. إذ قام القادة بالتفكير والوصول إلى الجواب المطلوب أي التغييرات التي يجب اتخاذها في الهيكلية والعملية والحوكمة. لقد فهموا وفسروا السياق كما يرونه وتوصلوا إلى استنتاج حول العمل المطلوب. والآن، يقولون، حان الوقت للتعايش مع الحل، ولا تعدو الندوات عبر الإنترنت والاجتماعات في قاعات المدينة كونها مجرد خطوة نحو التعايش مع الحل الذي توصلوا إليه.

هناك تأثير ثنائي لهذا التواصل الموجه وحيد الاتجاه، والتركيز على المسائل الملموسة والخوف من فقدان السيطرة:

  • يقوّض المشاركة. إذ يفشل القادة في تقدير الوقت الطويل الذي كان لديهم لفهم السياق. ونميل جميعنا إلى التقليل من شأن الوقت الذي تستغرقه رحلتنا الخاصة ونبالغ في تقدير الوضوح الذي لدينا الآن نتيجة لذلك. عندما يثير الموظفون تحديات أو يطرحون أسئلة، فإنهم يخاطرون بوصفهم مقاومين لوضع الشركة الراهن، ما يخلق دينامية غير مفيدة.
  • يقلل المساهمة المتنوعة. عندما يعرف الناس أو يشعرون بأنّ جميع القرارات الهامة اتخذت بالفعل، يصبحون أقل دافعية لتبادل وجهات النظر، والأفكار، ومصادر القلق أو لتحمل المسؤولية عن النتائج.

لا يغير الناس آراءهم لمجرد أن يُطلب منهم ذلك، مهما كان التواصل منفتحاً وشاملاً. عندما تكون مصلحتنا على المحك في لعبة ما، تتدنى أهمية التفكير العقلاني أكثر بكثير مما نعتقد. إنها سمة متأصلة في الطبيعة البشرية غالباً ما ينساها الناس، فإذا أردت أن تؤثّر على شخص ما، فمن المناسب أن تبدأ بإظهار أنه أثّر عليك. إذا كنت منفتحاً على الآخرين، سيميل الآخرون لأن يكونوا منفتحين عليك بدورهم. يأتي التأثير من خلال التفاعل.

يُعتبر التنفيذ التشاركي الترياق الشافي لاستبداد المسائل المادية. وهو يُشرك جميع أصحاب المصلحة في عملية تفاعلية وديناميكية يتم فيها التصدي لحقائق السياق الاستراتيجي واستكشافها، ويتم إنشاء خيارات للرد على السياق وصياغته، كما يتم الاتفاق على الأولويات والمعالم وتنقيحها حسب الاقتضاء. وهو يجعل الأمر غير الملموس ملموساً ويدمج مصادر القلق والآمال والمخاوف والنوايا خلال هذه العملية.

لا يمكن أن يمتلك القادة كافة الأجوبة. يتوجب عليك أن تفسح المجال للناس ليفهموا الأمور وليكون لهم تأثير من خلال الحوار التفاعلي. إذا رأيت ضرورة القيام بتغييرات تمسّ الهيكليات الحالية، أو الحوكمة، أو العملية فاحرص عند تحديدك للأولويات والمعالم من خلال التفاعل، على أن تنفّذ هذه التغييرات بموافقة الآخرين ما يجنّبك تكلفة تعطيل التغييرات التي تُفرض فرضاً للقضاء على حالة عدم اليقين.

الدرس المُستفاد إذاً: عليك أن تكون بطيئاً كي تحقق نتائج سريعة. عليك أن تُفسح المجال لتفاعل حقيقي يتميز بالفضول، والتعبير عن الأفكار، والتحقيق، والتجريب. إنّ القيمة التي يمكن الحصول عليها من خلال استكشاف سؤال مفتوح هي بلا أدنى شك أكبر من تلك القيمة التي يمكن تحصيلها من خلال فرض جواب لا يمكن تفنيد مدى صحته.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!