انضباط فرق العمل يؤدي إلى تحقيق أداء باهر

23 دقيقة
فوائد انضباط الفريق
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليكم هذه القصص حول فوائد انضباط الفريق في العمل. في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، صدم بيل غرينوود ومجموعة صغيرة من عمال سكك الحديد المتمردين إدارتهم العليا في “بيرلينجتون نورذرن” (Burlington Northern)، عندما أنشأوا قطاع عمل للشركة بمليارات الدولارات ضمن مجال خدمات السكك الحديدية على الرغم من المقاومة الواسعة النطاق، وحتى الاستياء، داخل الشركة. وتدين مجموعة المنتجات الطبية في “هيوليت-باكارد” (آتش بي) (Hewlett-Packard) بمعظم أدائها المميز إلى الجهود الرائعة التي بذلها دين مورتون ولو بلات وبن هولمز وديك ألبيردينغ وأفراد آخرين ممن أعادوا تنشيط أعمال الرعاية الصحية التي تجاهلها البقية. وفي “نايت ريدر” (Knight Ridder)، تجسدت رؤية “هوس العملاء” الخاصة بجيم باتن بجلاء ضمن مؤتمر الحزب الديمقراطي في تالاهاسي، عندما حول 14 مرشحاً من مرشحي الحزب ميثاق إزالة الأخطاء إلى مهمة تغيير كبيرة لإطلاق نشرة قلبت صناعة الجرائد بأكملها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الصفتان الرئيسيتان للفرق الأفضل في حل المشاكل

إن تلك القصص السابقة كلها هي قصص حول فوائد انضباط الفريق ولعمل فِرق حقيقية قدمت الأداء الموكل إليها، وليست مجموعات غير متجانسة ندعوها فِرقاً فقط لأننا نظن أن تلك التسمية محفِّزة ومنشِّطة. ونعطي بدورنا القليل جداً من الانتباه إلى الفَرق بين الفِرق التي تقدم الأداء العالي وتلك التي لا تؤدي المرجو منها، إذ يكمن جزء من المشكلة في أن “الفريق” مفهوم شائع جداً بين الناس. (راجع فقرة “ليست كل المجموعات فِرقاً: كيف تتعرف على الفِرق؟”).

أو على الأقل هذا ما ظنناه عندما شرعنا في إجراء الأبحاث الخاصة بكتابنا “حكمة الفِرق” (Wisdom of Teams) (هاربر بزنس، 1993)، إذ أردنا اكتشاف العوامل الكامنة وراء الاختلافات بين أداء فريق وآخر، والأمور التي تجعل بعض الفِرق تعمل بشكل أفضل، إضافة إلى معرفة فوائد انضباط الفريق وما الذي يمكن للإدارة العليا فعله لتعزيز فعالية تلك الفِرق. ولقد تحدثنا مع مئات الأشخاص من أكثر من 50 فريقاً مختلفاً في 30 شركة وجهة، من “موتورولا” (Motorola) إلى “هيوليت-باكارد”، ومن المشاركين في عملية عاصفة الصحراء إلى فتيات الكشافة.

ليست كل المجموعات فِرقاً: كيف تتعرف على الفِرق؟

مجموعة العمل:

  • قائد قوي، زعيم يتمتع بتركيز واضح.
  • المساءلة فردية.
  • غاية المجموعة المهمة المؤسساتية الأوسع نفسها.
  • منتجات العمل فردية. تدير اجتماعات ذات كفاءة.
  • تقيس فاعليته بشكل غير مباشر من خلال تأثيرها على الآخرين (مثل الأداء المالي للشركة).
  • تُناقش وتُقرر وتفوِّض.

الفريق:

  • أدوار قيادية مشتركة. المساءلة فردية ومتبادلة.
  • غاية الفريق المحددة هي أن على الفريق نفسه أن يقدمها.
  • منتجات ناتجة عن العمل الجماعي. يشجع المناقشة المفتوحة، والاجتماعات النشطة لحل المشكلات.
  • يقيس الأداء مباشرةً من خلال تقييم منتجات العمل الجماعية.
  • يناقش ويقرر ويقوم بالعمل الحقيقي معاً.

ووجدنا أن هناك نظاماً أساسياً يكمن وراء فوائد انضباط الفريق ونجاح الفِرق في عملها، كما وجدنا أيضاً أن الفِرق والأداء الجيد توأمان لا يفترقان؛ فلا يمكن أن يكون لديك واحد من دون الآخر. إلا أنه وفي الوقت نفسه، يستخدم الناس كلمة “فريق” بشكل فضفاض لدرجة تُسببت في إعاقة تعلُّم الانضباط الذي يُفضي إلى الأداء الجيد وتطبيقه. ومن المهم أن يكون المدراء أكثر دقة حيال ما هو تعريف الفريق لكي يتخذوا قراراتٍ أفضل بشأن ما إذا كان يجب تشجيع الفريق ومتى وكيف يتم ذلك.

يستخدم الناس كلمة “فريق” بشكل فضفاض لدرجة أنها تعيق تعلم الانضباط الذي يؤدي إلى الأداء الجيد وتطبيقه.

ويدعو معظم المدراء التنفيذيين إلى العمل الجماعي، وهو أمرٌ محمودٌ. ويمثل العمل الجماعي مجموعة من القيم التي تشجع على الإصغاء والاستجابة للآراء التي يطرحها الآخرون بشكل بنّاء، وإعطاء الأشخاص فائدة الشك للآخرين، وتقديم الدعم، والتعرف على اهتمامات الناس وإنجازاتهم. وتساعد مثل هذه القيم الفِرق على الأداء، كما أنها تعزز الأداء الفردي وكذلك أداء المؤسسة أكملها. إلا أن قيم العمل الجماعي لا تعتبر في حد ذاتها أمراً حصرياً خاصاً بالفِرق، كما أنها ليست كافية لضمان أداء الفريق. (راجع الفقرة الجانبية “بناء فريق الأداء”).

بناء فريق الأداء

لاحظنا عدداً من الطرق المشتركة بين العديد من الفِرق الناجحة، وذلك على الرغم من عدم وجود وصفة مضمونة لكيفية بناء أداء الفريق.

يجب اعتماد الإلحاح، ومعايير أداء متطلّبة، وتوجيه من أجل حصد فوائد انضباط الفريق

يحتاج أعضاء الفريق كلهم إلى الإيمان بأن لدى الفريق غايات ملحة وجديرة بالاهتمام، ويريدون أن يعرفوا ما هي التوقعات. وفي الواقع، كلما كان التبرير المنطقي أكثر إلحاحاً وله مغزى، زاد احتمال أن يرتقي الفريق إلى مستوى أدائه المحتمل، كما كان الحال بالنسبة لفريق خدمة العملاء الذي تم إخباره أنه سيكون من المستحيل تحقيق المزيد من النمو للشركة بأكملها دون تحسينات كبيرة في هذا المجال. وتعمل الفِرق بشكل أفضل في سياق مقنع، الأمر الذي يفسّر بدوره لماذا يمكن للشركات ذات أخلاقيات الأداء القوية القدرة على تشكيل فِرق بسهولة أكبر في العادة.

اختيار الأعضاء بحسب المهارات الموجودة والمهارات المحتملة، وليس بحسب الشخصيات

لن ينجح أي فريق من دون المهارات اللازمة الكفيلة بتحقيق غايته وأهداف الأداء التي وضعها، لكن تكتشف معظم الفِرق بدورها حاجتها إلى مهارات معينة بعد تشكيلها. سيختار المدير الحكيم الأشخاص لمهاراتهم الحالية وقدراتهم على تحسين مهاراتهم الحالية وتعلم مهارات جديدة.

إيلاء اهتمام خاص للاجتماعات الأولى والإجراءات، إذ تهم الانطباعات الأولية دائماً وبشكل بالغ

عندما يجتمع أعضاء الفريق المحتمل لأول مرة معاً، يراقب الجميع الإشارات التي يقدمها الآخرون لتأكيد الافتراضات والاهتمامات، أو لصرف النظر عنها مؤقتاً أو دائماً. وسوف يولون اهتماماً خاصاً لمن هم في السلطة: قائد الفريق وأي من المدراء التنفيذيين الذين أنشأوا الفريق أو يشرفون عليه أو يؤثرون عليه بطريقة أو بأخرى. وكما هو الحال دائماً، ما يفعله هؤلاء القادة هو أكثر أهمية مما يقولونه. فإذا غادر أحد كبار المسؤولين التنفيذيين الفريق لإجراء مكالمة هاتفية بعد عشر دقائق من بدء الجلسة ولم يعد مطلقاً، ستصل رسالة إلى الموجودين.

اقرأ أيضاً: بحث: عندما يعمل الموظفون في فرق متعددة يمكن للمدراء الجيدين الحصول على تأثيرات مضاعفة

ضع بعض قواعد السلوك الواضحة

تطور جميع الفِرق الفاعلة قواعد السلوك في البداية لمساعدتها على تحقيق غاياتها وأهداف الأداء الخاصة بها. وتتعلق أهم القواعد الأولية بالحضور (على سبيل المثال، “عدم المغادرة لإجراء مكالمات هاتفية”)، والمناقشة (“لا توجد خطوط حمراء”)، والسرية (“لا نتحدث إلا عن الأشياء التي اتفقنا على التحدث عنها”)، والنهج التحليلي (“الحقائق في صفنا”)، التوجه نحو المنتج النهائي (“للجميع واجبات وعليهم القيام بها”)، المواجهة البناءة (“عدم توجيه أصابع الاتهام”)، وأخيراً، وهي الأمر الأكثر أهمية، المساهمات (“كل شخص يقوم بعمل حقيقي”).

الوضع والاستيلاء على عدد قليل من المهام والأهداف الموجهة نحو الأداء الفوري

تتبع أكثر الفِرق فاعلية تقدمها بحسب الأحداث الرئيسة الموجهة نحو الأداء. ويمكن وضع مثل هذه الأحداث موضع التنفيذ عبر تحديد عدد قليل من الأهداف الصعبة التي يمكن الوصول إليها في وقت مبكر. ولا يوجد شيء يدعى فريق حقيقي دون نتائج أداء، لذلك كلما تحققت هذه النتائج أسرع، كلما زاد ترابط الفريق.

تحدي المجموعة بانتظام عبر حقائق ومعلومات جديدة

تؤدي المعلومات الجديدة إلى إعادة الفريق تعريفه للأداء موضوع التحدي وإثراء فهمه له، مما يساعده على تشكيل غاية مشتركة، ووضع أهداف أكثر وضوحاً، وتحسين منهجه المشترك. علم فريق تحسين الجودة لمصنع أن تكلفة النوعية الرديئة كانت مرتفعة، لكنهم لم يعرفوا مقدار تلك التكلفة حتى تقصوا عن أنواع العيوب المختلفة مع تحديد تكلفة كل عيب منها؛ وهو ما ساعدهم على المضي قُدُماً. وفي المقابل، تُخطئ الفِرق عندما تفترض أن المعلومات المطلوبة موجودة ضمن التجربة الجماعية وضمن معرفة أعضائها.

قضاء الكثير من الوقت معاً

تقول لنا الفطرة السليمة إن على أعضاء الفريق قضاء الكثير من الوقت معاً، سواءً أكان وقتاً مجدولاً أم غير مجدول، خصوصاً في البداية. في الواقع، تتطلب الرؤى الإبداعية، وكذلك الترابط الشخصي، تفاعلات مرتجلة وغير رسمية تماماً مثل تحليل جداول البيانات ومقابلة العملاء. ويتسبب انشغال المدراء التنفيذيين عمداً في تقليل الوقت الذي يقضونه معاً. وتعطي جميع الفِرق الناجحة التي لاحظناها وقتاً لتتعلم كيف تكون فريقاً. وليس من الضروري دائماً قضاء هذا الوقت معاً في الوقت نفسه، إذ يمكن أيضاً احتساب الوقت الإلكتروني وعبر الفاكس والهاتف كوقت يتم قضاؤه معاً.

استغلال قوة ردود الفعل الإيجابية، والتقدير والمكافأة

يساهم التعزيز الإيجابي في أثر إيجابي على الفريق كما في أي مكان آخر، إذ يساعد “التكريم” على تشكيل سلوكيات جديدة مهمة لأداء الفريق. فإذا كان الأشخاص في المجموعة، على سبيل المثال، متنبهين للجهود الأولية التي يبذلها شخص خجول للتحدث والمساهمة، فيمكنهم تقديم التعزيز الإيجابي الصادق الذي يشجع على استمرار تلك المساهمات. وهناك العديد من الطرق للتعرف على أداء الفريق ومكافأته بما يتجاوز التعويض المادي المباشر، من وجود مدير تنفيذي كبير يتحدث مباشرة إلى الفريق حول مدى أهمية مهمته وصولاً إلى استخدام الجوائز لتقدير تلك المساهمات. وفي النهاية، يصبح الرضا الذي يتقاسمه فريق ما في أدائه أفضل مكافأة.

ولا يمكننا دعوة أي مجموعة تعمل معاً “فريقاً”، كما أن اللجان والمجالس ومجموعات المهام ليست فِرقاً بالضرورة، إذ لا تصبح المجموعات فِرقاً ببساطة لأن شخصاً ما دعاها كذلك. ولا يمكن أن يقال عن طاقم العمل الخاص بمؤسسة كبيرة ومعقدة فريقاً أبداً، لكن فكر في كم من المرات حدث ذلك.

وإن أردنا أن نفهم كيف تُقدّم الفِرق أداءً متميزاً إضافياً، يجب أن نُميز بين الفِرق وباقي أشكال مجموعات العمل الأخرى المختلفة، على اعتبار أن فعل ذلك سوف يقودنا إلى تحقيق نتائج الأداء المرجوة. ويُعرّف أداء مجموعة عمل ما على أنه ما يفعله أعضاء تلك المجموعة كأفراد، فيتضمن أداء الفريق كأفراد وأيضاً ما نسميه “منتجات العمل الجماعي” والتي تمثل بدورها ما يجب أن يعمل عليه عضوان أو أكثر معاً، مثل إجراء مقابلات أو إنجاز استطلاعات أو تجارب أو ما إلى ذلك. ومهما كان، يعكس منتج العمل الجماعي المساهمة الحقيقية والمشتركة لأعضاء الفريق.

وتُعتبر مجموعات العمل منتشرة وفاعلة في المؤسسات الكبيرة، والتي تكون فيها المساءلة الفردية الأمر الأكثر أهمية. وتجتمع أفضل مجموعات العمل معاً لتتبادل المعلومات ووجهات النظر والرؤى، ثم تتخذ القرارات التي تساعد كل شخص على أداء وظيفته بشكل أفضل، مع قيامها بتعزيز معايير الأداء الفردي. إلا أن التركيز دائماً ينصب على الأهداف الفردية والمساءلة، ولا يتحمل أعضاء مجموعة العمل مسؤولية أي نتائج أخرى بخلاف نتائجهم الخاصة بهم، فضلاً عن أنهم لا يحاولون تطوير مساهمات الأداء الإضافية اللازمة والتي تتطلب عملاً مشتركاً بين عضوين أو أكثر.

وتختلف الفِرق عن مجموعات العمل بشكل جوهري نظراً لكونها تتطلب مساءلة فردية وأخرى مشتركة، إذ تعتمد الفِرق على أكثر من مجرد مناقشة جماعية ومناظرات واتخاذ قرار، وعلى أكثر من مجرد مشاركة المعلومات ومعايير الأداء لأفضل الممارسات. وتُنتج الفِرق منتجات عمل متميزة من خلال المساهمات المشتركة لأعضائها، الأمر الذي يجعل مستويات الأداء الممكنة أكبر من مجموع عمل الأفراد أعضاء ذاك الفريق. ببساطة، إن الفريق أكبر من مجموع أفراده.

تتمثل الخطوة الأولى في تطوير نهج منضبط لإدارة الفريق في التفكير في الفِرق باعتبارها وحدات منفصلة الأداء وليست مجرد مجموعات إيجابية من القيم. فبعد ملاحظة عشرات الفِرق خلال عملها، والعمل حتى معها، في نجاحاتها وإخفاقاتها، نقدم التعريف التالي، والذي يمكن أن تراه تعريف عمل، أو الأفضل من ذلك، هو الانضباط الأساسي الذي تتشاركه الفِرق الحقيقية: الفريق هو عدد صغير من الأشخاص أصحاب مهارات تكمّل بعضها، ملتزمون بغاية مشتركة، ومجموعة من أهداف الأداء، ونهج يقومون بمحاسبة أنفسهم بناءً عليه.

ومن المهم أن يكون المدراء أكثر دقة حيال ما هو تعريف الفريق، حتى يتخذوا قراراتٍ أفضل بشأن ما إذا كان يجب تشجيع الفريق، ومتى، وكيف يتم ذلك.

ويعتبر الالتزام المشترك جوهر الفريق، والذي من دونه يكون الفريق عبارةً عن مجموعات تعمل كأفراد، ومعه يصبح الفريق وحدة قوية ذات أداء جماعي. ويتطلب هذا النوع من الالتزام وجود غاية يمكن لأعضاء الفريق الإيمان بها، سواء أكانت “تحويل مساهمات الموردين إلى رضا للعملاء”، أو “لجعل شركتنا شركة نفتخر بها من جديد”، أو “لإثبات أن جميع الأطفال يمكنهم التعلم”. كما يجب أن تحتوي غاية الفريق الموثوقة على عنصر مرتبط بالفوز، على غرار أن يكون الفريق هو الأول أو أن يُحدث ثورة أو أن يكون في الطليعة.

اقرأ أيضاً: بحث: عندما تكون الفرق الصغيرة أفضل من الكبيرة

وتُطور الفِرق الاتجاه والزخم والالتزام من خلال العمل على تشكيل غاية لها معنى. لكن، لا يتعارض بناء الملكية والالتزام بهدف الفريق مع اتخاذه لخطوة الغاية تلك من خارجه. ويربك الفرق أكثر مما يساعدها الاعتقاد – يرقى إلى مصاف اليقين لدى البعض – بافتراض ينص على أن الفريق لن يشعر “بملكية” غايته ما لم تتركه الإدارة يضع تلك الغاية بنفسه. وفي الواقع، تُعتبر الحالات التي ينشئ فيها فريق ما الغاية من تلقاء نفسه، على غرار حالات تنظيم المشاريع مثلاً، حالات استثنائية.

وتشكل معظم الفِرق الناجحة غاياتها استجابةً لطلب أو فرصة توضع في طريقها، وعادة من قِبل الإدارة العليا. ويساعد هذا الفِرق على الإقلاع من خلال صياغة توقعات أداء الشركة على نطاق واسع. وتعتبر الإدارة المسؤولة عن توضيح الميثاق، والأسباب والمبررات، وتحدي الأداء للفريق. ولكن يجب أيضاً على الإدارة أن تعطي الفريق مرونة كافية ليطوِّر الالتزام بإدارة عملياته بطريقته الخاصة فيما يتعلق بتلك الغاية، ويضع الأهداف المحددة الخاصة بها، والتوقيت والنهج.

تستثمر أفضل الفِرق قدراً هائلاً من الوقت والجهد في استكشاف هدف يخصها على المستوى الجماعي وحتى الفردي، وتشكيله والاتفاق عليه. ويستمر النشاط “ذي الغاية” طوال عمر الفريق. أما الفِرق الفاشلة، فهي على النقيض من ذلك، فنادراً ما تضع غاية مشتركة، كما لا تتحد حول طموحٍ صعب لأسباب عديدة، منها عدم وجود تركيز كافٍ على الأداء، ونقص الجهد، والقيادة الضعيفة.

وتُترجم أفضل الفِرق أيضاً غايتها المشتركة إلى أهداف أداء محددة، مثل تقليل معدل الرفض من الموردين بنسبة 50%، أو زيادة درجات الخريجين في مادة الرياضيات من 40% إلى 95%. وفي الواقع، إذا لم يتمكن الفريق من تحديد أهداف أداء محددة، أو إذا كانت تلك الأهداف لا ترتبط مباشرة بالغاية العامة للفريق، سيصبح أعضاء الفريق في حيرة من أمرهم، وسوف يتفككون، ويغدو أداؤهم متوسطاً. وعلى النقيض من ذلك، عندما يتم بناء الأهداف على الغايات، ويتم صهرها بالتزام الفريق، تصبح محركاً قوياً للأداء.

ويُعتبر تحويل توجيهات مجلس الإدارة إلى أهداف أداء محددة وقابلة للقياس هي الخطوة الأولى الأكثر أهمية لفريق يحاول تشكيل غاية لها معنى لأفراده، إذ يُوفّر وضع أهداف محددة على غرار “طرح منتج جديد في السوق في أقل من نصف الوقت المعتاد”، أو “الاستجابة لجميع العملاء في غضون 24 ساعة”، أو “تحقيق معدل عيب صفري مع خفض التكاليف في الوقت نفسه بنسبة 40%”، بداية قوية راسخة للفِرق، ويعود سبب ذلك إلى عدة أمور سنُدرجها في الأسطر التالية:

يساعد تحديد أهداف محددة لأداء الفريق على وضع مجموعة من منتجات العمل، التي تختلف عن مهمة المؤسسة بشكل عام والأهداف الفردية الخاصة بكل موظف. ونتيجةً لذلك، تتطلب منتجات العمل هذه قيام أعضاء الفريق بجهد جماعي لإنجاز شيء محدد، والذي يُضيف بحد ذاته قيمة حقيقية إلى النتائج. وعلى النقيض من ذلك، لن يؤدي مجرد التجمع من وقت لآخر لاتخاذ القرارات إلى الحفاظ على أداء الفريق.

اقرأ أيضاً: انضباط الفرق يؤدي إلى الأداء الجيد في العمل

وتسهّل عملية تحديد الأهداف الجليّة التواصل الواضح والصراع البنّاء داخل الفريق؛ فعندما يحدد فريق على مستوى المصنع مثلاً، هدف “تقليل متوسط ​​وقت صيانة الآلة إلى ساعتين”، سوف يُجبر وضوح الهدف الفريق على التركيز على ما يحتاج إليه، إما لتحقيق هذا الهدف أو لإعادة النظر فيه. وعندما تكون هذه الأهداف واضحة، يمكن للمناقشات وقتها التركيز على كيفية السعي لتحقيقها أو تغييرها؛ أما عندما تكون الأهداف غامضة أو غير موجودة، تكون هذه المناقشات أقل إنتاجية.

وتُساعد إمكانية تحقيق أهداف محددة الفِرق في الحفاظ على تركيزها تجاه تحقيق نتائج. فقد وضع فريق تطوير منتجات قسم الأجهزة الطرفية في شركة “إيلاي ليلي أند كومباني” مقاييس محددة لطرح مسبار موجات فوق صوتية في السوق، لمساعدة الأطباء على تحديد الأوردة والشرايين العميقة. وكانت المقاييس أن يكون للمسبار إشارة صوتية مسموعة وفقاً لعمق النسيج، وأن تكون هناك قدرة على تصنيعه بمعدل 100 وحدة في اليوم، وأن تكون تكلفة الوحدة أقل من المقدار المحدد سابقاً. ونظراً لقدرة الفريق على قياس تقدمه مقابل تلك الأهداف المحددة جميعها، فقد تمكن من معرفة موضعه طوال عملية التطوير، وإدراك إن كان قد تمكن من تحقيق أهدافه أم لا.

وكما يوضح برنامج “أوت وورد باوند” (Outward Bound)، وبرامج بناء الفريق الأخرى، فإن للأهداف المحددة تأثير يساعد على مواءمة الفريق وسلوكه؛ عندما تتحدى مجموعة صغيرة من الناس أنفسها لتخطي حاجز أو لتقليل وقت دورة عمل بنسبة 50%، تتلاشى ألقابهم وامتيازاتهم وأي أمور أخرى تصبح هامشية. وتقوم الفِرق الناجحة بتقييم ماذا يمكن أن يساهم به كل فرد بشكل أفضل في هدف الفريق، وكيف. والأهم، هو أن يفعل ذلك وفقاً للأداء المستهدف نفسه، وليس وفقاً لمكانة الشخص أو شخصيته.

وتسمح الأهداف المحددة للفريق بتحقيق انتصارات صغيرة خلال سعيه لتحقيق هدفه الأكبر. وتُعتبر هذه المكاسب الصغيرة أموراً لا تُقدّر بثمن لبناء الالتزام والتغلب على العقبات التي لا مفر منها، والتي تعترض الطريق طويل الأجل. فعلى سبيل المثال، حوّل فريق “نايت ريدر” الذي ذُكر في البداية، هدفاً ضيقاً متمثلاً في إزالة الأخطاء إلى غاية تتمثل في تقديم خدمة عملاء جيدة.

وتعتبر أهداف الأداء مقنعة، لأنها رموز الإنجاز التي تحفِّز وتنشِّط، فضلاً عن أنها تتحدى أفراد الفريق لإلزام أنفسهم، كفريق، لإحداث فِرق. وتنصهر التوترات والإلحاح والخوف الصحي في بوتقة واحدة لدفع الفِرق التي لديها نظرة جماعية نحو هدف يُمكنها بلوغه، لكنه صعب، ولا يمكن لأحد إنجازه غير الفريق نفسه. إنه التحدي الخاص بهم.

يُعتبر الجمع بين الغاية والأهداف المحددة ضرورياً للأداء؛ إذ يعتمد كل منهما على الآخر ليظل ذا صلة وحيوية. وتساعد أهداف الأداء الواضحة الفريق على تتبع التقدم المحرز ومحاسبة نفسه، في حين تُوفر الطموحات الأوسع نطاقاً، وحتى الأنبل، في غرض فريق ما، المعنى والطاقة العاطفية.

وتراوح عدد أعضاء الفِرق الفاعلة التي قابلناها أو قرأناها أو سمعنا عنها، أو كنا أعضاء فيها بين شخصين و25 شخصاً تقريباً. فعلى سبيل المثال، تألف فريق “بيرلينجتون نورذرن”، السالف ذكره، من سبعة أعضاء، في حين تألف فريق جريدة “نايت ريدر” من 14 عضواً. وكان عدد الأعضاء في غالبية الفِرق يقل عن عشرة. ويُعد الحجم الصغير دليلاً عملياً أكثر من كونه ضرورة مطلقة للنجاح، فرغم إمكانية أن تصبح مجموعة كبيرة من الناس، 50 شخصاً أو أكثر، فريقاً من الناحية النظرية، إلا أنه من المرجح أن تنقسم مجموعات من هذا الحجم إلى مجموعات فرعية بدلاً من أن تعمل وحدة واحدة، في سبب يعود إلى مواجهة أعداد كبيرة من الناس مشكلة في التفاعل بشكل بنّاء كمجموعة مع أعداد مثل هذه، ناهيك عن القدرة على أداء مهام حقيقية معاً. واحتمالية تجاوز فريق مؤلف من 10 أشخاص اختلافاتهم الفردية والوظيفية والتسلسل الهرمي أكبر بكثير مقارنةً بفريق تعداده 50 شخصاً، وكذلك فيما يتعلق بإنشاء خطة مشتركة، ومحاسبة أنفسهم بشكل مشترك على النتائج.

كما تواجه المجموعات الكبيرة أيضاً مشكلات لوجستية تعيق الوصول إلى فوائد انضباط الفريق في العمل، على غرار إيجاد مكان وزمان مناسبين للجميع للاجتماع، فضلاً عن مواجهة تلك الفرق لقيود أكثر تعقيداً على غرار سلوكيات الحشود أو القطيع، والتي تمنع المشاركة المكثفة لوجهات النظر اللازمة لبناء الفريق. ونتيجةً لذلك، وعندما تحاول تلك الفِرق تطوير هدف مشترك، عادة ما تُنتج فقط “مهاماً” سطحية ونوايا حسنة النية لا يمكن ترجمتها إلى أهداف ملموسة. وتميل الاجتماعات بسرعة إلى أن تصبح روتينية وعبئاً إلى حدٍ ما، وهي علامة واضحة على أن معظم الأشخاص في المجموعة غير متأكدين من السبب وراء تجمعهم، ناهيك عن فكرة تناغمهم مع بعضهم. ويعرف كل من خضع لأحد هذه التدريبات مدى الإحباط الكامن. ويؤدي هذا النوع من الإخفاق إلى تعزيز التشاؤم، الذي يعيق جهود الفريق في المستقبل.

كيفية تطوير المزيج الصحيح من المهارات

كما يجب على الفِرق، إضافة إلى إيجاد الحجم المناسب، تطوير المزيج الصحيح من المهارات. بمعنى آخر، مهارات تُكمّل بعضها، وتكون ضرورية لأداء الفريق لعمله. ويُعتبر ما سبق أمراً بديهياً، لكنه سبب الإخفاق الشائع لفِرق عديدة. وتنقسم متطلبات المهارة إلى ثلاث فئات بديهية إلى حد ما.

الخبرة الفنية أو الوظيفية

سيكون من غير المنطقي لمجموعة من الأطباء التقاضي في قضية تمييز في العمل أمام محكمة قانونية. لكن يمكن لفِرق مؤلفة من مزيج من الأطباء والمحامين المشاركة في محاكمة سوء ممارسة طبية أو حالات إصابة شخصية. وبالمثل، ستكون مجموعات تطوير المنتجات المؤلفة من مسوقين فقط أو مهندسين فقط أقل عرضة للنجاح من تلك التي تتمتع بمزيج منهما.

مهارات حل المشكلات واتخاذ القرارات

يجب أن تكون الفِرق قادرة على تحديد المشكلات والفرص التي تواجهها، وتقييم الخيارات المتاحة أمامها للمضي قدماً، ثم القيام بالمقايضات والقرارات اللازمة حيال كيفية المتابعة. وتحتاج معظم الفِرق إلى أعضاء يمتلكون هذه المهارات الأساسية، على الرغم من أن العديد منهم سيطورونها خلال رحلتهم في قلب تلك المشكلة.

المهارات الشخصية

لا يمكن أن ينشأ الفهم والغاية المشتركة دون التواصل الفعال والصراع البنّاء، الذي يعتمد بدوره على المهارات الشخصية. وتضم قائمة المهارات الشخصية هذه القيام بالمخاطرة، والنقد البنّاء، والموضوعية، والإصغاء النشط، وإعطاء فائدة الشك، والاعتراف بمصالح الآخرين وإنجازاتهم.

ومن الواضح استحالة إقلاع الفريق من دون حد أدنى من المهارات، لاسيما تلك الفنية والوظيفية. ومع ذلك، فكرْ في عدد المرات التي كنت فيها جزءاً من فريق اُختير أعضائه في المقام الأول على أساس التوافق الشخصي أو الموقف الرسمي في المؤسسة، ولم يتم التفكير كثيراً في المهارات اللازمة والضرورية لعمل ذلك الفريق.

ومن الشائع بالمثل التأكيد على المهارات في اختيار الفريق. ومع ذلك، لم يجمع أي فريق، من بين الفِرق الناجحة التي نظرنا إليها، المهارات اللازمة لعمله في البداية. فعلى سبيل المثال، لم يكن لدى فريق “بيرلينجتون نورذرن” (Burlington Northern) في البداية أي أعضاء من المسوقين المهرة، على الرغم من أن التحدي الذي كانوا يعملون عليه كان تحدٍ تسويقي إلى حد كبير. وفي الواقع، اكتشفنا أن الفِرق هي نواقل قوية لتطوير المهارات اللازمة لملاقاة تحدي الأداء الذي يواجه الفريق. ووفقاً لذلك، يجب أن يضم الفريق أفراداً لديهم إمكانية لاكتساب مهارة ما، بقدر أهمية ضمهم لأفراد يمتلكون تلك المهارة بالفعل.

وتُطور الفِرق ذات الكفاءة التزاماً قوياً بنهج مشترك، والذي يعني بدوره كيفية عمل أعضاء الفريق معاً لتحقيق هدفهم. ويجب أن يوافق أعضاء الفريق على مهمة كل فرد منهم، وكيف سيتم تعيين الجداول الزمنية والالتزام بها، وما هي المهارات التي يجب تطويرها، وكيف سينال الشخص حق الاستمرار في الفريق، وكيف ستتخذ المجموعة القرارات وتراجعها. ويعتبر عنصر الالتزام هذا مهماً لأداء الفريق بأهمية التزام الفريق بغايته وأهدافه نفسها.

وتعتبر صياغة نهج مشترك حول فوائد انضباط الفريق هي حجر الأساس في الاتفاق على تفاصيل العمل، وكيف يتواءم أفراد الفريق مع بعضهم، بغرض دمج المهارات الفردية والتقدم تجاه تحقيق أداء الفريق. وربما يكون من البديهي القول إن أي فريق لن ينجح مطلقاً إن كان النهج الذي يعتمد عليه قائماً على تفويض العمل الحقيقي كله إلى عدد قليل من أعضائه (أو إلى جهات خارجية) ويجتمع فقط للمراجعة أو لتثبيت فكرة “العمل معاً”. ويجب على كل عضو في الفريق الناجح أن ينجز حجم مهام مماثل للبقية، وعلى جميع الأعضاء المساهمة، بما في ذلك قائد الفريق، بطرق ملموسة في منتج عمل الفريق. هذا عنصر مهم للغاية في المنطق العاطفي الذي يدفع أداء الفريق.

وعندما يتعامل الأفراد مع موقف فريق، خصوصاً في بيئة العمل، يكون لكل منهم مهام وظيفية محددة مسبقاً، إضافة إلى نقاط القوة والضعف التي تعكس مجموعة متنوعة من المواهب والخلفيات والشخصيات والتحيزات. ويمكن للفريق تطوير أفضل نهج لتحقيق أهدافه، والاتفاق عليه، فقط من خلال الاكتشاف والتفهم المتبادلين لكيفية تطبيق موارده البشرية حيال غاية مشتركة. وفي صميم مثل هذه التفاعلات الطويلة، وفي بعض الأحيان، تقع عملية التفاعل الصعبة في عملية بناء التزام يستكشف فيها الفريق بصراحة من هو الأنسب لكل مهمة وأيضاً كيفية توحيد الأدوار الفردية. وفي الواقع، يُنشئ الفريق عقداً اجتماعياً بين الأعضاء يرتبط بهدفهم ويرشد ويلزم كيفية عملهم معاً.

ولن تصبح أي مجموعة فريقاً ما لم تتمكن من محاسبة نفسها كفريق واحد، إذ تُعد المساءلة المشتركة اختباراً قاسياً، مثل الغاية والنهج المشتركين. فكّر، على سبيل المثال، في الاختلاف الدقيق والحاسم بين “الرئيس يُحمّلني المسؤولية” وبين “نحن نُحمِّل أنفسنا المسؤولية”. ويمكن أن تقود الحالة الأولى إلى الثانية، لكن لا يوجد ما يدعى “بفريق” إن لم تكن هناك الحالة الثانية.

ولدى شركات مثل “هيوليت-باكارد” (Hewlett-Packard)، و”موتورولا” (Motorola) أخلاقيات أداء متأصلة حول فوائد انضباط الفريق في العمل، والتي تُمكّن الفِرق من التكوّن تلقائياً وعفوياً كلما كان هناك تحدٍ واضح في الأداء يتطلب جهداً جماعياً وليس فردياً. وفي هذه الشركات، يكون عامل المساءلة المشتركة أمراً شائعاً، إذ تُمثل عبارة “نحنا معاً في المركب ذاته” شعارهم التقليدي.

وتتعلق مُساءلة الفريق في جوهرها بالوعود المخلصة التي قطعها على نفسه أمام الآخرين، وهي وعود تدعم جانبين أساسيين للفِرق الفعالة: الالتزام والثقة. فمعظمنا يدخل في موقف فريق محتمل بحذر لأن الفردية المتأصلة والتجربة لا تشجعنا على وضع مصائرنا في أيدي الآخرين أو قبول مسؤولية عن تصرفات الآخرين. ولا يتم إنتاج الفِرق بتجاهل مثل هذه الأفكار والسلوكيات، أو تمنّي اختفائها.

ولا يمكن إكراه الناس على قبول المساءلة المشتركة، كما هو الحال مع إجبارهم على الثقة ببعضهم البعض، لكن عندما يتشارك فريق في الغاية والأهداف والنهج، تزداد المُساءلة المشتركة بشكل طبيعي. وتنشأ المساءلة مع مرور الوقت ومع الطاقة المبذولة والأفعال المقدمة تجاه اكتشاف ما يحاول الفريق إنجازه، وأفضل طريقة لإنجازه، وتتعزز أيضاً بما سبق كله.

تنبع الثقة والالتزام عندما يعمل الناس معاً لتحقيق هدف مشترك. وبالتالي، تُحمل الفِرق التي تتمتع بالغاية القوية والنهج المشترك ذاتها المسؤولية معاً كأفراد وكفريق عن أداء الفريق. وينتج عن هذا الإحساس بالمسؤولية المتبادلة مكافآت غنية من الإنجاز المتبادل يشارك فيها الأعضاء جميعهم. وما سمعناه مراراً من أعضاء الفِرق الفاعلة هو أنهم وجدوا التجربة منشّطة ومحفزة بطرق لا يمكن لوظائفهم “العادية” أن تضاهيها أبداً.

ومن ناحية أخرى، نادراً ما تصبح المجموعات المنشأة بشكل أساسي بغرض أن تصبح فريقاً أو لتحسين الوظيفة أو التواصل أو الفعالية التنظيمية أو التميز فِرقاً فاعلة، كما يتضح من المشاعر السيئة التي حدثت ضمن العديد من الشركات بعد تجربة دوائر الجودة التي لم تُترجِم أبداً “الجودة” إلى أهداف محددة. ويجب مناقشة الأهداف والنهج المتبع للفريق فقط عندما توضع أهداف أداء مناسبة لإعطاء أفراد الفريق خيارات واضحة وجلية: إذ يمكن الاختلاف مع الهدف والمسار الذي يختاره الفريق، ويمكنهم حتى الانسحاب من الفريق أو يمكنهم تقديم المساهمة وأن يكونوا عرضةً للمحاسبة مع باقي أفراد الفريق وأمامهم.

فوائد انضباط الفريق

يُعتبر انضباط الفِرق التي نظرنا إليها أمراً بالغ الأهمية لنجاح الفِرق كلها. ومع هذا، من المفيد أيضاً التقدم خطوة إضافية إلى الأمام، فيمكن تصنيف معظم الفِرق بإحدى الطرق الثلاث: الفِرق التي تُوصي بالأشياء، والفِرق التي تصنع أو تفعل الأشياء، والفِرق التي تُدير الأشياء. وبحسب تجربتنا، يواجه كل نوع مجموعة مختلفة من التحديات.

الفِرق التي توصي بالأشياء

وتضم القائمة مجموعات العمل، ومجموعات العمل على مشروع، ومجموعات التدقيق أو الجودة أو السلامة المكلفة بدراسة مشكلات معينة وحلها. وللفِرق التي توصي بالأشياء تواريخ محددة سلفاً للانتهاء في أغلب الحالات. وثمّة قضيتان هامتان تنفرد بهما هذه الفِرق: البدء ببداية سريعة وبنّاءة، والتعامل مع المهمة النهائية المطلوبة لتنفيذ التوصيات.

ويكمن مفتاح القضية الأولى في وضوح ميثاق الفريق وتكوين عضويته، إذ تحتاج فِرق العمل إلى تعريف واضح لمن تتوقع الإدارة مشاركته والالتزام بالوقت المطلوب، إضافة إلى الرغبة في معرفة سبب أهمية الجهود الذي يبذلها. ويمكن للإدارة أن تساعد في ذلك من خلال التأكد من أن يضم الفريق أشخاصاً يتمتعون بالمهارات والتأثير الضروري لصياغة توصيات عملية لها ثقلها في جميع أركان المؤسسة. علاوة على ذلك، يمكن للإدارة أن تساعد الفريق في الحصول على التعاون اللازم من خلال فتح الأبواب له والتعامل مع العقبات السياسية.

وغالباً ما تعوق مشكلة عدم إنجاز التوصيات الفِرق التي تقدم تلك التوصيات. ولتجنب ذلك، يتطلب نقل مسؤولية إنجاز التوصيات إلى أولئك الذين يقع على عاتقهم تنفيذها ضمن الإدارة العليا، وعليهم بدورهم إيلاء الاهتمام الكافي لها. فكلما افترض المزيد من كبار المدراء أن التوصيات “ستحدث فقط”، قل احتمال حدوثها. وكلما زاد مشاركة أعضاء فِرقة العمل في تنفيذ توصياتهم، زادت احتمالية تنفيذها.

ومن الضروري إشراك الأشخاص من خارج فريق مجموعة العمل في وقت مبكر إلى الحد الذي سيضطر فيه الأشخاص من خارج فريق العمل إلى تولي المسؤولية، وبالتأكيد يجب أن يتم ذلك قبل وضع التوصيات في صيغتها النهائية. وقد تأخذ هذه المشاركة أشكالاً متعددة، بما في ذلك المشاركة في المقابلات، والمساعدة في إجراء التحليلات، والمساهمة في نقد الأفكار، وإجراء التجارب والاختبارات. كحد أدنى، يجب أن يتلقى أي شخص مسؤول عن التنفيذ إحاطة عن غرض فريق العمل ونهجه وأهدافه في بداية الجهد وكذلك مراجعات منتظمة للتقدم.

الفِرق التي تصنع الأشياء أو تفعلها

وتضم هذه الفِرق أشخاصاً في الخطوط الأمامية أو بالقرب منها، مسؤولين عن القيام بالتصنيع والتطوير والعمليات والتسويق والمبيعات والخدمات وأنشطة القيمة المضافة الأخرى للشركة. وتميل الفِرق التي تصنع الأشياء أو تفعلها إلى عدم تحديد تواريخ انتهاء لأن أنشطتها مستمرة مع بعض الاستثناءات على غرار فِرق تطوير المنتجات الجديدة أو تصميم العمليات.

وينبغي أن تركز الإدارة العليا عند تحديدها للمكان الذي قد يكون فيه لأداء الفريق أكبر الأثر على ما نسميه “نقاط التسليم المهمة” للشركة. بعبارة أخرى، الأماكن في المؤسسة حيث يتم تحديد تكلفة وقيمة منتجات الشركة وخدماتها بشكل مباشر. وقد تتضمن نقاط التسليم المهمة هذه الأماكن التي تتم فيها إدارة الحسابات، وأداء خدمة العملاء، وتصميم المنتجات، وتحديد الإنتاجية. وإذا كان الأداء في نقاط التسليم الحرجة يعتمد على الجمع بين مهارات متعددة ووجهات نظر وأحكام في الوقت الفعلي، فإن خيار الفريق هو الأذكى.

وعندما تتطلب المؤسسة عدداً كبيراً من الفِرق في تلك النقاط، سيتطلب التحدي الكبير المتمثل في زيادة أعداد الفرق إلى الحد الأقصى إنشاء مجموعة من الآليات الإدارية بشكل معتنى به ويركز على الأداء. وتتمثل المشكلة هنا بالنسبة للإدارة العليا في كيفية بناء النظم اللازمة ودعم العمليات من دون الوقوع في فخ ظهور الترويج لفِرق على حساب أخرى.

وبالعودة إلى مناقشتنا السابقة حول الانضباط الأساسي للفِرق، فإن الحتمية هنا تتمثل في التركيز الذي لا هوادة فيه على الأداء. فإذا فشلت الإدارة في إيلاء اهتمام مستمر للصلة بين الفِرق والأداء، ستصبح المؤسسة مقتنعة بأنها تشكل فقط الفِرقٍ لا أكثر. ويمكن للإدارة العليا أن تساعد في هذا الأمر عبر مأسسة أمور مثل مخططات الأجور وتقديم التدريب للفِرق وفقاً لما يحتاجونه في الوقت الفعلي؛ إلا أن الأهم مما سبق كله، أنه يجب على الإدارة العليا تزويد الفِرق نفسها بطلبات واضحة ومقنعة، ثم إيلاء اهتمام مستمر لتقدمها فيما يتعلق بكل من أساسيات الفريق ونتائج الأداء. ويعني هذا بدوره التركيز على فِرق محددة وتحديات أداء محددة. وإلا، ستصبح عبارة “الأداء” فارغة مثل كلمة “فريق”.

الفِرق التي تدير الأشياء

وعلى الرغم من حقيقة أن العديد من القادة ينظرون إلى المجموعة التي تُقدم تقاريرها إليهم على أنها “فريق”، إلا أن هناك مجموعات قليلة منها يمكن دعوتها “فِرقاً” حقاً. والمجموعات التي تصبح فِرقاً حقيقية نادراً ما تفكر في نفسها كفريق، هذا لكونها تركز بشدة على نتائج الأداء. ومع ذلك، فإن الفرصة لمثل هذه الفِرق كبيرة، وتشمل مجموعات تبدأ من أعلى رتبة إدارية نزولاً إلى المستوى الوظيفي الأساسي أو الأولي. فطالما أن المجموعة تشرف على بعض الأعمال أو البرامج الجارية أو أي نشاط وظيفي كبير، فهو فريق يدير الأشياء، سواء أكان هذا الفريق مسؤولاً عن بضعة أشخاص أم الآلاف.

تواجه كل شركة تحديات واضحة في الأداء من أجلها تعتبر الفِرق أكثر الأدوات العملية والأقوى تحت تصرف الإدارة العليا.

وتواجه هذه الفِرق قضية رئيسة تتمثل في تحديد ما إذا كان نهج الفريق الحقيقي هو النهج الصحيح. ويمكن أن تكون العديد من المجموعات التي تدير الأشياء أكثر فاعلية كمجموعات عمل منها كفِرق. ويتمثل القرار النهائي فيما إذا كان من الأفضل أن تكون مجموعة عمل بدلاً من فريق في صعوبة الأداء المطروح نفسه، أو ما إذا كان يجب على المجموعة تقديم أداء تدريجي كبير يتطلب منتجات عمل مشتركة حقيقية. وعلى الرغم من أن اختيار خيار الفريق يَعِد بأداءٍ أفضل، إلا أنه يحمل أيضاً مخاطرة أكبر، ويجب أن يكون المدراء صادقون إلى حد هائل خلال مفاضلتهم بين خيار وآخر.

وقد يتعين على الأعضاء التغلب على ترددهم الغريزي حيال وضع مصيرهم بين أيدي الآخرين من أجل حصد فوائد انضباط الفريق بطريقة صحيحة. ويكون ثمن الاختيار الخاطئ لنهج الفريق مكلفاً؛ ففي أحسن الأحوال، سينشغل أعضاء ذاك الفريق عن أهدافهم الفردية الوظيفية الأساسية، وستفوق التكاليف الفوائد، وسوف يشعر الناس بالسوء حيال خسارتهم لوقتهم وأولوياتهم. أما في أسوأها، فستنشأ عداوات خطيرة وتتطور والتي ستقوض حتى أفضل الممارسات الشخصية المحتملة فيما لو تم تبنّي أفضل الممارسات فيما يتعلق بنهج مجموعات العمل.

لكن من ناحية أخرى، تُعتبر مجموعات العمل ذات مخاطر أقل، إذ تحتاج الفاعلة منها إلى القليل من الوقت لصياغة غايتها، على اعتبار أن القائد هنا هو من يُحدد تلك الغاية. وتتم إدارة اجتماعاتها بحسب جداول أعمال وفقاً للمهام ذات الأولوية. وتُنفذ القرارات عبر مهام ومسؤوليات فردية محددة. بالتالي، وفي معظم الأوقات، إذا كان من الممكن تحقيق تطلعات الأداء من خلال أفراد يؤدون وظائفهم بشكل جيد، فإن نهج مجموعة العمل أكثر راحة وأقل خطورة وإزعاجاً مقارنةً بمحاولة تحقيق مستويات أداء أكثر صعوبة في حالة الفريق. وفي الواقع، إذا لم تكن هناك حاجة لأداء نهج الفريق، فإن الجهود المبذولة لتحسين فعالية مجموعة العمل تكون أكثر منطقية من التعثر في محاولة أن تصبح فريقاً.

ونافلة القول هنا حول فوائد انضباط الفريق هو أننا نعتقد أن المستوى الإضافي لفِرق الأداء التي يمكن أن تحققها أصبح أمراً حاسماً لعدد متزايد من الشركات، خصوصاً لأنها تنتقل عبر التغييرات الرئيسة التي يعتمد خلالها أداء الشركة على تغيير السلوك واسع القاعدة. وعندما تستخدم الإدارة العليا الفِرق لإدارة الأشياء، عليها أن تتأكد من نجاح الفريق في تحديد غايات وأهداف محددة.

وتعتبر هذه القضية الرئيسة الثانية للفِرق التي تدير الأمور؛ ففي كثير من الأحيان، تخلط هذه الفِرق بين المهمة الواسعة لكامل المؤسسة والغاية المحددة لفريقها الصغير المحدود في القمة. وتخبرنا فوائد انضباط الفريق أنه لكي يتشكل فريق حقيقي، يجب أن تكون هناك غاية فريق مميزة وخاصة بالمجموعة الصغيرة، تتطلب من أعضاء ذاك الفريق أن يشمروا عن سواعدهم وينجزوا شيئاً يتجاوز النواتج النهائية الفردية. فإذا نظرتْ مجموعة من المدراء فقط في الأداء الاقتصادي لجزء من المؤسسة التي تديرها لتقييم الفعالية الكلية، لن يكون لدى المجموعة أي أهداف أداء فريق خاصة بها.

وتعتبر فِرق القمة الأكثر صعوبة رغم عدم اختلاف النظام الأساسي لها كثيراً عن بقية الفرق، إذ توجد أمور عديدة تتآمر ضد فرق القمة على غرار تعقيدات الصعوبات طويلة الأجل، والمطالب الثقيلة الخاصة بعملهم التنفيذي، والنزعة الفردية العميقة للأشخاص في القمة. إلا أنه وفي الوقت نفسه، تعتبر فِرق القمة من أقوى الفرق. ففي البداية اعتقدنا أنه من المستحيل وجود فِرق مثل هذه، لأننا كنا ننظر إلى الفِرق على النحو المحدد في الهيكل التنظيمي الرسمي؛ أي بوجود قائد ثم مرؤوسين متساوين في المرتبة، لكننا اكتشفنا أن الفِرق الحقيقية في القمة كانت في الغالب أصغر وأقل رسمية كما في حالة وينبرغ ووايتهيد لدى “غولدمان ساكس”، وحالة هيوليت وباكارد في “هيوليت-باكارد”، وكراسنوف وبال وهاردي في “بال كوربوريشن” (Pall Corporation)، وكيندال وبيرسون وكالواي في “بيبسي” (Pepsi)، وهاس وهاس في “ليفاي‭ ‬شتراوس” (Levi Strauss)، وباتن وريدر في “نايت ريدر”. لقد كانت الفرق الغالب ثنائية وثلاثية الأفراد، وفي أحيانٍ نادرة رباعية.

ومع هذا يمكننا حصد فوائد انضباط الفريق بطريقة صحيحة. إذ لا تزال الفِرق الحقيقية في قمة المؤسسات الكبيرة والمعقدة قليلة ومتباعدة، فتمنع الكثير من المجموعات في أعلى الشركات الكبرى نفسها من تحقيق مستويات أداء فريق حقيقية من دون داعٍ، لافتراضها أن على جميع المرؤوسين المباشرين أن يكونوا في الفريق، وأن على أهداف الفريق أن تتطابق مع أهداف الشركة، وأن على مناصب أعضاء الفريق أن تحدد أدوارهم بدلاً من مهاراتهم، وأن على الفريق أن يكون فريقاً طوال الوقت، وأن على قائد الفريق أن يترفع عن القيام بأي عمل حقيقي.

وتوجد فرصة لإنشاء فريق في أي مكان يمنع فيه التسلسل الهرمي أو الحدود التنظيمية بروز المهارات ووجهات النظر اللازمة لتحقيق أفضل النتائج.

وتكون معظم هذه الافتراضات غير مبررة بشكل مفهوم إلى حد كبير؛ فهي لا تنطبق على فوائد انضباط الفريق أو على الفِرق الموجودة في القمة التي لاحظناها، وعندما تُستبدل بافتراضات أكثر واقعية ومرونة تسمح بتطبيق الانضباط، يمكن أن يحدث أداء الفريق الحقيقي في القمة بالفعل. علاوة على ذلك، سنرى المزيد من الفِرق الحقيقية في القمة نظراً لمواجهة شركات متزايدة الحاجة إلى إدارة التغيير الرئيسي عبر مؤسساتها.

ونؤمن أن الفِرق ستصبح لَبِنَة الأداء الأساسية ضمن المؤسسات عالية الأداء، لكن لا يعني هذا أن الفِرق ستُزاحم الفرصة الفردية أو التسلسل الهرمي والعملية الرسمية، بل ستعمل بدلاً من ذلك على تعزيز الهياكل القائمة من دون استبدالها. وتوجد فرصة لإنشاء فريق في أي مكان يمنع فيه التسلسل الهرمي أو الحدود التنظيمية بروز المهارات ووجهات النظر اللازمة لتحقيق أفضل النتائج. وبالتالي، يتطلب ابتكار المنتجات الجديدة الحفاظ على التميز الوظيفي من خلال الهيكل مع القضاء على التحيز الوظيفي من خلال الفِرق. وتتطلب إنتاجية الخطوط الأمامية الحفاظ على الاتجاه والإرشاد من خلال التسلسل الهرمي مع الاعتماد على الطاقة والمرونة من خلال فِرق الإدارة الذاتية.

وفي نهاية الحديث عن فوائد انضباط الفريق بطريقة صحيحة، نحن مقتنعون أن كل شركة تواجه تحديات أداء محددة ستكون فيها الفِرق أكثر الأدوات قوة وعملية تحت تصرف الإدارة العليا. وبالتالي فإن الدور الحاسم لكبار المدراء هو القلق بشأن فوائد انضباط الفريق وبشأن أداء الشركة وأنواع الفِرق التي يمكنها تقديمها. وهذا يعني أن على الإدارة العليا إدراك الإمكانات الفريدة للفريق في تحقيق النتائج، ونشر الفِرق بشكل استراتيجي عندما تكون أفضل أداة لهذا العمل، وتعزيز الانضباط الأساسي للفِرق التي ستجعلها فرقاً فاعلة. ومن خلال تنفيذ ذلك، تخلق الإدارة العليا البيئة اللازمة التي تمكِّن الفريق وكذلك تُمكِّن الأداء الفردي والتنظيمي ما يعني حصد فوائد انضباط الفريق بطريقة فعالة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .