ماذا لو حصل الذكاء الاصطناعي على مقعد في مجلس الإدارة؟

12 دقيقة
أنظمة الذكاء الاصطناعي
فريق عمل هارفارد بزنس ريفيو/بيتر شرايبر.ميديا/وونغ يو ليانغ/غيتي إميدجيز

تناول كاتب الخيال العلمي إسحاق عظيموف في قصته القصيرة "الصراع المحتوم" (The Evitable Conflict) قبل 75 عاماً فكرة سيطرة الآلات على إدارة قطاعات بأكملها. وتزداد الأدلة يوماً بعد آخر على قدرة الذكاء الاصطناعي على التفوق على البشر في العديد من المهام الإدراكية المستقلة؛ إذ تشير تجربة أجراها فريق من جامعة كامبريدج إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) قادرة على التفوق على البشر في العديد من المهام، من بينها تصميم المنتجات وإدارة التكاليف والتحري عن السوق.

وعلى الرغم من أن هذه النتائج مثيرة للإعجاب، فالدراسات التي نعرفها كافة أُجريت كلها في ظروف مخبرية مصطنعة، ولا يمكن إسقاطها بسهولة على الواقع الفعلي، حيث يواجه المسؤولون التنفيذيون تحديات غير محددة ومتغيرة باستمرار، غالباً في ظل نقص البيانات أو عدم دقتها.

أردنا معرفة أثر الذكاء الاصطناعي عند نقله من بيئة المختبر إلى شركة حقيقية؛ فانضممنا على مدار العام الماضي إلى سلسلة من اجتماعات الفريق التنفيذي في شركة غيسفاين النمساوية التي تحقق إيرادات تبلغ 85 مليون دولار وتتخصص في بيع الأحذية الصوفية العضوية والصديقة للبيئة. تمحورت فكرتنا حول تجربة طرق مختلفة لدمج الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات التنفيذية للشركة بهدف فهم الأساليب الفعالة وآليات تطبيقها.

دور الذكاء الاصطناعي في مجلس الإدارة

بدأنا العمل مع شركة غيسفاين في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2023 بتصميم 3 مبادرات تطويرية مع تنفيذ كل منها مرتين على الأقل في موقفين مختلفين للتأكُّد من القدرة على تحقيق النتائج ذاتها كل مرة، ما يعزز موثوقية الدراسة. وبعد كل مبادرة تطويرية، كنا نجري مقابلات مع الأخوين اللذين يديران الشركة العائلية لمتابعة الأحداث واستطلاع آرائهما بشأن فعالية المبادرات.

نُفِّذت المبادرات خلال فترة قرر فيها الفريق التنفيذي اتخاذ عدة خطوات استراتيجية كبرى، ما أتاح لنا متابعة دور الذكاء الاصطناعي في رسم ملامح مستقبل الشركة. كانت الشركة قد قررت إسناد عملية الإنتاج بالكامل إلى جهات خارجية وإغلاق منشآتها التصنيعية القديمة في النمسا وتحويلها إلى مركز خدمات لوجستية، كما قرر الأخوان أيضاً بيع مصنع خياطة في سلوفاكيا ودخول السوق الأميركية.

تمثلت مبادرتنا التطويرية الأولى في استخدام تشات جي بي تي 4.0 خلال عدة اجتماعات، حيث أدخلنا إليه جدول أعمال الفريق التنفيذي وطلبنا منه اقتراح الأسئلة والقضايا الجديرة بالمناقشة. كنا نشارك النتائج مع الفريق خلال الاجتماع عند مناقشة كل بند من جدول الأعمال، بالإضافة إلى تقديم أوامر للبرنامج من أجل الحصول على توصيات أدق. على سبيل المثال، عند مناقشة مسألة الاستعانة بجهات خارجية، طلبنا منه تقديم الحجج التي تدعم القرار والأخرى التي تعارضه. كنا نعلم أن الشركة تستعين فعلياً بجهات خارجية لتنفيذ بعض عمليات الإنتاج في الصين، لذا طلبنا من تشات جي بي تي تحليل العوامل التي يجب أن تأخذها الشركة في الحسبان إذا قررت إسناد عملية الإنتاج بالكامل إلى جهات خارجية، ثم عُرضت النتائج لاحقاً في اجتماع الفريق التنفيذي.

عملنا في المبادرة التطويرية الثانية على صياغة أوامر تتعلق بالنقاط التي ناقشها المسؤولون التنفيذيون خلال الاجتماع، ثم شاركنا النتائج. على سبيل المثال، كان أحد العوامل الحاسمة المحتملة في قرار الاستعانة بجهات خارجية هو انخفاض معدل استخدام خط الإنتاج، ما أدى إلى تفاقم أثر التكاليف الثابتة. وفي أثناء مناقشتنا لهذا الأمر، طلبنا من تشات جي بي تي تقديم قائمة بمنتجات بديلة يمكن طرحها باستخدام المواد نفسها التي تنتجها الشركة بالفعل. وتضمنت قائمة المقترحات صناعة البطانيات الصوفية، وهي فكرة سبق أن ناقشها المسؤولون التنفيذيون.

تمثلت المبادرة التطويرية الثالثة في استخدام تشات جي بي تي بعد اجتماعات الفريق التنفيذي للإجابة عن أسئلة محددة طرحها فريق الإدارة، مثل تحليل استراتيجيات دخول السوق الأميركية. جربنا تنفيذ هذه المبادرة بطريقتين، تمثلت أولهما في إجراء حوار مطول مع تشات جي بي تي معتمدين على تقديرنا الشخصي لتوجيه الحوار معه، بينما اكتفينا في الطريقة الثانية بطرح أسئلة المسؤولين التنفيذيين على تشات جي بي تي دون أي تفسير إضافي أو تفاعل لاحق.

التعزيز لا الاستبدال

أثبتت تجاربنا مع المجلس التنفيذي عموماً أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مفيدة في توجيه المناقشات التنفيذية وإثرائها، شريطة أن تتفاعل معها الإدارة بإيجابية.

لم ينجح استخدام الذكاء الاصطناعي دون إشراف؛ إذ لم تكن النتائج محددة بما يكفي، وبالتالي اعتبرها المسؤولون التنفيذيون غير مفيدة. وبدت الاقتراحات التي حصلنا عليها بمجرد إدخال جدول الأعمال أو أسئلة المسؤولين التنفيذيين تقليدية أو متوقعة أو نمطية.

على النقيض من ذلك، اعتبر المسؤولون التنفيذيون أن التطبيقات الخاضعة للإشراف والمدعومة بقدرات مستشار بشري لا يملك معرفة تفصيلية بالشركة لكنه يتمتع بخبرة في تطوير الاستراتيجيات مفيدة للغاية. وقد توصلنا إلى 3 استنتاجات محددة:

1. ميزة كسر الإيقاع التوافقي

قد يبدو ذلك منافياً للمنطق، لكن أكبر ميزة لاستخدام تشات جي بي تي كانت قدرته على كسر الإيقاع التوافقي للاجتماعات. كنا نتوقع أن تكون العشوائية والارتباك والتأخير الناجم عن استخدام تشات جي بي تي مزعجاً للغاية، لكنّ المسؤولين التنفيذيين أعربوا عن تقديرهم لأثره في تحفيزهم على التمهُّل والتفكير.

أدرك أعضاء الفريق أنهم آراءهم أصبحت بعد عقود من العمل المشترك متوافقة بشدة في العديد من القضايا، لدرجة أنهم كانوا قادرين تقريباً على إكمال جُمل بعضهم. أدركوا أيضاً أن خبرتهم المشتركة وأنماط عملهم المكررة أدت بطبيعة الحال إلى ظهور نقاط مبهمة. وقد أوضح لنا الرئيس التنفيذي ماركوس غيسفاين أنه وافق على هذه التجربة؛ لأنه كان يتوقع دعماً متوازناً ومنهجياً؛ إذ يُتخَذ الكثير من القرارات في الشركة بناءً على الحدس والعاطفة.

وقد أدت طبيعة تشات جي بي تي بتقديم قوائم مفصّلة إلى تحفيز أعضاء الفريق على التفكير في خيارات ربما لم تكن تخطر على بالهم من قبل، لكن القيمة الحقيقية تمثّلت في كسر أنماط التفكير والتفاعل القائمة وإبطائها، ما أتاح الفرصة لمناقشة أفكار جديدة.

تجلّى هذا الأمر بوضوح في أثناء النقاش حول قرار إغلاق منشآت التصنيع التابعة للشركة من عدمه. شكّل هذا النقاش مسألة حساسة عاطفياً لهم ولموظفيهم وللجهات الخارجية المعنية؛ إذ ظل المصنع الواقع في مقر الشركة يعمل لأكثر من 50 عاماً. وقد ساعدهم الذكاء الاصطناعي على إجراء مناقشة أعمق تستند إلى البيانات وغنية بالتفاصيل الدقيقة.

2. وهم الكمال

كان لاتساع نطاق اقتراحات النماذج اللغوية الكبيرة جانب سلبي أيضاً؛ فمع اعتياد الفريق استخدام هذه الأداة لتوجيههم بشأن القضايا التي قد لا ينتبهون إليها في السابق، لاحظنا تزايد اعتمادهم عليها لتجنب إغفال أي أمر مهم.

على سبيل المثال، دار نقاش خلال أحد الاجتماعات حول إعلان مرتقب. طرح تشات جي بي تي العديد من العوامل التي ينبغي التعامل معها قبل الإعلان، لكنه لم يشر إلى التداعيات القانونية المحتملة التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار. في الأحوال المعتادة، كان من الممكن أن يطرح التنفيذيون المسائل القانونية، لكن الذكاء الاصطناعي ولّد وهماً بالكمال المطلق، ما دفعهم إلى الاعتماد عليه. في هذه الحالة، كانوا يحلون المشكلة بعد وقوعها، ولكن كان من الممكن تجنبها بسهولة لو أنهم طرحوا مزيداً من التساؤلات والتفكير النقدي.

يختلف هذا كلياً وجزئياً عن المشكلة الأكثر شيوعاً والمعروفة بالهلوسة؛ إذ أضاف الذكاء الاصطناعي بُعداً أوسع إلى جدول أعمال الاجتماع، لكنه لم يكن وافياً، ما استدعى التفكير النقدي وطرح التساؤلات لتجنب إغفال القضايا المهمة.

3. ميزة السرعة وخفض التكلفة

كانت السرعة وتقليل التكاليف من بين آخر الفوائد التي تحققت بفضل استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه الاجتماعات؛ فغالباً ما تسفر مناقشات مجلس الإدارة عن أسئلة تتطلب مزيداً من البحث. وأتاح تشات جي بي تي للفريق جمع البيانات وتقديم توصيات فورية، ما أسهم في تسريع اتخاذ الإجراءات.

على سبيل المثال، عندما درست شركة غيسفاين مستقبل المصنع في سلوفاكيا، برز تساؤل مهم حول التكلفة المحتملة لتجديد المصنع في حال قرروا الإبقاء عليه. وقد تمكّن تشات جي بي تي من تقديم تقديرات سريعة وبدقة كافية، ما أتاح للمسؤولين التنفيذيين المضي قدماً في هذا الموضوع.

يسهم استخدام الذكاء الاصطناعي أحياناً في تقليل تكاليف البحث المتعمق. على سبيل المثال، استلزم أحد القرارات التي اتخذها الفريق إصدار بيان صحفي. في السابق، كانوا يستعينون بوكالة لكتابة البيان الصحفي وإصداره، لكن تشات جي بي تي قدم بياناً ملائماً لاحتياجاتهم. ظهرت هذه الفائدة أيضاً عندما استخدمنا تشات جي بي تي في تحليل مجريات الاجتماع بعد انتهائه. على سبيل المثال، أرادت شركة غيسفاين الحصول على آراء حول محفظة منتجاتها المستقبلية. وقد ولّد تشات جي بي تي أفكاراً واستعرض نماذج من شركات أخرى، وهي مهمة كانت تتطلب الاستعانة بمستشار أو تستغرق وقتاً كبيراً من الإدارة لإنجازها.

نمط جديد من تفاعل فرق الإدارة التنفيذية

ركَّز معظم النقاشات حتى الآن حول قيمة الذكاء الاصطناعي التوليدي على دقة المعلومات التي يوفرها، بينما تُشير تجربتنا التي استمرت عاماً كاملاً في شركة غيسفاين إلى أن القيمة تكمن في جانب آخر، وتحديداً في عملية التفاعل ذاتها؛ إذ يدرك المدراء أن هذه الأداة قد تصاب بالهلوسة أحياناً، وهم معتادون أيضاً على التعامل مع معلومات مجتزأة أو مغلوطة.

ما يجعل الذكاء الاصطناعي عضواً قيّماً في الفريق التنفيذي هو اختلافه عن البشر. يؤدي هذا إلى إحداث زعزعة تكسر الأنماط التقليدية، ما يؤدي بدوره إلى توسيع دائرة الاعتبارات التي يجب أخذها في الحسبان، وفي بعض الحالات يسرّع الوصول إلى المعلومات اللازمة للمضي قدماً. لكن نجاح هذا النهج  يتطلب وجود شخص لديه قدرة على التفكير النقدي، حتى لو لم يكن خبيراً في القطاع المعني، لتشغيل أداة الذكاء الاصطناعي؛ إذ يوفر التعاون بين البشر والأدوات ذكاءً جمعياً يقدّم شيئاً مبتكراً ومثيراً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي