الاستراتيجية والمجتمع: الصلة بين الميزة التنافسية والمسؤولية الاجتماعية للشركات

32 دقيقة
الاستراتيجية والمجتمع
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

أضحى الجميع بارعاً في محاسبة الشركات على النتائج الاجتماعية المترتبة على أنشطتها، سواء جاءت هذه المحاسبة من طرف الحكومات أو الناشطين أو وسائل الإعلام. وأصبح عدد من الجمعيات والمنظمات لا يعد ولا يحصى يصنفون الشركات بناءً على أدائها في مجال مسؤولياتها الاجتماعية. وعلى الرغم من الشكوك التي تحيط بالمنهجيات المتبعة في هذه التصنيفات أحياناً، إلا أنها تحاط بالكثير من الدعاية الإعلامية. ونتيجة لذلك، برزت المسؤولية الاجتماعية للشركات كأولوية لا مفر منها لقادة الأعمال في كل بلد بسبب أهمية مراعاة الاستراتيجية والمجتمع في الوضع الراهن.

ولقد بذلت العديد من الشركات بالفعل جهوداً واسعة لتحسين النتائج الاجتماعية والبيئية المترتبة على أنشطتها، ومع ذلك لم تؤت هذه الجهود الثمار المرجوة، وذلك لسببين. أولاً، إنها تؤلب الشركات ضد المجتمع، في حين أن الترابط جلي بين الطرفين. وثانياً، إن هذه الجهود تضع ضغوطاً على الشركات للتفكير في المسؤولية الاجتماعية بطرق عامة، بدلاً من البحث عن الطريقة الأنسب لاستراتيجية كل شركة.

وفي الواقع، إن النُهج السائدة تجاه المسؤولية الاجتماعية للشركات مشتتة للغاية، إضافة إلى أنها منفصلة إلى حد كبير عن أعمالها التجارية إلى درجة أنها تحجب العديد من الفرص التي يمكن من خلالها أن تحقق الشركات الفائدة للمجتمع. وبدلاً من ذلك، إذا حللت الشركات فرصها في مجال المسؤولية الاجتماعية باستخدام الأطر نفسها التي توجه خيارات أعمالها الأساسية، قد تكتشف أن المسؤولية الاجتماعية يمكن أن تكون أكثر من مجرد تكلفة أو عبء أو عمل خيري، وأنها يمكن أن تكون مصدراً لفرصة وابتكار وميزة تنافسية.

اقرأ أيضاً في المفاهيم الإدارية: الفرق بين ميزان المدفوعات والميزان التجاري

الاستراتيجية والمجتمع

في هذه المقالة، نقترح طريقة جديدة للنظر إلى العلاقة بين الأعمال والمجتمع، ولكنها لا تعامل نجاح الشركات والرفاهية الاجتماعية على أنها لعبة محصلتها صفر. وإنما نقدم هنا إطار عمل يمكن أن تستخدمه الشركات لتحديد جميع الآثار الإيجابية والسلبية على المجتمع، وأي منها يحتاج للمعالجة، ونقترح طرقاً فعالة للقيام بذلك. عند النظر إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات من منظور استراتيجي، يمكن أن تصبح المسؤولية الاجتماعية للشركات مصدراً لتحقيق تقدم اجتماعي هائل، حيث تقدم الشركات مواردها وخبراتها ورؤيتها الهائلة من أجل رعاية الأنشطة التي تعود بالنفع على المجتمع.

ظهور المسؤولية الاجتماعية للشركات

لا تعتقد أن إيلاء الشركات اهتماماً متزايداً بالمسؤولية الاجتماعية مسألة تطوعية تماماً. وإنما تنبهت العديد من الشركات لهذا الأمر فقط بعد أن فوجئت بردود فعل الجمهور على قضايا لم يسبق لها التفكير في أنها جزء من مسؤولياتها التجارية. فعلى سبيل المثال، واجهت شركة “نايكي” مقاطعة واسعة من المستهلكين بعد أن تطرقت صحيفة “نيويورك تايمز” وغيرها من وسائل الإعلام إلى ممارسات مسيئة إزاء العاملين في مصانع بعض مورديها الإندونيسيين في أوائل التسعينيات. وأدى قرار شركة “شل” النفطية لإغراق منصة “برنت سبار” النفطية القديمة في بحر الشمال إلى تنظيم منظمة “غرينبيس” المدافعة عن البيئة حملة احتجاجات عام 1995 تصدرت عناوين الصحف الدولية. وبالمثل، اكتشفت شركات الأدوية أنه يُتوقع منها أن تتصدى لوباء الإيدز في أفريقيا على الرغم من أنه بعيد عن خطوط إنتاجها وأسواقها الرئيسية. وباتت شركات الوجبات السريعة والوجبات الجاهزة مسؤولة الآن عن السمنة وسوء التغذية.

ومع الوقت، اشتد عود المنظمات والجمعيات الناشطة من مختلف الانتماءات، وأصبحت أكثر ضراوة وفعالية في ممارسة الضغط في المشهد العام على الشركات. ويستهدف النشطاء أكثر الشركات حضوراً أو نجاحاً لمجرد لفت الانتباه إلى مشكلة ما، حتى لو كان لتلك الشركات تأثير ضئيل فعلياً على المشكلة المطروحة. أصبحت “نستله”، على سبيل المثال، وهي أكبر شركات المياه المعبأة في العالم، هدفاً رئيسياً في النقاش العالمي حول الحصول على المياه العذبة، على الرغم من أن مبيعات نسلته من المياه المعبأة في زجاجات لا تستهلك سوى 0.0008% من موارد المياه العذبة في العالم. في المقابل، تعد عدم كفاءة الري الزراعي، الذي يستهلك 70% من مصادر المياه العالمية سنوياً، قضية أكثر إلحاحاً، لكن لا توجد شركة متعددة الجنسيات ملائمة بنفس القدر لاستهدافها.

انتقلت المناقشات حول المسؤولية الاجتماعية إلى مجالس إدارة الشركات. ففي عام 2005، طُرح 360 قراراً مختلفاً من المساهمين على صلة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات حول قضايا تتراوح بين ظروف العمل وحتى ظاهرة الاحتباس الحراري. وباتت الأنظمة الحكومية تفرض على الشركات، على نحو متزايد، الإبلاغ عن علاقة أنشطتها بمسؤولياتها الاجتماعية. على سبيل المثال، يتطلب تشريع قيد الاعتماد في المملكة المتحدة من كل شركة مدرجة في البورصة الكشف عن المخاطر الأخلاقية والاجتماعية والبيئية في تقريرها السنوي. هذه الضغوط توضح بما لا يدع مجالاً للشك مدى سعي أصحاب المصلحة الخارجيين إلى مساءلة الشركات عن القضايا الاجتماعية، وتسليط الضوء على المخاطر المالية الكبيرة المحتملة لأي شركة يعتبر سلوكها غير مقبول.

على الرغم من أن الشركات باتت واعية لهذه المخاطر، غير أن الأمر مازال بالنسبة لها أقل وضوحاً بشأن ما يجب فعله حيالها. في الواقع، فإن الاستجابات الأكثر شيوعاً التي قدمتها الشركات لم تكن استراتيجية ولا حتى تشغيلية، بل مجرد استجابات تجميلية: أي عبارة عن فعاليات تُصنف من باب العلاقات العامة والحملات الإعلامية، وتتمحور في أكثر الأحيان حول تقارير تلمع دور الشركات في مجال المسؤولية الاجتماعية، وتُسلط الضوء على محاسن أعمالها الاجتماعية والبيئية. من بين أكبر 250 شركة متعددة الجنسيات، نشرت 64% منها تقارير المسؤولية الاجتماعية في عام 2005 إما ضمن تقريرها السنوي أو بالنسبة لمعظمها في تقارير استدامة منفصلة، وجميعها تدعم مهنة جديدة من محرري التقارير.

نادراً ما توفر هذه المنشورات إطاراً متسقاً لأنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركات، ناهيك بالطبع عن توفيرها إطاراً استراتيجياً. وإنما كل ما تفعله هو تجميع قصص تتعلق بمبادرات غير منسقة لإظهار الاهتمامات الاجتماعية للشركة، إلى درجة أن ما تغفله هذه التقارير هو في أكثر الأحيان بمثل أهمية ما تذكره. على سبيل المثال، قد يُوثق خفض التلوث والنفايات وانبعاثات الكربون أو استهلاك الطاقة في أقسام أو مناطق محددة، ولكن ليس في الشركة ككل. وعادة ما توصف المبادرات الخيرية من حيث المبالغ أو ساعات العمل التطوعية التي قدمت دون التطرق بتاتاً تقريباً إلى تأثيرها. غير أن الالتزامات الاستشرافية لتحقيق أهداف أداء صريحة أكثر ندرة.

وليس من الغريب أن يتوازى هذا الانتشار الواسع لتقارير المسؤولية الاجتماعية للشركات مع نمو جهود التقييم والتصنيف. وفي حين أن التقييمات والترتيبات الصارمة والموثوقة قد تؤثر بشكل بناء على سلوك الشركات، فإن الصخب الذي يثيره من نصبوا أنفسهم مقيَّمين ومصنِفين لا يفعل سوى زيادة حالة الارتباك. (راجع الفقرة الجانبية بعنوان “لعبة التقييمات”).

وسعياً لتجاوز هذا الالتباس، استعان قادة الشركات بخدمات استشارية من مجموعة متنامية من المنظمات غير الربحية التي تملك أدوات متطورة، ومن الشركات الاستشارية، والخبراء الأكاديميين. وظهرت أدبيات كثيرة تناولت المسؤولية الاجتماعية للشركات، رغم أن التوجيه العملي الذي تقدمه لقادة الشركات في أكثر الأحيان غير واضح. ويعد الاطلاع على أولى المدارس الفكرية حول المسؤولية الاجتماعية للشركات نقطة انطلاق أساسية لفهم سبب الحاجة إلى نهج جديد يدمج الاعتبارات الاجتماعية بشكل أكثر فعالية في العمليات التجارية الأساسية وفي استراتيجيات الشركات.

المبررات الرئيسة الأربعة للمسؤولية الاجتماعية للشركات

بشكل عام، استخدم مؤيدو المسؤولية الاجتماعية للشركات أربع حجج تدعم قضيتهم: الالتزام الأخلاقي، والاستدامة، ونيل قبول اجتماعي لمزاولة النشاط التجاري، والسمعة. ويعد الالتزام الأخلاقي، الذي يفترض أن الشركات يتعيّن عليها أن تؤدي دور المواطن الصالح وأن “تفعل الصواب”، من أبرز أهداف جمعية الأعمال للمسؤولية الاجتماعية (Business for Social Responsibility)، وهي جمعية غير ربحية رائدة في مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات في الولايات المتحدة تطلب من أعضائها “تحقيق النجاح التجاري بطرق تحترم القيم الأخلاقية وتحترم الناس والمجتمعات والبيئة”. فيما تشدد حجة الاستدامة على الإشراف وإدارة المكونات البيئية والاجتماعية. في الثمانينيات، وضع رئيس الوزراء النرويجي غرو هارلم برونتلاند تعريفاً ممتازاً لها، استخدمه مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة (World Business Council for Sustainable): وهو “تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصة”. أما مفهوم ترخيص مزاولة النشاط التجاري ينبع من حقيقة أن كل شركة تحتاج إلى إذن ضمني أو صريح من الحكومات والمجتمعات والعديد من أصحاب المصلحة الآخرين للقيام بأعمال تجارية. وأخيراً، تُستخدم السمعة من قبل العديد من الشركات كمبرر لمبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات على أساس أنها ستعمل على تحسين صورة الشركة وتعزيز علامتها التجارية وتنشيط الروح المعنوية وحتى رفع قيمة أسهمها. وعلى الرغم من أن هذه التبريرات دفعت التفكير قدماً في هذا المجال، ولكن أياً منها لا يقدم إرشادات كافية للخيارات الصعبة التي يتعين على قادة الشركات اتخاذها. وينبغي النظر في القيود العملية أمام كل نهج.

لعبة التقييمات

يعد قياس الأداء الاجتماعي ونشره وسيلة قوية محتملة للتأثير على سلوك الشركات، وذلك على افتراض أن التصنيفات تقاس باستمرار، وتعكس بدقة التأثير الاجتماعي للشركة. ولكن لسوء الحظ، لا ينطبق أي من الشرطين على التصنيفات الحالية لقوائم التحقق الخاصة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات. إذ تختلف المعايير المستخدمة في التصنيف على نطاق واسع. فعلى سبيل المثال، يتضمن مؤشر “داو جونز للاستدامة” (Dow Jones Sustainability Index)، جوانب من الأداء الاقتصادي في تقييمه. كما يزن خدمة العملاء أكثر بحوالي 50% من المواطنة المؤسسية للشركات. على النقيض من ذلك، لا يحتوي مؤشر (FTSE4Good Index) البارز على أي مقاييس للأداء الاقتصادي أو خدمة العملاء على الإطلاق. وحتى عندما تكون المعايير هي نفسها، تُعطى على الدوام وزناً مختلفاً في التسجيل النهائي.

إلى جانب اختيار المعايير وأوزانها، يكمن السؤال الأكثر إثارة للحيرة حول كيفية الحكم على ما إذا كانت المعايير مستوفاة أم لا. معظم وسائل الإعلام والمنظمات غير الربحية والمؤسسات الاستشارية للاستثمار لديها موارد قليلة للغاية لمراجعة هذا الكم من الأنشطة المؤسسية العالمية المعقدة. نتيجة لذلك، فإنها تميل إلى استخدام التدابير التي تتوفر فيها البيانات بسهولة وبتكلفة زهيدة، على الرغم من أنها قد لا تكون بديلاً جيداً لقياس الآثار الاجتماعية أو البيئية التي تهدف إلى إبرازها. إذ يستخدم مؤشر داو جونز للاستدامة، على سبيل المثال، حجم مجلس إدارة الشركة كمقياس لمشاركة المجتمع، على الرغم من أن الحجم والمشاركة قد لا يرتبطان على الإطلاق.

أخيراً، حتى وإن كانت التدابير المختارة تعكس بدقة التأثير الاجتماعي، فغالبًا ما تكون البيانات غير موثوقة. حيث تعتمد معظم التصنيفات على الدراسات الاستقصائية التي تكون معدلات استجابتها غير ذات دلالة إحصائية، كما تعتمد على بيانات الشركة المبلغ عنها ذاتياً والتي لم يتم التحقق منها من الخارج. وكلما زاد حجم البيانات التي ترغب الشركات في حجبها، قل تجاوبها. والنتيجة هي مزيج من التصنيفات التي لا معنى لها إلى حد كبير، وهذا يسمح لأي شركة تقريباً بالتباهي بأنها تلبي قدراً من المسؤولية الاجتماعية، ومعظمها تفعل.

لا يزال مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات متشبعاً إلى حد كبير بالواجب الأخلاقي. وفي بعض المجالات، يسهل فهم الاعتبارات الأخلاقية وتطبيقها مثل الشفافية في التصريح عن البيانات المالية والعمل ضمن القانون. ولكن بينما الالتزامات الأخلاقية بطبيعتها هي تفويضات مطلقة، إلا أن معظم الخيارات الاجتماعية للشركات تنطوي على الموازنة بين القيم والمصالح والتكاليف وجميعها تتنافس في ما بينها. على سبيل المثال، أدى دخول “جوجل” مؤخراً إلى الصين إلى حدوث تضارب يصعب حله بين نفور عملائها الأميركيين من الرقابة من ناحية، والقيود القانونية التي تفرضها الحكومة الصينية من ناحية أخرى. وحتى الآن لا نزال بحاجة إلى تطوير طريقة لحساب كيفية المفاضلة والتكامل الأخلاقي اللازمين لتقدير وزن فائدة اجتماعية مقابل أخرى أو مقابل تكاليفها المالية. فمثلاً، المبادئ الأخلاقية لا تملي على شركة المستحضرات الصيدلانية كيفية تخصيص إيراداتها بين دعم الرعاية للمعوزين اليوم، وتطوير علاجات للمستقبل، وتوفير أرباح للمستثمرين.

يأخذنا مبدأ الاستدامة إلى إغراء المصلحة الذاتية المستنيرة، وغالباً ما يستدعي هذا المبدأ ما يُسمى بالحصيلة الثلاثية الأساسية للأداء من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وبمعنى آخر، يجب أن تعمل الشركات بطرق تضمن سلامة الأداء الاقتصادي على المدى الطويل من خلال تجنب سلوكيات قصيرة الأجل والتي من شأنها أن تخلف ضرراً اجتماعياً أو تهدر الموارد البيئية. يعمل المبدأ على أفضل وجه في القضايا التي تتوافق مع المصالح الاقتصادية أو التنظيمية للشركة. على سبيل المثال، وفرت شركة “دوبونت” (DuPont) أكثر من ملياري دولار بفضل خفضها في استهلاك الطاقة منذ عام 1990. وبالمثل أدت التغييرات في المواد التي تستخدمها “ماكدونالدز” في تغليف وجباتها إلى تقليل نفاياتها الصلبة بنسبة 30%. ورغم التأثير الإيجابي على البيئة الذي خلفته هذه الإجراءات، إلا أنها كانت قرارات تجارية ذكية في المقام الأول بمعزل تام عن فوائدها البيئية. وفي مجالات أخرى مع ذلك، يمكن أن تصبح فكرة الاستدامة غامضة إلى حد افتقادها لأي معنى. يمكن القول إن الشفافية أكثر “استدامة” من الفساد. وممارسات التوظيف الجيدة أكثر “استدامة” من أساليب استغلال العاملين. وقد تسهم الأعمال الخيرية في “استدامة” المجتمع. وبغض النظر عن صحة هذه التأكيدات، فهي لا توفر سوى أساس بسيط لموازنة الأهداف الطويلة الأجل مقابل التكاليف قصيرة الأجل التي تتطلبها. وتثير مدرسة الاستدامة أسئلة حول هذه المقايضات ولكنها لا توفر إطاراً للإجابة عنها. ويميل المدراء الذين ليس لديهم فهم استراتيجي للمسؤولية الاجتماعية للشركات إلى إرجاء هذه التكاليف، ولكن حينها سيتكبدون تكاليف أكبر بكثير عندما يُحكم على الشركة فيما بعد بانتهاك التزامها الاجتماعي.

رسم ملامح الفرص الاجتماعية

يمكن تحليل الترابط بين الشركة والمجتمع باستخدام الأدوات نفسها المستخدمة في تحليل الوضع التنافسي ووضع استراتيجية. بهذه الطريقة، يمكن للشركة تركيز أنشطتها الخاصة المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية لتحقيق أفضل تأثير. وبدلاً من مجرد التصرف بناءً على دوافع حسنة النية أو الرد على الضغوط الخارجية، يمكن للمؤسسة وضع جدول أعمال إيجابي للمسؤولية الاجتماعية ينتج عنه أقصى قدر من المنفعة للمجتمع بالإضافة إلى تحقيق مكاسب للشركة.

يجب استخدام هاتين الأداتين بطرق مختلفة. عندما تستخدم شركة سلسلة القيمة لرسم جميع العواقب الاجتماعية لأنشطتها، تكون قد خلقت في الواقع قائمة بالمشاكل والفرص، معظمها قضايا تشغيلية، تحتاج إلى تدقيقها وتحديد الأولويات من بينها ومعالجتها. بشكل عام، يجب على الشركات محاولة إزالة أكبر عدد ممكن من الآثار الاجتماعية السلبية لسلسلة القيمة. سوف تثبت بعض أنشطة الشركة أنها توفر فرصاً للتميز الاجتماعي والاستراتيجي.

في معالجة السياق التنافسي، لا يمكن للشركات أن تركز أنشطتها في كل المجالات دفعة واحدة (أو تختار التحديق في كل وجه من الأوجه الثمانية للماسة مرة واحدة). لذلك، تتمثل المهمة في تحديد مجالات السياق الاجتماعي ذات القيمة الاستراتيجية الأكبر. يجب أن تختار الشركة بعناية من هذه القائمة مبادرة أو عدة مبادرات اجتماعية سيكون لها أكبر قيمة مشتركة: تحقيق الفائدة لكل من المجتمع ولميزة الشركة التنافسية.

النظر من الداخل: رسم ملامح التأثير الاجتماعي لسلسلة القيمة

توضح سلسلة القيمة جميع الأنشطة التي تمارسها الشركة أثناء القيام بالأعمال. يمكن استخدامها كإطار لتحديد التأثير الاجتماعي الإيجابي والسلبي لتلك الأنشطة. قد تتراوح روابط “الإنتاج الداخلي” من سياسات التوظيف وتسريح العمال إلى انبعاثات غازات الدفيئة، كما توضح القائمة الجزئية من الأمثلة الموضحة هنا.

الاستراتيجية والمجتمع

النهج السائدة تجاه المسؤولية الاجتماعية للشركات منفصلة إلى حد كبير عن أعمالها التجارية إلى درجة تحجب معها العديد من أروع الفرص التي يمكن من خلالها أن تحقق الشركات الفائدة للمجتمع.

وعلى النقيض من ذلك، فإن النهج الثالث المتعلق بجعل النشاط التجاري مقبولاً اجتماعياً أكثر واقعية بكثير. إذ يوفر طريقة ملموسة للشركة لتحديد القضايا الاجتماعية التي تهم المساهمين فيها، وتتخذ قرارات بشأنها. يعزز هذا النهج أيضاً الحوار البناء مع كل من القائمين على تطبيق اللوائح والأنظمة، والمواطنين المحليين، والناشطين، وربما كان هذا أحد الأسباب التي تجعله سائداً خصوصاً بين الشركات التي تعتمد على موافقة الحكومة، مثل تلك التي تعمل في مجال التعدين وغيرها من القطاعات شديدة التنظيم والصناعات الاستخراجية. وهو السبب أيضاً في انتشار هذا النهج لدى الشركات التي تعتمد على هوادة وصبر جيرانها، مثل تلك الناشطة في مجال الصناعات الكيميائية وتسبب عملياتها ضرراً أو خطورة على البيئة. وقد تتنازل الشركات عن السيطرة الأساسية على برامج المسؤولية الاجتماعية لصالح جهات خارجية، وذلك سعياً لإرضاء المساهمين. وعلى الرغم من أهمية وجهات نظر أصحاب المصلحة والمساهمين، إلا أنهم لا يمكنهم بتاتاً فهم قدرات الشركة أو وضعها التنافسي أو المقايضات التي يجب أن تقوم بها.

النظر من الخارج: التأثير الاجتماعي لسلسلة القيمة

بالإضافة إلى فهم التداعيات الاجتماعية لسلسلة القيمة، تتطلب المسؤولية الاجتماعية للشركات الفعالة فهم الأبعاد الاجتماعية للسياق التنافسي للشركة، وهي الروابط “الخارجية” التي تؤثر على قدرتها على تحسين الإنتاجية وتنفيذ الإستراتيجية. يمكن فهم ذلك باستخدام إطار الماسة الذي يوضح كيف تؤثر الظروف في مواقع الشركة (مثل البنية التحتية للنقل والسياسة التنظيمية المطبقة بأمانة) على قدرتها على المنافسة.

سياق الاستراتيجية والمجتمع

ولا يدل الحزم التي تتعاطى به مجموعة من المساهمين بالضرورة على أهمية قضية ما، سواء بالنسبة للشركة أو للعالم. وفي كثير من الأحيان، تجد الشركة، التي تعتبر المسؤولية الاجتماعية طريقة لتهدئة مجموعات الضغط، أن مقاربتها تتحول إلى سلسلة من ردود الفعل الدفاعية قصيرة الأجل، أو بمثابة علاقات عامة مسكِّنة لا تنتهي، وتحمل قيمة ضئيلة للمجتمع وليس لها أي فائدة استراتيجية للشركة.

أخيراً، تصبو حجة الدفاع عن سمعة الشركة إلى تحقيق تلك الفائدة الاستراتيجية، ولكنها نادراً ما تنجح. وتركز المخاوف المتعلقة بالسمعة، مثل قبول الشركة اجتماعياً، على إرضاء العملاء خارج الشركة. وفي الشركات الموجهة نحو المستهلك مباشرة، غالباً ما تفعل ذلك من خلال حملات تسويقية كبيرة مرتبطة بقضية محددة. أما في الصناعات الموصومة، مثل الكيماويات والطاقة، قد تتبع الشركة بدلاً من ذلك مبادرات المسؤولية الاجتماعية كشكل من أشكال الضمان، على أمل أن يخفف تحسين سمعتها كشركة تتحلى بالوعي الاجتماعي، من التعرض لانتقادات عامة في حالة حدوث أزمة. وقد تقع هذه الذهنية في التفكير مرة أخرى في الخلط بين العلاقات العامة والنتائج الاجتماعية والتجارية.

وبالنسبة للشركات الموجهة للمستهلك، فقد تمايزت بعض الشركات، مثل “بن آند جيريز” (Ben & Jerry’s) و”نيومانز أون” (Newman’s Own) و”باتاغونيا” (Patagonia) و”ذي بودي شوب”، من خلال الالتزام الاستثنائي طويل الأجل بالمسؤولية الاجتماعية. ولكن حتى هنا يصعب تحديد التأثير الاجتماعي المتحقق، ناهيك عن قياس الفائدة العائدة على الأعمال نفسها. إذ كانت الدراسات التي تتعلق بتأثير السمعة الاجتماعية للشركة على تفضيلات شراء المستهلك أو على أداء سوق الأسهم غير حاسمة في أحسن الأحوال. أما بالنسبة لمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات الموصومة كضمان، فإن العلاقة بين عمل الخير والإحسان ومواقف المستهلك غير مباشرة إلى حد كبير لدرجة يصعب قياسها. وفي غياب وسيلة لتقدير فوائد هذه الاستثمارات، تقف برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات على أرض رخوة تجعلها عرضة للاستغناء عنها مع أي تغيير في الإدارة أو تقلبات في دورة العمل.

تشترك المدارس الفكرية الأربع في نقطة الضعف نفسها: فهي تركز على التوتر بين أعمالها التجارية والمجتمع بدلاً من التركيز على ترابطها. تنشئ كل منها منطقاً عاماً غير مرتبط باستراتيجية وعمليات أي شركة معينة، أو المجالات التي تعمل فيها. وبالتالي، لا تكفي أي منها لمساعدة الشركة على تحديد وترتيب أولويات أهم قضاياها الاجتماعية ومعالجتها أو تلك التي يمكن أن تمتلك أكبر تأثير عليها. والنتيجة هي في كثير من الأحيان خليط كبير بين عمليات غير متسقة من المسؤولية الاجتماعية وأنشطة خيرية منفصلة عن استراتيجية الشركة لا تُحدث أي تأثير اجتماعي ذي معنى، ولا حتى تعزز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل.

وعلى المستوى الداخلي للشركة، غالباً ما تكون ممارسات ومبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات معزولة عن وحدات التشغيل، وحتى منفصلة عن الأعمال الخيرية للشركات. أما على المستوى الخارجي، يصبح التأثير الاجتماعي للشركة مشتتاً بين العديد من الجهود غير ذات الصلة، والتي يستجيب كل منها لمجموعة مختلفة من ضغوط أصحاب المصلحة أو نقطة ضغط داخل الشركة.

وتأتي نتيجة هذا التشتيت في النهاية على شكل تفويت فرصة هائلة. إذ تتبدد قوة الشركات في تحقيق المنفعة الاجتماعية، وكذلك قدرة الشركات على اتخاذ إجراءات من شأنها دعم مجتمعاتها من ناحية وأهداف أعمالها من ناحية أخرى.

دمج الأعمال والمجتمع

وإذا أردنا دفع المسؤولية الاجتماعية للشركات قدماً، يجب علينا أن نرسخ جذورها في فهم واسع للعلاقة المتبادلة بين الشركة والمجتمع، ونرسيها في الوقت نفسه في استراتيجيات وأنشطة شركات محددة. وربما يبدو القول على نطاق واسع إن الأعمال والمجتمع بحاجة إلى بعضهما البعض كلاماً مبتذلاً، لكنه الحقيقة الأساسية التي ستخرج الشركات من الفوضى التي أوجدها تفكيرها الحالي إزاء مسؤولية الشركات.

والواقع إن الشركات الناجحة بحاجة إلى مجتمع صحي. إذ أن عوامل مثل التعليم والرعاية الصحية وتكافؤ الفرص كلها ضرورية لتوفير قوى عاملة منتجة. ولن تجذب المنتجات وظروف العمل الآمنة العملاء فحسب، بل ستخفض التكاليف الداخلية الناجمة عن الحوادث. كما إن الاستخدام الفعال للأراضي والمياه والطاقة وغيرها من الموارد الطبيعية يزيد من إنتاجية أعمال الشركة. أما وجود حكومة صالحة وسيادة القانون ومراعاة حقوق الملكية فهي ضرورية للكفاءة والابتكار. وكذلك توفر المعايير التنظيمية الصارمة في الوقت نفسه حماية المستهلكين والشركات التنافسية من الاستغلال. وفي نهاية المطاف، يولِّد المجتمع الصحي طلباً متزايداً على الأعمال التجارية، مع تلبية المزيد من الاحتياجات البشرية ونمو التطلعات. لذلك، فإن أي شركة أعمال تحقق غاياتها على حساب المجتمع الذي تمارس أعمالها فيه، ستجد أن نجاحها لا يتعدى أن يكون وهمياً ومؤقتاً في نهاية المطاف.

على الجانب الآخر، يحتاج المجتمع الصحي إلى شركات ناجحة. لا يمكن لأي برنامج اجتماعي منافسة قطاع الأعمال عندما يتعلق الأمر بخلق الوظائف والثروة والابتكار التي تعمل جميعها على تحسين مستويات المعيشة والظروف الاجتماعية مع مرور الوقت. أما إذا أضعفت الحكومات والمنظمات غير الحكومية والمشاركون الآخرون في المجتمع المدني قدرة شركات الأعمال على العمل بشكل منتج، قد تكسب معارك لكنها ستخسر الحرب في النهاية، مع تلاشي القدرة التنافسية سواء بين الشركات أو على المستوى الإقليمي، وتراجع الأجور، واختفاء الوظائف، وتقلص الثروات التي تدفع الضرائب وتدعم مساهمات الجمعيات والمؤسسات غير الربحية.

لقد ركز القادة في كل من قطاع الأعمال والمجتمع المدني بصورة كبيرة على جوانب الاحتكاك فيما بينهم، ولكن لم يركزوا بما يكفي على نقاط الالتقاء. الاعتماد المتبادل بين الشركات والمجتمع يعني أن كلاً من القرارات التجارية والسياسات الاجتماعية يجب أن تتبع مبدأ القيمة المشتركة. وهذا يعني أن تعم الفائدة من الخيارات المتخذة على الجانبين. إذا اتبع أي من الطرفين، الشركة أو المجتمع، سياسات تقدم مصلحته على حساب مصلحة الآخر، فسوف يجد نفسه على مسار محفوف بالمخاطر. فالمكسب المؤقت الذي يحققه أحدهما يقوض الرخاء طويل الأجل لكليهما.

لوضع هذه المبادئ العامة موضع التطبيق، يجب على الشركة دمج المسؤولية الاجتماعية في الأطر الأساسية التي تستخدمها بالفعل لفهم المنافسة وتوجيه استراتيجية أعمالها.

تحديد نقاط التقاطع

يأخذ الترابط بين كل من الشركة والمجتمع شكلين: تأثير الشركة على المجتمع، وتأثير الظروف الاجتماعية على الشركة. أولاً، تؤثر الشركة على المجتمع من خلال عملياتها في سياق الأعمال المعتادة فيما يُسمى بـ الروابط الداخلية أو روابط الإنتاج الداخلي.

كل نشاط تقريباً في سلسلة قيمة شركة ما من شأنه أن يمس المجتمعات التي تعمل فيها هذه الشركة، فينتج عنه عواقب اجتماعية سواء إيجابية أو سلبية. (للحصول على مثال على هذه العملية، راجع العرض “النظر من الداخل إلى الخارج: رسم ملامح التأثير الاجتماعي لسلسلة القيمة”.)، ورغم ازدياد إدراك الشركات للتأثير الاجتماعي لأنشطتها (مثل ممارسات التوظيف والانبعاثات والتخلص من النفايات)، إلا أن هذه التأثيرات قد تكون أكثر دقة وتقلباً من أن يدركها العديد من المدراء. والسبب في ذلك هو اعتماد التأثيرات على عدة عوامل. فمثلاً الموقع، إذ سيكون لعملية التصنيع نفسها عواقب اجتماعية مختلفة للغاية في الصين عنها في الولايات المتحدة.

كما أن الزمن يدخل كعامل لتقلب هذه التأثيرات، إذ يتغير تأثير الشركة على المجتمع بمرور الوقت، مع تطور المعايير الاجتماعية وتقدم العلوم. فعلى سبيل المثال، يُعرف اليوم أن الأسبستوس خطير على الصحة، لكنه كان آمناً في أوائل القرن العشرين وفق المعارف العلمية المتاحة آنذاك. وقد تراكمت الأدلة على مخاطره تدريجياً على امتداد أكثر من 50 عاماً قبل أن تتحمل أي شركة المسؤولية عن الأضرار التي يمكن أن يسببها. وأدت النتائج إلى إفلاس العديد من الشركات التي عجزت عن توقع عواقب تزايد هذه الأبحاث. لم يعد بإمكان الشركات أن تكتفي بمجرد متابعة التأثيرات الاجتماعية الواضحة اليوم. لذلك، بدون عملية دقيقة لتحديد الآثار الاجتماعية المتطورة للغد، قد تجازف الشركات ببقائها نفسه.

ثانياً: تؤثر الظروف الاجتماعية الخارجية بدورها على الشركات، وتُسمى هذه الروابط الخارجية أو الاحتياجات الخارجية المؤثرة على عملها.

إذ تعمل كل شركة في سياق تنافسي، الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على قدرتها على تنفيذ استراتيجيتها، خاصة على المدى الطويل. وتشكل الظروف الاجتماعية جزءاً رئيساً من هذا السياق. ورغم أن السياق التنافسي يحظى باهتمام أقل بكثير من تأثيرات سلسلة القيمة، لكن يمكن أن يكون له أهمية استراتيجية أكبر لكل من الشركات والمجتمعات. لذلك، فإن ضمان صحة السياق التنافسي يفيد كل من الشركة والمجتمع.

يمكن تقسيم السياق التنافسي إلى أربعة مجالات واسعة: أولاً، كمية ونوعية مدخلات العمل المتاحة: الموارد البشرية، على سبيل المثال، أو البنية التحتية للنقل، ثانياً، القواعد والحوافز التي تحكم المنافسة: مثل السياسات التي تحمي الملكية الفكرية وتضمن الشفافية وتحمي من الفساد وتشجع الاستثمار، ثالثاً، حجم وتطور الطلب المحلي، متأثراً بأمور مثل: معايير جودة المنتج وسلامته وحقوق المستهلك والإنصاف في المشتريات الحكومية، رابعاً، توفر الصناعات المحلية الداعمة، مثل مقدمي الخدمات ومنتجي الآلات. جوانب السياق هذه منفردة أو مجتمعة يمكن أن تمثل فرصاً لمبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات. (راجع العرض “التطلع من الخارج إلى الداخل: التأثيرات الاجتماعية على التنافسية”). وقد تعتمد القدرة على توظيف الموارد البشرية المناسبة، على سبيل المثال، على عدد من العوامل الاجتماعية التي يمكن للشركات التأثير فيها، مثل النظام التعليمي المحلي، ومدى توفر الإسكان، ووجود تمييز يحد من تركيبة من العمال، وكفاءة البنية التحتية للصحة العامة.

اختيار القضايا الاجتماعية التي يجب معالجتها

من المنطقي القول إنه لا يمكن لأية شركة حل جميع مشاكل المجتمع أو تحمل تكلفة القيام بذلك. بدلاً من ذلك، ينبغي على كل شركة تحديد المشكلات التي تتقاطع مع أعمالها الخاصة. ومن الأفضل ترك المسائل الاجتماعية الأخرى لشركات تنشط في قطاعات وصناعات أخرى، أو لمنظمات غير حكومية، أو مؤسسات حكومية في وضع يؤهلها للتصدي لها بصورة أفضل. ولا ينبغي أن يكون الاختبار الأساسي الذي تختار الشركة على أساسه المسؤولية الاجتماعية هو ما إذا كانت القضية تستحق إيلاءها الاهتمام، بل ما إذا كانت تمثل فرصة لخلق قيمة مشتركة، أي تحمل فائدة ذات مغزى للمجتمع وذات قيمة للشركة في الوقت نفسه.

يشير إطار عملنا إلى أن المسائل الاجتماعية التي تؤثر على الشركة تنقسم إلى ثلاث فئات تميِّز بين العديد من القضايا الجديرة بالاهتمام، والمجموعة الأضيق من القضايا الاجتماعية المهمة والاستراتيجية على حد سواء للشركة.

الفئة الأولى هي القضايا الاجتماعية العامة، والتي قد تكون مهمة للمجتمع، ولكنها لا تتأثر بشكل كبير بعمليات الشركة، ولا تؤثر على القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. أما الفئة الثانية هي القضايا التي تحمل تأثيرات اجتماعية لسلسلة القيمة، وهي تلك التي تتأثر بشكل كبير بأنشطة الشركة في سياق الأعمال العادية. أما الفئة الأخيرة، وهي الأبعاد الاجتماعية للسياق التنافسي، وهي قضايا في البيئة الخارجية تؤثر بشكل كبير على دوافع القدرة التنافسية الكامنة في الأماكن التي تنشط فيها الشركة. (انظر عرض “ترتيب أولويات القضايا الاجتماعية”).

ترتيب أولويات القضايا الاجتماعية

ستحتاج كل شركة إلى تصنيف المسائل الاجتماعية ضمن هذه الفئات الثلاث لكل وحدة من وحدات أعمالها ومواقعها الرئيسية، ومن ثم ترتيبها من حيث التأثير المحتمل. وستختلف الفئة التي ستقع فيها مسألة اجتماعية معينة من وحدة أعمال إلى وحدة أعمال أخرى، ومن قطاع إلى قطاع آخر، ومن مكان إلى آخر.

وعلى سبيل المثال، قد يكون دعم شركة ما للأنشطة الفنية قضية اجتماعية عامة بالنسبة لشركة مثل “جنوب كاليفورنيا أديسون (إس سي إي)” (Southern California Edison)، ولكنه يتحوّل إلى جزء مهم في السياق التنافسي بالنسبة لشركة مثل “أميريكان إكسبرس” التي تعتمد على مرتادي فعاليات الترفيه والضيافة والسياحة الراقية. وبالمثل، قد تكون انبعاثات الكربون قضية اجتماعية عامة لشركة خدمات مالية مثل “بنك أوف أميريكا”، ولكنها ستكون قضية ذات تأثير سلبي لسلسلة القيمة لشركة تعتمد على النقل مثل “يو بي إس” (UPS)، بينما سيكون لها تأثير على سلسلة القيمة وفي الوقت نفسه على صلة بالسياق التنافسي لشركة مصنِّعة للسيارات مثل “تويوتا”. وقد يكون وباء الإيدز في أفريقيا قضية اجتماعية عامة بالنسبة لمتاجر التجزئة الأميركية مثل “هوم ديبوت” (Home Depot)، ولكنه سيحول إلى قضية مؤثرة على سلسلة القيمة لشركة أدوية مثل “غلاكسو سميث كلاين” (GlaxoSmithKline)، فيما سيعد قضية ذات سياق تنافسي لشركة تعدين مثل “أنجلو أميركان” (Anglo American) والتي تعتمد على العمالة المحلية في أفريقيا.

وينطبق هذا الأمر حتى على القضايا ذات الصلة بالاقتصاد على نطاق واسع، مثل التنوع في التوظيف، أو الحفاظ على الطاقة، إذ يمكن أن تكون ذات أهمية أكبر بالنسبة لبعض القطاعات مقارنة مع غيرها. على سبيل المثال، ستشكل برامج الرعاية الصحية تحديات أقل لشركات تطوير البرمجيات أو التكنولوجيا الحيوية، حيث تميل القوى العاملة إلى أن تكون صغيرة وتحظى بأجور جيدة، مقارنة بالشركات العاملة في مجال مثل البيع بالتجزئة الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على أعداد كبيرة من العمال ذوي الأجور المنخفضة.

ينتقل جدول الأعمال الاجتماعي الإيجابي للشركات من تخفيف الضرر إلى تعزيز استراتيجية الشركة من خلال التقدم الاجتماعي.

حتى داخل القطاع التجاري الواحد، قد يكون لقضية اجتماعية معينة فائدة مختلفة بالنسبة للشركات المختلفة، وذلك بسبب اختلاف ميزاتهم التنافسية. في صناعة السيارات على سبيل المثال، اختارت شركة “فولفو” جعل السلامة عنصراً مركزياً في موقعها التنافسي، في حين جعلت تويوتا من الفوائد البيئية لتكنولوجيتها الهجينة (الهايبرد) ميزة تنافسية. وفي بعض الأحيان، بالنسبة لشركة فردية، تُثبت بعض المسائل أهميتها للعديد من وحدات أعمالها ومواقعها، وأنها ستوفر فرصاً لمبادرات استراتيجية شاملة في مختلف أقسام ومواقع الشركة في مجال المسؤولية الاجتماعية.

وفي بعض الأوقات، تبرز قضية اجتماعية للعديد من الشركات في العديد من قطاعات الأعمال، وهنا يمكن معالجتها بفاعلية أكبر من خلال النماذج التعاونية. على سبيل المثال، تضم مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية 19 شركة رئيسية في مجالات النفط والغاز والتعدين، والتي وافقت جميعها على تثبيط الفساد من خلال الكشف العلني الكامل والتحقق من جميع مدفوعات الشركات للحكومات في البلدان التي تعمل فيها. يقطع التحرك الجماعي المتفق عليه بين جميع الشركات الكبرى في هذه الصناعات الطريق على الحكومات الفاسدة لتقويض المنفعة الاجتماعية، لأنها ستختار حينها عدم التعامل مع الشركات التي تكشف عن مدفوعاتها.

إنشاء أجندة اجتماعية للشركة

تصنيف وترتيب القضايا الاجتماعية وفقاً للفئات الثلاث السابقة مجرد وسيلة لتحقيق غاية، وهي وضع أجندة اجتماعية واضحة وصريحة للشركة. وستتطلع هذه  الأجندة إلى ما هو أبعد من توقعات المجتمع، إلى فرص تتيح تحقيق منافع اجتماعية واقتصادية في وقت واحد. إذ ينتقل من تخفيف الضرر إلى إيجاد طرق لتعزيز استراتيجية الشركة من خلال تحسين الظروف الاجتماعية.

ورغم أن هذه الأجندة الاجتماعية لا بد أن تستجيب إلى مطالب أصحاب المصلحة لكن لا يمكنها أن تتوقف عند هذا الحد. يجب أن ينتقل جزء كبير من موارد الشركة واهتمامها إلى المسؤولية الاجتماعية الاستراتيجية للشركات حقاً. (انظر عرض “مشاركة الشركات في المجتمع: نهج استراتيجي”.) ومن خلال المسؤولية الاجتماعية الاستراتيجية ستحقق الشركة أكبر تأثير اجتماعي وتجني أكبر الفوائد التجارية.

تبني النهج الاستراتيجي

مسؤولية اجتماعية مستجيبة. تشتمل المسؤولية الاجتماعية المستجيبة على عنصرين: الأول هو التصرف كشركة مواطنة صالحة متناغمة مع الاهتمامات الاجتماعية المتطورة لأصحاب المصلحة، والثاني هو التخفيف من الآثار الضارة الحالية أو المتوقعة من أنشطة الأعمال التجارية.

بالنسبة إلى المواطَنة الصالحة، فهي شرط لا غنى عنه للمسؤولية الاجتماعية، وعلى الشركات أن تقوم بها على أكمل وجه. ويترتب عليها أن العديد من الجمعيات المحلية الجديرة بالتقدير تعتمد على مساهمات الشركات، في حين يشعر الموظفون عن جدارة بفخر نظير مشاركة شركتهم الإيجابية في المجتمع.

وتنطوي أفضل مبادرات مواطَنة الشركات على أكثر من مجرد تحرير شيك بمبلغ مالي: فهي تحدد أهدافاً واضحة وقابلة للقياس، وتتبع النتائج المتحققة بمرور الوقت. ومن الأمثلة الجيدة على ذلك برنامج “جنرال إلكتريك” والذي تبنت خلاله مدارس ثانوية عامة ضعيفة الأداء بالقرب من العديد من منشآتها الرئيسية في الولايات المتحدة. وتساهم الشركة بما بين 250,000 دولار ومليون دولار على امتداد خمس سنوات لكل مدرسة، إضافة إلى تقديمها تبرعات عينية. وينخرط مدراء وموظفو “جنرال إلكتريك” بأنفسهم كذلك في هذا البرنامج عبر القيام بعمل نشط من خلال العمل مع مدراء المدارس لتقييم الاحتياجات وتوجيه أو تدريب الطلاب. وفي دراسة مستقلة شملت عشر مدارس مشاركة في البرنامج بين عامي 1989 و1999، أظهرت جميعها تقريباً تحسناً كبيراً، بينما تضاعف معدل التخرج في أربع من المدارس الخمس الأسوأ أداءً من 30% إلى 60%.

تُشيع مبادرات المواطَنة الفعالة من جانب الشركات، مثل هذه المبادرة، مناخاً من حسن النوايا، وتُحسن العلاقات مع هيئات الحكم المحلية وغيرها من الدوائر المهمة. علاوة على ذلك، يشعر موظفو جنرال إلكتريك بفخر كبير لمشاركتهم. لكن تأثيرها يبقى محدوداً بطبيعته. فبغض النظر عن مدى فائدة البرنامج، يظل مجرد مبادرة عرضية إزاء أعمال الشركة، وتأثيره المباشر متواضع سواء على التوظيف، أو الاحتفاظ بالموظفين في جنرال إلكتريك.

الجزء الثاني من المسؤولية الاجتماعية المستجيبة، وهو تخفيف الضرر الناشئ عن أنشطة سلسلة القيمة للشركة، يمثل تحدياً تشغيلياً بشكل أساسي. ونظراً لوجود عدد لا يحصى من الآثار المحتملة لسلسلة القيمة لكل وحدة أعمال، فقد تبنت العديد من الشركات نهج القائمة المرجعية تجاه المسؤولية الاجتماعية باستخدام مجموعات موحدة من المخاطر الاجتماعية والبيئية. فعلى سبيل المثال، هناك القائمة التي عدّدتها مبادرة الإبلاغ العالمية (The Global Reporting Initiative)، التي أصبحت بسرعة معياراً للإبلاغ عن المسؤولية الاجتماعية للشركات، إذ تضم 141 من قضايا المسؤولية الاجتماعية، استُكملت بقوائم إضافية للقطاعات المختلفة.

وفي الواقع تشكل هذه النوعية من القوائم نقطة انطلاق ممتازة، لكن ما تزال الشركات تحتاج إلى عملية داخلية أنشط همة وأكثر مواءمة. يمكن للمدراء في كل وحدة أعمال استخدام سلسلة القيمة كأداة لتحديد التأثيرات الاجتماعية لأنشطة الوحدة في كل موقع بشكل منهجي. إدارة التشغيل هنا، وهي الأقرب إلى العمل الجاري تنفيذه بالفعل، مفيدة بشكل خاص. الأكثر صعوبة هو توقع الآثار التي لم يتم التعرف عليها بشكل جيد حتى الآن. لنأخذ مثالاً شركة “بي آند كيو” (B&Q) وهي سلسلة دولية تملك مراكز بيع لمستلزمات المنازل مقرها في المملكة المتحدة. بدأت الشركة في تحليل عشرات الآلاف من المنتجات بشكل منهجي في مئات المتاجر التابعة لها مقابل قائمة من عشرات القضايا الاجتماعية، من التغير المناخي إلى ظروف العمل في مصانع مورديها، لتحديد المنتجات التي تشكل مخاطر محتملة للمسؤولية الاجتماعية وكيف يمكن لها اتخاذ إجراءات استباقية تقيها أي ضغوط خارجية.

وهنا، ما من حاجة إلى إعادة اختراع العجلة للتصدي لمعظم تأثيرات سلسلة القيمة. فيتعيّن على الشركة تحديد أفضل الممارسات للتعامل مع كل منها، مع التركيز على كيفية تغيير هذه الممارسات. ستكون بعض الشركات أكثر نشاطاً وفعالية في التخفيف من المجموعة الواسعة من المشكلات الاجتماعية التي يمكن أن تخلقها سلسلة القيمة. ستكتسب هذه الشركات ميزة، ولكن، كما هي الحال بالنسبة للمشتريات والتحسينات التشغيلية الأخرى، من المحتمل أن تكون أي ميزة مؤقتة.

المسؤولية الاجتماعية الاستراتيجية. أما مع المسؤولية الاجتماعية الاستراتيجية، فالأمر يتجاوز انتهاج الشركة أفضل الممارسات. وإنما يتعلق باختيار موقع فريد، بمعنى فعل الأشياء بطريقة مختلفة عن المنافسين من أجل خفض التكاليف أو تحسين خدمة احتياجات مجموعة معينة من العملاء. وتنطبق هذه المبادئ على علاقة الشركة بالمجتمع بقدر ما تنطبق على علاقتها بعملائها ومنافسيها.

وهنا، تتجاوز مسؤولية الشركات الاجتماعية الاستراتيجية مبدأ المواطَنة الصالحة، وتخفيف آثار سلسلة القيمة الضارة، إلى تكوين عدد صغير من المبادرات التي تكون فوائدها الاجتماعية والتجارية كبيرة ومميزة. وتنطوي مسؤولية الشركات الاجتماعية الاستراتيجية على أبعاد داخلية وخارجية تعمل جنباً إلى جنب. وهنا تكمن فرص القيمة المشتركة في الحقيقة.

يمكن أن تنشأ العديد من الفرص للابتكارات الرائدة التي تحقق الفائدة للمجتمع، وتعزز القدرة التنافسية للشركة على حد سواء في عرض المنتج وسلسلة القيمة. ويعد مثالاً على ذلك استجابة تويوتا للمخاوف المتصلة بانبعاثات الغازات الملوثة من عوادم السيارات. إذ تعتبر تويوتا بريوس، السيارة الهجينة التي تعمل بالكهرباء وبالبنزين، هي الأولى في سلسلة من طرازات السيارات المبتكرة التي حققت ميزة تنافسية وفوائد بيئية. حيث تبعث المحركات الهجينة 10% فقط من الملوثات الضارة المنبعثة من المركبات التقليدية بينما تستهلك فقط نصف ما تستهلكه من الوقود. ولقد اختارت مجلة “موتور تريند” (Motor Trend)، بريوس، لتكون سيارة العام 2004.وبذلك رسخت ريادة تويوتا في المجال إلى درجة أن “فورد” وشركات السيارات الأخرى حذت حذوها في الحصول على ترخيص لهذه التكنولوجيا. لقد حصلت تويوتا على مكانة فريدة إزاء عملائها وقطعت شوطاً مهماً في ترسيخ التكنولوجيا التي تعتمدها باعتبارها معياراً عالمياً، وبذلك حققت الفائدة المجتمعية، وفي الوقت ذاته حققت ميزة تنافسية.

ازدهرت “أوربي” (Urbi)، وهي شركة بناء مكسيكية من خلال بناء مساكن للسكان معدومي الحال باستخدام وسائل تمويل جديدة مثل مدفوعات الرهن العقاري المرنة التي تتم من خلال استقطاعات الرواتب. والأمر ذاته مع بنك “كريديت أغريكول” (Crédit Agricole) الأكبر في فرنسا، والذي تميّز من خلال تقديم منتجات مالية متخصصة تتعلق بالبيئة، مثل حزم التمويل من أجل إدخال تحسينات على المنازل بهدف الاقتصاد في استهلاك الطاقة، ومراجع الحسابات لاعتماد المزارع كبساتين للمنتجات العضوية.

وتطلق مسؤولية الشركات الاجتماعية الاستراتيجية أيضاً القيمة المشتركة من خلال الاستثمار في الجوانب الاجتماعية للظروف المحيطة التي تعزز من قدرة الشركة على المنافسة في موضوع الاستراتيجية والمجتمع. وتتطور هنا علاقة تكافلية: فنجاح الشركة ونجاح المجتمع يعزز كل منهما الآخر. وفي العادة، كلما ارتبطت القضية الاجتماعية بشكل أوثق بأعمال الشركة، زادت فرصة الاستفادة من موارد الشركة وقدراتها، وتحقيق الفائدة للمجتمع.

وخذ مثالاً على ذلك تلك الشراكة بين “ووركنغ كونكشنز” التابعة لشركة “مايكروسوفت” (Microsoft’s Working Connections) مع الجمعية الأميركية لكليات المجتمع (AACC)، والتي تعد مثالاً جيداً على فرصة القيمة المشتركة الناشئة عن الاستثمارات في السياق. إذ يمثل نقص العاملين في تكنولوجيا المعلومات عائقاً كبيراً أمام نمو مايكروسوفت. وحالياً، هناك أكثر من 450,000 وظيفة شاغرة لتكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة وحدها. وفي الوقت ذاته، يمكن أن تكون، المعاهد المهنية المتخصصة التي يبلغ عدد طلابها 11,6 مليون طالب يمثلون 45% من مجمل الطلاب الجامعيين في الولايات المتحدة، حلاً رئيسياً. ومع ذلك، تدرك مايكروسوفت أن المعاهد المتخصصة تواجه تحديات من نوع خاص: فمناهج تكنولوجيا المعلومات ليست موحدة، والتكنولوجيا المستخدمة في الفصول الدراسية غالباً قديمة، وأخيراً لا توجد برامج منهجية للتطوير المهني لإبقاء أعضاء هيئة التدريس مطلعين على أحدث المستجدات.

خصصت مايكروسوفت 50 مليون دولار لمبادرتها التي بلغت مدتها خمس سنوات بهدف حل المشكلات الثلاث. وبالإضافة إلى المساهمة بالمال والمنتجات، أرسلت مايكروسوفت متطوعين من الموظفين إلى المعاهد لتقييم الاحتياجات والمساهمة في تطوير المناهج الدراسية، وإنشاء معاهد لتنمية مهارات المدرسين. جدير بالملاحظة أنه في هذه الحالة، كان المتطوعون والموظفون المعينون قادرين على استخدام مهاراتهم المهنية الأساسية لتلبية الاحتياجات الاجتماعية، وهذا بعيد كل البعد عن برامج المتطوعين النموذجية. لقد حققت مايكروسوفت نتائج استفاد منها العديد من المجتمعات في حين كان لها تأثير مباشر، وتأثير واعد كبير على الشركة.

دمج ممارسات الإنتاج الداخلية مع ممارسات الاحتياجات الخارجية

تعد  كل من الابتكارات الرائدة في سلسلة القيمة، ومعالجة القيود الاجتماعية التي تضعف القدرة التنافسية أدوات قوية لخلق قيمة اقتصادية واجتماعية. ومع ذلك، كما توضح الأمثلة التي عرضناها، يزداد تأثير هذه الأدوات إذا عملت معاً. إذ يمكن تنفيذ الأنشطة في سلسلة القيمة بطرق تعزز التحسينات في الأبعاد الاجتماعية للسياق. في الوقت نفسه، فإن الاستثمارات في السياق التنافسي لديها القدرة على تقليل القيود المفروضة على أنشطة سلسلة القيمة للشركة. على سبيل المثال، توفر شركة “ماريوت” 180 ساعة من الفصول الدراسية المدفوعة الأجر والتدريب للمرشحين العاطلين عن العمل منذ مدة طويلة. قامت الشركة بدمج هذا مع دعم مؤسسات خدمة المجتمع المحلي التي تقوم بتحديد واختيار وإحالة المرشحين إلى ماريوت. والنتيجة النهائية هي تحقيق فائدة كبيرة للمجتمعات، وفي الوقت ذاته تخفيض تكلفة ماريوت لتوظيف مبتدئين. إذ يشغل 90% من المشاركين في البرنامج التدريبي وظائف في ماريوت. وبعد عام واحد، ما زال أكثر من 65% منهم في وظائفهم، وهو معدل استبقاء أعلى بكثير من المعتاد.

عندما تُدمج ممارسات سلسلة القيمة والاستثمارات في السياق التنافسي تماماً، يصبح من الصعب التمييز بين المسؤولية الاجتماعية للشركات والأعمال اليومية للشركة. ويمكن الاستدلال بذلك مع ما قامت به نستله، إذ تعمل الشركة بشكل مباشر مع صغار المزارعين في البلدان النامية للحصول على السلع الأساسية مثل الحليب والقهوة والكاكاو التي يعتمد عليها الكثير من أعمالها على المستوى العالمي.(راجع العرض الجانبي “الدمج بين ممارسات الشركة والسياق: حي حليب نستله”).

الدمج بين ممارسات الشركة والسياق: حي حليب نستله

يمثل نهج نستله للعمل مع صغار المزارعين مثالاً على العلاقة التكافلية بين التقدم الاجتماعي والميزة التنافسية. ومن المفارقات أنه على الرغم من أن سمعة الشركة لا تزال مشوبة بجدل عمره 30 عاماً يحيط بمبيعات حليب الأطفال في أفريقيا، إلا أن تأثير الشركة في البلدان النامية كان إيجابياً في أكثر الأحيان.

لننظر إلى تاريخ شركة حليب نستله في الهند. في عام 1962، أرادت الشركة دخول السوق الهندية، وحصلت على تصريح من الحكومة لبناء مصنع للألبان في منطقة موغا الشمالية في ولاية البنجاب. كانت المنطقة تعاني من فقر شديد، إذ كان سكانها محرومين من الكهرباء ووسائل النقل والهواتف وحتى الرعاية الطبية. وفي هذا الحي، كان المزارع الصغير يمتلك في العادة أقل من خمسة أفدنة تربتها غير خصبة والمياه فيها شحيحة. ويحتفظ بعضهم ببقرة واحدة تنتج فقط ما يكفي أسرته من الحليب. وكانت 60% من العجول تنفق بعد الولادة. ونظراً لعدم توفر وسائل التبريد أو النقل أو أي طريقة لاختبار الجودة، لم تكن لديهم وسيلة لنقل الحليب لمسافات بعيدة فكان يتعرض في أكثر الأحيان للتلوث، أو يلجأ المزارعون إلى تخفيفه.

وفي الواقع، إن جاءت نستله إلى موغا لبناء مشروع تجاري، وليس للانخراط في مشروع يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية. ولكن سلسلة القيمة في نستله، المستمدة من أصول الشركة في سويسرا، اعتمدت على إنشاء مصادر محلية للحليب من قاعدة كبيرة ومتنوعة من صغار المزارعين. وتطلب إنشاء سلسلة القيمة هذه في موغا من نستله تحويل السياق التنافسي بطرق خلقت قيمة مشتركة هائلة لكل من الشركة والمنطقة. دشنت نستله مواقع لتبريد الألبان، والتي كانت بمثابة نقاط لتجميع الحليب في كل بلدة، وأرسلت شاحناتها إلى مواقع التبريد لجمع الحليب. كما أرسلت، مع الشاحنات، أطباء بيطريين وخبراء في التغذية ومهندسين زراعيين وخبراء لضمان الجودة. ووفرت الشركة الأدوية والمكملات الغذائية للحيوانات المريضة، ونظمت دورات تدريبية شهرية للمزارعين المحليين. تعلم المزارعون أن جودة الحليب تعتمد على نظام الأبقار الغذائي الذي بدوره يعتمد على ري محصول العلف المناسب. ومن ثم، بدأ المزارعون، بتمويل وبمساعدة فنية من شركة نستله، في حفر آبار عميقة ما كان في مقدورهم تحمل كلفتها في السابق. لم يؤد تحسين الري فقط إلى تغذية الأبقار، ولكنه زاد غلة المحاصيل وفاض إنتاج القمح والأرز، وارتفع مستوى المعيشة في المنطقة.

عندما افتتح مصنع حليب نستله لأول مرة، بادر 180 مزارعاً محلياً فقط بتزويده بالحليب. أما اليوم، تشتري نستله الحليب من أكثر من 75,000 مزارع في المنطقة، وتجمعه مرتين يومياً من أكثر من 650 قرية أقامت فيها مبردات ألبان. وفي تلك المنطقة، انخفض معدل وفاة العجول بنسبة 75% وزاد إنتاج الحليب 50 مرة. ومع تحسن الجودة، تمكنت نستله من دفع أسعار أعلى للمزارعين من تلك التي حددتها الحكومة، ومكنت مدفوعاتها المنتظمة كل أسبوعين المزارعين من الحصول على قروض. افتتحت مصانع ألبان ومصانع حليب متنافسة وبدأت مجموعة صناعية في التطور.

اليوم، يتمتع سكان موغا بمستوى معيشي أعلى بكثير من المناطق الأخرى المجاورة لها، وبات 90% من منازلها موصولة بشبكة الكهرباء، ومعظمها بخط هاتفي، وبنيت في جميع القرى مدارس ابتدائية وفي العديد منها مدارس ثانوية. ويفوق عدد الأطباء في موغا خمسة أضعاف عدد الأطباء في المناطق المجاورة. كما أدى تحسن القوة الشرائية للمزارعين المحليين إلى توسيع سوق منتجات نستله إلى حد كبير، مما عزز النجاح الاقتصادي للشركة.

التزام نستله بالعمل مع صغار المزارعين كان أمراً أساسياً لاستراتيجيتها. إذ مكّن الشركة من الحصول على إمدادات مستقرة من السلع عالية الجودة دون دفع المال للوسطاء. غالباً ما يزرع صغار المزارعين في البلدان النامية المنتجات الأساسية الأخرى للشركة مثل القهوة والكاكاو في ظل ظروف مماثلة. وتكررت تجربة نستله في إنشاء نقاط الجمع وتدريب المزارعين وإدخال تكنولوجيا أفضل إلى موغا في كل من البرازيل وتايلاند وعشرات الدول الأخرى، بما في ذلك في الصين مؤخراً.

وفي كل حالة حققت فيها نستله الازدهار، ازدهر المجتمع الذي دخلته بالمثل.

لقد حقق استثمار الشركة في البنية التحتية المحلية ونقل المعرفة والتكنولوجيا على مستوى عالمي على مدار عقود فوائد اجتماعية هائلة بسبب الانتباه إلى موضوع الاستراتيجية والمجتمع من خلال تحسين الرعاية الصحية والتعليم والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى أنه أتاح لها الحصول بصورة مباشرة وموثوقة على السلع التي تحتاجها للحفاظ على ربحية أعمالها على المستوى العالمي. وهنا لم تنفصل استراتيجية نستله المتميزة عن تأثيرها الاجتماعي.

خلق بعد اجتماعي لعرض القيمة

في صميم أي استراتيجية، هناك مقترح قيمة فريد من نوعه حول موضوع الاستراتيجية والمجتمع الكامل: مجموعة من الاحتياجات يمكن أن تلبيها الشركة لعملائها المختارين ولا تستطيع الشركات الأخرى تلبيتها. تظهر المسؤولية الاجتماعية الأكثر استراتيجية عندما تضيف الشركة بعداً اجتماعياً إلى مقترح القيمة الفريد هذا، الأمر الذي يجعل التأثير الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية العامة.

لننظر إلى شركة “هوول فودز” التي يتمثل مقترح القيمة لديها في بيع منتجات الأغذية العضوية الطبيعية والصحية للعملاء المهتمين بسلامة الأغذية والبيئة. وهنا تعد القضايا الاجتماعية أساسية بالنسبة إلى ما يجعل “هوول فودز” فريدة من نوعها في تجارة المواد الغذائية وقدرتها على عرض أسعار متميزة. إذ تحرص الشركة على الحصول على مشترياتها من المزارعين المحليين من خلال عملية شراء يقوم بها كل متجر. يضع المشترون جانباً الأغذية أو الأطعمة التي تحتوي على أي من نحو 100 عنصر شائع تعتبرها الشركة غير صحية أو ضارة بالبيئة. وتُطبق المعايير نفسها على المنتجات المصنعة داخلياً. على سبيل المثال، لا تستخدم “هوول فودز” في المنتجات المخبوزة سوى الدقيق غير المُبيَّض والخالي من برومات البوتاسيوم.

يمتد التزام شركة “هوول فودز” بموضوع الاستراتيجية والمجتمع وممارسات التشغيل الطبيعية والصديقة للبيئة إلى ما هو أبعد من تحديد مصادر منتجاتها. فمتاجرها تُبنى باستخدام الحد الأدنى من المواد الخام الجديدة غير المعاد استخدامها. وفي الآونة الأخيرة، اشترت الشركة أرصدة طاقة الرياح المتجددة بما يعادل 100% من استهلاكها للكهرباء في جميع متاجرها ومنشآتها، وهي الشركة الوحيدة ضمن أكبر 500 شركة وفق تصنيف “مجلة فورتشن” (Fortune 500) التي عوضت كامل استهلاكها للكهرباء. وتنقل المنتجات الفاسدة والنفايات القابلة للتحلل بالشاحنات إلى مراكز إقليمية لتحويلها إلى سماد. ويجري تحويل سيارات هوول فودز لتشغيلها على الوقود الحيوي. حتى منتجات التنظيف المستخدمة في متاجرها صديقة للبيئة. ومن خلال أعمالها الخيرية، أنشأت الشركة مؤسسة الرفق بالحيوان (Animal Compassion Foundation) لتطوير طرق أقرب إلى البيئة الطبيعية وأكثر إنسانية لتربية حيوانات المزرعة. باختصار، يعزز كل جانب من جوانب سلسلة القيمة للشركة تقريباً الأبعاد الاجتماعية لمقترح القيمة الخاص بها، وهذا تحديداً ما يميز هوول فودز عن منافسيها.

ولمزيد من الإنصاف، لا تستطيع كل شركة بناء اقتراح القيمة الخاص بها بالكامل حول القضايا الاجتماعية كما تفعل “هوول فودز”، ولكن إضافة بُعد اجتماعي إلى مقترح القيمة يوفر حدوداً جديدة في تحديد المواقع التنافسية. الأنظمة واللوائح الحكومية، والتعرض للنقد والمسؤولية، واهتمام المستهلكين بالقضايا الاجتماعية، كلها في ازدياد وتنهال على الشركات من كل حدب وصوب. نتيجة لذلك، يتزايد باستمرار عدد قطاعات الأعمال والشركات التي يمكن أن تنطوي ميزتها التنافسية على مقترحات القيمة الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، بدأت شركة “سيسكو” (Sysco)، أكبر موزع للمنتجات الغذائية للمطاعم والمؤسسات في أميركا الشمالية، مبادرة للحفاظ على المزارع الصغيرة والمملوكة من قبل أسر وتقديم المنتجات المزروعة محلياً لعملائها كمصدر للتمايز التنافسي. حتى الشركات العالمية الكبرى متعددة الجنسيات، دخلت هذا المجال، فأطلقت “جنرال إلكتريك” مبادرة “إيكوماجينيشن” (ecomagination) التي تركز على تطوير تكنولوجيا تنقية المياه، وغيرها من شركات الأعمال “الخضراء”، مثل “يونيليفر” من خلال جهودها الرامية إلى ريادة المنتجات الجديدة وأنظمة التغليف والتوزيع لتلبية احتياجات أفقر السكان. فقد قررت هذه الشركات أن فرص العمل الرئيسية تكمن في الدمج ما بين الأعمال والمجتمع.

تنظيم الشركة للاطلاع بالمسؤولية الاجتماعية

حينما تنوي أحد الشركات الدمج بين الاستراتيجية والمجتمع وأعمالها والاحتياجات الاجتماعية، فإن الأمر يتطلب أكثر من النوايا الحسنة والقيادة القوية. إنه يتطلب تعديلات في التنظيم والعلاقات التراتبية والحوافز. هناك عدد قليل من الشركات التي جعلت إدارة التشغيل تنخرط في العمليات التي تحدد وترتب أولويات القضايا الاجتماعية بناءً على أهميتها بالنسبة لعمليات الشركة وسياقها التنافسي. حتى أن عدداً أقل من الشركات وحدت أعمالها الخيرية مع إدارة جهودها في مجال المسؤولية الاجتماعية، فيما سعى عدد أقل بكثير منها إلى دمج بُعد اجتماعي في مقترح القيمة الأساسي لديها. ويتطلب القيام بهذه الأشياء اتباع نهج مختلف تماماً لكل من المسؤولية الاجتماعية للشركات والعمل الخيري عن النهج السائد اليوم. إذ يتعين على الشركات التحول من الموقف المجزأ والدفاعي إلى نهج متكامل وإيجابي. وينبغي أن ينتقل التركيز من التركيز على الصورة إلى التركيز على الجوهر.

فلقد تراجع الانشغال الحالي بقياس رضا أصحاب المصلحة، بينما ما يجب قياسه فعلاً هو التأثير الاجتماعي. يجب أن يفهم مدراء التشغيل أهمية تأثير المتطلبات الخارجية للسياق التنافسي، في حين يجب أن يكون لدى المسؤولين عن مبادرات المسؤولية الاجتماعية فهم دقيق لكل نشاط في سلسلة القيمة. يجب دمج سلسلة القيمة والاستثمارات التي تجري في سياق تنافسي في المسؤولية الاجتماعية في مقاييس أداء المدراء الذين يتحملون مسؤولية الأرباح والخسائر. تتطلب هذه التحولات أكثر من توسيع تعريف الوظيفة، إنها تتطلب التغلب على عدد من التحيزات طويلة الأمد. قام العديد من مدراء التشغيل بتطوير وترسيخ ذهنية “نحن-مقابل-هم” التي تتخذ موقفاً دفاعياً لدى مناقشة أي قضية اجتماعية، تماماً كما تستنكر العديد من المنظمات غير الحكومية السعي لتحقيق القيمة الاجتماعية من أجل الربح. يجب أن تتغير هذه المواقف إذا أرادت الشركات الاستفادة من البعد الاجتماعي لاستراتيجية شركات الأعمال.

تدور الاستراتيجية دائماً حول اتخاذ الخيارات، ولا يختلف ذلك عندما يتعلق بالنجاح في المسؤولية الاجتماعية للشركات. إنه يتعلق باختيار القضايا الاجتماعية التي يجب التركيز عليها. تدفع ضغوط الأداء على المدى القصير التي تواجهها الشركات إلى استبعاد الاستثمارات العشوائية في سياق خلق القيمة الاجتماعية. إنهم يقترحون بدلاً من ذلك اعتبار إنشاء قيمة مشتركة مثل البحث والتطوير، كاستثمار طويل الأجل في القدرة التنافسية المستقبلية للشركة. مليارات الدولارات التي أنفقت بالفعل على المسؤولية الاجتماعية والعمل الخيري للشركات ستولد فائدة أكبر بكثير لكل من قطاع الأعمال والمجتمع إذا استثمرت باستمرار باستخدام المبادئ التي حددناها.

وفي حين أن المسؤولية الاجتماعية المستجيبة تعتمد على أن تكون الشركة في مقام المواطن الصالح، وأن تعالج كل ضرر اجتماعي تتسبب به، فإن المسؤولية الاجتماعية الاستراتيجية للشركات أكثر انتقائية. تتم دعوة الشركات إلى معالجة مئات من القضايا الاجتماعية، لكن القليل منها فقط يمثل فرصاً لإحداث تغيير حقيقي في المجتمع أو يمنح الشركة ميزة تنافسية. ستقوم المؤسسات التي تتخذ الخيارات الصحيحة وتؤسس مبادرات اجتماعية مركزة واستباقية ومتكاملة بالتوافق مع استراتيجياتها الأساسية بالابتعاد بصورة مضطردة عن المجموعة.

الغرض الأخلاقي من أعمال الاستراتيجية والمجتمع

تترك الشركات تأثيراً عميقاً وإيجابياً على المجتمع، من خلال توفير فرص العمل، واستثمار رأس المال، وشراء السلع وممارسة الأعمال كل يوم. وأهم ما يمكن أن تفعله الشركة للمجتمع، ولأي تجمع بشري، هو المساهمة في بناء اقتصاد مزدهر. وهذه هي الحقيقة الجوهرية التي غالباً ما تنساها الحكومات والمنظمات غير الحكومية. عندما تُحرف البلدان النامية القواعد، وتشوّه الحوافز المنظمة للأعمال التجارية، على سبيل المثال، فإنها تعاقب بذلك الشركات المنتجة. مثل هذه البلدان محكوم عليها بالفقر وتدني الأجور وبيع مواردها الطبيعية. لأن الشركات بطبيعة الحال لديها المعرفة والموارد اللازمة لتغيير هذا الوضع، ليس فقط في العالم النامي ولكن أيضاً في المجتمعات المحرومة اقتصادياً في الاقتصادات المتقدمة.

لا يمكن لهذا أن يعفي الشركات التي تسعى إلى تحقيق أرباح قصيرة الأجل عن طريق الخداع أو تتهرب من الآثار الاجتماعية والبيئية لأفعالها. لكن المسؤولية الاجتماعية للشركات لا ينبغي أن تقتصر على الخطأ الذي ارتكبته الشركات، رغم أهميته. ولا ينبغي أن يكون الأمر متعلقاً بمجرد تقديم المساهمات الخيرية إلى الجمعيات الخيرية المحلية أو مد يد العون لدى حصول كارثة أو تقديم الإغاثة للمحتاجين في المجتمع، على الرغم من مدى فائدة مثل هذه المساهمات. ولكن في الحقيقة، إن الجهود المبذولة لإيجاد قيمة مشتركة في ممارسات التشغيل وفي الأبعاد الاجتماعية للسياق التنافسي لا تنطوي فقط على إمكانية تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، بل تغيير الأفكار التي تحملها كل من الشركات عن المجتمع وبالعكس. يجب على المنظمات غير الحكومية والحكومات والشركات التوقف عن التفكير من حيث “المسؤولية الاجتماعية للشركات” والبدء بالتفكير من حيث “التكامل الاجتماعي للشركات”.

إن إدراك المسؤولية الاجتماعية باعتبارها بناء قيمة مشتركة بدلاً من احتواء الضرر أو كحملة علاقات عامة يتطلب تفكيراً مختلفاً تماماً في الأعمال. ومع ذلك، نحن مقتنعون بأن المسؤولية الاجتماعية للشركات ستزداد أهمية لتحقيق النجاح التنافسي.

وفي نهاية الحديث عن الاستراتيجية والمجتمع الحالي، الشركات ليست مسؤولة عن جميع مشاكل العالم، ولا تملك الموارد اللازمة لحلها جميعها. ولكن يمكن لكل شركة تحديد مجموعة معينة من المشاكل الاجتماعية التي هي مجهزة بشكل أفضل للمساعدة في حلها، وفي الوقت ذاته يمكن أن تحصل من خلالها على أكبر فائدة تنافسية. إن معالجة القضايا الاجتماعية من خلال خلق قيمة مشتركة سيؤدي إلى حلول ذاتية لا تعتمد على الإعانات الخاصة أو الحكومية. فعندما تستخدم شركة إدارتها القوية مواردها الواسعة وخبرتها وموهبتها الإدارية لحل المشكلات التي تفهمها والتي لها مصلحة فيها، سيكون التأثير على الصالح الاجتماعي أكبر من أي مؤسسة أو جمعية خيرية أخرى.

اقرأ أيضاً: 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .