متى يجب أن تقول: “حان الوقت لبداية جديدة في حياتي”؟

4 دقيقة
shutterstock.com/Vectorium
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

“مستحيل! إنهم يجهّزون الساحة لإعدامنا”؛ بصوت مرتعش، همس فيودور دوستويفسكي في أُذن السجين الذي بجانبه بعد أن أيقن أن النهاية اقتربت، فقد تحوّلت ساحة سيمينوفسكي بمدينة سانت بطرسبرغ إلى مسرح إعدام حقيقي بتفاصيله كافة: الجنود في وضعية الاستعداد، والكاهن يطلب من السجناء الاعتراف بخطاياهم وتلاوة صلواتهم الأخيرة، والتوابيت محمّلة في عربات أمام أعمدة الساحة التي سيُنفذ فيها الإعدام، وآلاف الجماهير تترقب نُطق الحكم في حق مجموعة من المعتقلين لم يتجاوز عددهم 23 معتقلاً. تقدم أحد الضباط وتلا الحُكم على الملأ: “جميع المتهمين مُذنبون بتهمة التخطيط للإطاحة بالنظام، وقد حُكم عليهم بالإعدام رمياً بالرصاص”.

كان هذا مشهداً من أحداث حقيقية جرت في صبيحة أحد أيام ديسمبر/كانون الأول من عام 1949، وغيّرت حياة الكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي إلى الأبد، فبعد هذا المشهد بلحظات، وفي اللحظة الأخيرة قبل تنفيذ الحُكم، وصلت عربة تحمل أمراً من القيصر بتخفيف الأحكام الصادرة في حقهم إلى السجن مدة 4 سنوات في سيبيريا. عقب هذه الحادثة، كتب دوستويفسكي لأخيه: “عندما أنظر إلى الماضي وأفكر في كل الوقت الذي أهدرته في الخطأ والكسل فإن قلبي ينزف دماً. الآن ستتغير حياتي، الآن سأولد من جديد”. وبالفعل تغيّر الكاتب الشاب إلى الأبد، وعكف على تأليف مجموعة من الروايات التي خلّدها التاريخ على الرغم من الظروف الشديدة الصعوبة التي عاشها في الأسْر بسيبيريا.

تفترض النظرية الاقتصادية أن تفضيلات البشر تظل مستقرة بمرور الوقت ما لم تتغيّر الظروف التي يعيشون فيها وتُؤثر في أذواقهم واختياراتهم، مثل ظهور قيود أو معلومات جديدة، أو حدوث صدمة تفرض تعديلاً في معتقداتنا أو ميزانيتنا، وهي تقريباً الصدمة التي عاشها صاحب رواية “الإخوة كارامازوف”، لكن الاقتصاد السلوكي دحض عنصر العشوائية في هذا الافتراض، وسلط الضوء على إمكانية التنبؤ بالفترات والأحداث التي يقرر فيها الإنسان “طي صفحة الماضي والبدء من جديد” حتى ولو لم تتغير ظروفه.

تُعدّ أستاذة الاقتصاد السلوكي كاتي ميلكمان من أشهر الباحثين الذين تعمّقوا في دراسة أسباب هذه الفترات التي يُحسّ فيها الإنسان بأنه متفائل ومستعد للتغيير الإيجابي، وقادها بحثها مع زميلتها هنغتشن داي للتوصل إلى نتيجة لافتة: الإنسان لا ينظر إلى مرور الوقت في حياته على أنه سلسلة مستمرة ومتصلة، لكن يُصوّر الزمن في مُخيّلته على أنه “حلقات” أو فصول منفصلة تُمثل كلّ منها قصة وأحداثاً بارزة في حياته. على سبيل المثال، قد يُسجل الإنسان في ذاكرته مرحلة ما قبل دخول المدرسة ضمن حلقة اسمها “الطفولة واللعب”، ثم حلقة “العزوبية” لتصف مرحلة ما قبل الزواج وحلقة “العائلة” لفترة ما بعد الزواج، وحلقة أخرى تبدأ من أول يوم في الوظيفة اسمها “المسار المهني”، وقد يبتكر حلقة تبدأ من بداية السنة الفلانية وأخرى من بداية شهر رمضان أو بعد العطلة السنوية وغير ذلك كثير.

أطلقت كاتي مصطلح “أثر البداية الجديدة” (Fresh Start Effect) للإشارة إلى الأحداث أو الفترات التي تُمثل فصلاً جديداً من حياتنا ونكون فيها متفائلين بالتغلب على العقبات التي منعتنا سابقاً (أو في الحلقات المُنتهية) من تحقيق أهدافنا.

ما الذي يجعل أثر البداية الجديدة محفّزاً للتغيير الإيجابي؟

يوجد عاملان أساسيان يجعلان أثر البداية الجديدة فعالاً في تحقيق التغيير المنشود. فيما يلي تفصيل لهما مع نصائح عملية لاتباعها.

  1. شعور “الصفحة البيضاء”: متلازمة موت الرُضع المفاجئ (SIDS)، هي مصطلح علمي للوفيات المفاجئة التي تحدث للرُضع في أثناء النوم بين سن الشهر والسنة الواحدة دون سبب واضح، وكانت تحصد عشرات آلاف الضحايا سنوياً حتى تسعينيات القرن الماضي عندما اكتشف الأطباء أن نوم الرُضع على ظهورهم (عوضاً عن بطونهم) يخفض نسبة الوفيات إلى 50%، فأُطلقت حملة واسعة استهدفت الأمهات للترويج لهذا الاكتشاف، وأُغرقت المستشفيات ومعاهد الصحة بالمُلصقات الترويجية التي تحث على نوم الرضيع على ظهره، وأدت هذه الحملة إلى نتائج لافتة إذ ارتفعت نسبة الاستجابة في أميركا من 17% إلى 73% بين سنتي 1993 و2010، وهي نسبة باهرة في المجال الصحي أنقذت دون شك آلاف الأرواح؛ لكن السؤال هو: لماذا نجحت هذه الأدوات الترويجية البسيطة ضمن هذه الحملة وفشلت فشلاً ذريعاً في حملات أخرى استهدفت مواضيع خطيرة لها تأثير سلبي مباشر على صحة الإنسان، مثل حملات محاربة السُمنة والتدخين أو حملات الحث على أخذ بعض اللقاحات؟ تكمن الإجابة في الفترة الصحيحة التي تم فيها الاستهداف، ففي حالة موت الرُضع المفاجئ، كان في بداية “فصل الأمومة”؛ هذه الفترة يكون فيها معظم الأمهات مثل “صفحة بيضاء” نظيفة من العادات والتقاليد التربوية المتجذرة التي يصعب القضاء عليها، كما أن الأم تكون مستعدة ومتفائلة لاتخاذ الخطوات الصحيحة لرعاية مولودها الحديث، أما في حالات التدخين والأكل غير الصحي، فإن العادات تفعلُ فِعلتها بجانب الانحيازات السلوكية التي تُشجع المرء على البقاء ضمن منطقة راحته.

ترقّبْ الفصل القادم من حياتك الذي يحمل في طياته “صفحة بيضاء” واستغل البداية الجديدة في إرساء عادات صحيحة تصبُّ في مصلحتك الشخصية ومصلحة الآخرين: هل أنت مقبل على الزواج؟ إذاً هي فُرصة ذهبية لبناء علاقات عاطفية صحيّة مع شريك حياتك؛ هل تجهز نفسك لأخذ رخصة السياقة؟ إذاً الفُرصة مواتية للتدرب على السياقة الآمنة وجعلها أسلوباً مستداماً؛ هل حصلت على وظيفة جديدة؟ إذاً هي الفرصة المثالية لتعتمد عقلية التعلم المستمر وتجعلها أساس تطوّر مسارك المهني. إن لم تجد حدثاً مميزاً يلوح في الأفق ويرقى إلى بداية جديدة، فابتكر واحداً: انضم إلى جمعية خيرية، سافر لمدينة أو بلد جديد، مارس رياضة جديدة، تعلم مهارة جديدة، المهم أن يكون حدثاً ليست لديك فيه خبرة ولا عادات مترسخة.

  1. شعور “شخصيتي الجديدة” (The New Me): راي ذهب (Ray Zahab)، عدّاء ورياضي محترف كان مدمناً على التدخين والكحول، حاول الإقلاع عنهما مرات كثيرة لكن محاولاته كلها باءت بالفشل، حتى قرر في آخر يوم من عام 1999 أنّ العام الجديد، بل القرن الجديد، سيكون فرصته الأخيرة للتغيّر المنشود، وبالفعل نجح في مقاومة إغراءات التدخين في اليوم الأول من العام الجديد، واستمر على ذلك النهج في تناول الأكل الصحي وممارسة الرياضة حتى فاز في سباق 100 ميل، أحد أصعب سباقات التحمّل على الإطلاق، ليُصرح بعد ذلك بأن نجاحه بدأ بأول يوم من عام 2000.

الأحداث المرتبطة بتواريخ معينة موجودة في حياة كل البشر، أشهرها في تحفيز البدايات الجديدة: بداية العام الجديد، وتاريخ الميلاد، وتاريخ العودة من العطلة السنوية، وبداية الشهر، وبداية الأسبوع؛ فهذه التواريخ يُحسّ فيها الإنسان، وفقاً لأبحاث كاتي، بأنه شخص جديد وأن مسافة تفصله عن أخطاء الماضي، لأنها فترات يتوقف فيها الإنسان للتأمل والتفكير في الصورة الكبرى، ما يجعله أكثر استعداداً للمبادرة في التغيير، غير أن هذه الفترات لا تقتصر على أحداث “الكالندر” فقد تكون حدثاً مفاجئاً في حياتك يحفزك لتغيير جذري، مثل عارض صحي يضطرك إلى المكوث في البيت أو حدث صادم غير مُتوقع مثل ما وقع للكاتب دوستويفسكي. ابحث في قادم التواريخ التي تهُمك وضع واحداً نُصب عينيك لتجعله تاريخاً فارقاً بين شخصيتك القديمة وشخصيتك الجديدة.

فُرص أن يحكم عليك القيصر بالإعدام ثم أن يعفو عنك تؤول إلى الصفر، لذلك عليك ألا تنتظر أي حدث يُهدد حياتك حتى تفكر في بداية جديدة لحياة أفضل، بل عليك أن تخطط له بنفسك، وتترقب اليوم الموعود في أي يوم من أيام السنة وتُبادر إلى صناعة حظك بنفسك، أو ببساطة اجعل قراءة هذا المقال بداية جديدة للتغيير.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .