أهم الأخطاء التي يرتكبها المسؤولون التنفيذيون في فهم الذكاء الاصطناعي

6 دقيقة
إعادة الابتكار
يورغ غريويل/غيتي إميدجيز

لا تدرك غالبية الشركات أن الفائدة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات التحويلية الأخرى لا تتحقق من خلال تبنيها فقط، بل من خلال إعادة الابتكار وإعادة صياغة نماذج الأعمال وأساليب خلق القيمة والبنية التنظيمية.

  • توضح تجارب شركات عالمية، مثل كوداك وفوجي فيلم وشاتر ستو…

تصل نسبة فشل مشاريع الذكاء الاصطناعي إلى 95%. وقد أسهم مشروع ناندا الذي أطلقه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في نشر هذا الرقم على نطاق واسع، حتى أصبح يستخدم اليوم لافتتاح الاجتماعات الاستراتيجية والخطابات الرئيسية. من الطبيعي أن يتساءل القادة عن الطريقة التي تساعدهم على الانضمام إلى نسبة الـ 5% التي تحقق النجاح، لكن هذا السؤال يتجاهل المشكلة الحقيقية؛ إذ إن تحديد نطاق المشروع وفق أهداف خاطئة قد يؤدي إلى تطوير الأدوات الصحيحة وتحقيق الإنجازات المرحلية المطلوبة، لكنه لا يقي المؤسسة من الفشل.

هذا بالضبط ما يحدث مع الذكاء الاصطناعي في الوقت الحاضر؛ إذ تتسابق الشركات لتبنيه، لكنها لا تتعامل معه بصفته أداة لإعادة الابتكار، فهي تشتريه على أنه أداة تكنولوجية جديدة تضيفها إلى نموذج أعمالها القديم، بدلاً من اعتبارها وسيلة فعالة لإعادة تصميم نظام خلق القيمة بالكامل.

يؤدي اتباع هذا النهج إلى الفشل الحتمي. إذا كنت تفكر في تجربة الذكاء الاصطناعي، فعليك التوقف عن التركيز على تبنيه فقط والبدء بالتفكير في إعادة الابتكار. في هذا المقال، سنناقش أمثلة تاريخية حول نتائج تطبيق هذين النهجين المختلفين جداً في التعامل مع التكنولوجيا الجديدة، وسنوضح كيف يمكن أن تكون هذه الأمثلة دليلاً للقادة الذين يبحثون عن أفضل طريقة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي.

فهم الصورة

لنتأمل القصة الشهيرة لشركة كوداك، والتي تروى عادة على النحو التالي: في عام 1975، اخترعت الشركة أول كاميرا رقمية، لكنها لم تدرك الإمكانات التحويلية لهذه التكنولوجيا، وبالتالي، لم تقرر تبنيها إلا في وقت متأخر بعد أن استحوذت شركات أخرى على السوق. لم يمثل تبني التكنولوجيا التحدي الحقيقي أمام شركة كوداك، فقد تصدرت في عام 2005 مبيعات الكاميرات الرقمية في الولايات المتحدة وكانت أحد أكبر مقدمي خدمات الطباعة الرقمية؛ وعلى الرغم من ذلك، أعلنت إفلاسها بعد 7 سنوات فقط.

لكي نفهم ما حدث، يجب علينا أن تتذكر أن التصوير الفوتوغرافي التقليدي كان يعتمد على ندرة الصور الملتقطة، التي كانت تتطلب جهداً كبيراً وتكلفة مرتفعة. نتيجة لذلك، كانت هوامش الربح من الأفلام والطباعة تتراوح بين 60% و70%. مع ظهور التصوير الرقمي، لم تعد الصور مورداً نادراً أو مكلفاً، ومع زيادة القدرة على إنتاج عدد غير محدود من الصور وتحول الكاميرات الرقمية إلى سلعة منخفضة التكلفة، تحولت القيمة من عملية التقاط الصور إلى الأنظمة التي تنظمها وتشاركها وتخزنها. لم تتمكن شركة كوداك من التكيف مع هذا الواقع الجديد، فقد اعتبرت تكنولوجيا الكاميرات الرقمية، بعد اعتمادها، مجرد بديل بسيط للكاميرات التقليدية، فدمرت بذلك المصدر الرئيسي للأرباح الذي دعمها وحافظ على استمراريتها عقوداً طويلة، كما أنها فشلت في الاستثمار في العناصر المكملة التي تحقق قيمة إضافية وتشكل أساس النظام الجديد، مثل منصات مشاركة الصور وأدوات التحرير وخدمات التخزين. استحوذت شركة كوداك بالفعل على شركة أو فوتو، وهي شركة ناشئة لمشاركة الصور عبر الإنترنت، ولكنها حصرت نموذج عملها في خدمات الطباعة بدلاً من جعلها منصة اجتماعية لمشاركة الصور.

أدى ذلك إلى ضربة مزدوجة، فقد أسهمت عقلية الاستبدال، أي النظر إلى التكنولوجيا الجديدة على أنها مجرد بديل للقديمة، إلى تقليص الأرباح، كما أدى غياب العناصر المكملة إلى فقدان مصادر الربح الجديدة التي يمكن التحول إليها. تسبب تبني التكنولوجيا الجديدة وفق أهداف غير دقيقة في تسريع انهيار الشركة.

تعاملت شركة فوجي فيلم المنافسة لشركة كوداك مع هذا التحدي بطريقة مختلفة تماماً، فبعد أن أدركت الشركة أن عصر تحقيق الأرباح من التصوير التقليدي باستخدام الأفلام قد انتهى، اعتمدت على خبرتها العميقة في مجال المواد الكيميائية والتصوير وعلوم المواد لتتوسع بسرعة في مجالات أخرى، مستخدمة مضادات الأكسدة التي طورتها لحفظ الأفلام في صناعة مستحضرات التجميل ومنتجات العناية بالبشرة، كما طبقت قدراتها في التصوير على التشخيص الطبي واستفادت من خبرتها في علوم المواد لتطوير المستحضرات الدوائية ومكونات الشاشات من نوع إل سي دي. في الوقت نفسه، عملت الشركة بجد على تقليل اعتمادها على قطاع التصوير التقليدي باستخدام الأفلام. وبحلول عام 2012، عندما أعلنت شركة كوداك إفلاسها، كانت شركة فوجي فيلم قد نجحت في إعادة ابتكار نموذج عملها؛ إذ حققت أرباحاً كبيرة ونمواً لافتاً وتجاوزت إيراداتها 25 مليار دولار، كما حققت مكاسب ضخمة من مجالات الرعاية الصحية وحلول المستندات والمواد الإلكترونية.

يبدو الدرس المستفاد من هذه الأمثلة واضحاً، فمجرد تبني تكنولوجيا جديدة لا يضمن تحقيق التفوق والميزة التنافسية. يكمن السر في معرفة مصادر القيمة الجديدة وإعادة توجيه القدرات المميزة نحو استثمارها والاستفادة منها، بالإضافة إلى الاستثمار في العناصر المكملة المناسبة.

تقييم الوضع

يشكل الذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذج توليد الصور التابعة له في الوقت الحاضر تهديداً خطيراً لنموذج أعمال الصور المخزنة أو الجاهزة على غرار التهديد الذي سببه ظهور الكاميرات الرقمية. فمعظم منصات الصور المخزنة التي ترخص الصور للاستخدام التجاري تعتمد على ندرة الصور ذات الجودة العالية، ولكن مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح بإمكان أي شخص إنشاء الصور التي يريدها من خلال توجيه أوامر نصية بسيطة دون أي تكلفة تقريباً.

عملت منصات الصور المخزنة على مواجهة هذا الواقع من خلال طريقتين؛ عن طريق اعتماد الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتنظيم الصور وتصنيفها وأرشفتها بكفاءة أكبر، أو عن طريق رفض تبني هذه التكنولوجيا تماماً. تستند هاتان الطريقتان إلى النموذج الاقتصادي القديم الذي يعتمد على قيمة الصور نتيجة قلة توفرها وتكلفتها المرتفعة، لكنهما تتجاهلان أن التحدي الحقيقي الذي يواجه وكالات الصور المخزنة لا يتمثل في المنافسة مع الصور الاصطناعية المنخفضة التكلفة، بل في قدرة هذه التكنولوجيا على تقويض الثقة وحقوق التأليف والملكية، وهي عناصر ضرورية لترخيص المحتوى للاستخدام التجاري.

لم تتعامل شركة شاتر ستوك، التي واجهت التحول نفسه، مع الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه أداة يجب تبنيها أو تهديداً يجب تجنبه. وبدلاً من الدفاع عن نموذج أعمالها التقليدي في عصر المحتوى الاصطناعي، حولت تركيزها إلى إدارة الثقة وحقوق التأليف والملكية. بعد ذلك، استثمرت الشركة نقاط قوتها في إدارة البيانات الوصفية وحقوق الملكية، مع الاستفادة من علاقاتها مع المساهمين والمؤسسات الأخرى لإنشاء نظام يتيح استخدام المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي بأمان في المؤسسات. ثم عملت على إنشاء العناصر المكملة المطلوبة لنجاح هذا النظام؛ إذ عقدت شراكات لترخيص البيانات مع شركتي أوبن أيه آي وإنفيديا، والأهم من ذلك أنها أنشأت نماذج تعويض تضمن دفع مستحقات عادلة للمساهمين، بالإضافة إلى وضع أطر تحمي العملاء من المخاطر القانونية المتعلقة بحقوق الملكية والتأليف.

من خلال الجمع بين إعادة صياغة الأهداف وإعادة توظيف القدرات وإنشاء العناصر المكملة، تحولت شركة شاتر ستوك من مجرد منصة لتجميع الصور إلى منصة أو نظام لإدارة الحوكمة. في عالم تكثر فيه الصور، يحدد هذا النظام قواعد المشاركة لكل من مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي ومستخدمي المحتوى. في الوقت الحاضر، يعتمد مطورو النماذج، مثل شركة أوبن أيه آي، على شركة شاتر ستوك لتوفير وصول آمن وقانوني إلى مكتبة الصور الضخمة التابعة لها لاستخدامها في تدريب النماذج. كما تعتمد المؤسسات التي تشتري الصور على الشركة للحصول على الحماية القانونية، ويعتمد صانعو المحتوى عليها للحصول على حقوق مالية عادلة وزيادة انتشار أعمالهم.

إعادة توزيع السلطة

لا تتمثل الميزة الحقيقية لكل تحول تكنولوجي في زيادة الأرباح أو إنشاء خطوط أعمال جديدة فحسب، بل أيضاً في إعادة توزيع السلطة والنفوذ داخل سلسلة القيمة. وهذا ما حدث في حالة متاجر البيع بالتجزئة الأميركية وول مارت وكيه مارت.

عند اعتماد تكنولوجيا الرمز الشريطي في تجارة التجزئة في منتصف السبعينيات، تبنتها الشركتان مبكراً، لكن النتائج كانت مختلفة تماماً. فقد استخدمت شركة كيه مارت هذه التكنولوجيا لتقصير مدة انتظار الزبائن عند صناديق الدفع، لكنها لم تدرك أن من الممكن إنشاء نموذج تنظيمي جديد. كانت عملية صناعة القرار لا مركزية، حيث كان مدراء المتاجر مسؤولين عن المشتريات وإدارة المخزون، واستمرت الشركة في اتباع هذا النهج.

في المقابل، لم تتعامل شركة وول مارت مع الرموز الشريطية على أنها أداة لتحسين الكفاءة فقط، بل رأت أنها قادرة على إعادة تنظيم المعلومات وتنسيق العمليات عبر شبكة متاجرها بالكامل. واستثمرت في تطوير البنية التحتية المكملة لهذا النظام، وهي تشمل توفير شبكة اتصالات عبر الأقمار الصناعية وتطوير نظام إلكتروني لتبادل البيانات مع الموردين، بالإضافة إلى إدارة الخدمات اللوجستية المركزية. سمحت هذه البنية الجديدة للشركة بتحسين إدارة المخزون والتنبؤ بالطلب بدقة عالية، ما أتاح لها فرض معايير وإجراءات موحدة وملزمة على الموردين، بالإضافة إلى التزامهم بمعايير التسليم وتوقعات الأسعار التي تحددها.

لم يفهم معظم الشركات حتى الآن أن الدرس المستفاد من هذه الأمثلة هو أن تبني التكنولوجيات الجديدة دون وضع إطار صحيح وأسس مناسبة قد يؤدي إلى تسريع الانهيار والفشل. تؤدي التحولات التكنولوجية إلى إعادة توزيع السلطة، كما لاحظنا في الأمثلة السابقة، لكن الشركات لا تحقق النجاح غالباً لمجرد أنها أول من تبنى التكنولوجيا، بل عندما تستخدم التكنولوجيا لإعادة صياغة بنية أعمالها وكيفية صناعة القرارات واستثمار القدرات وإعادة توزيع القيمة والسلطة عبر سلسلة القيمة. اعتمدت شركتا كوداك وكيه مارت التكنولوجيات المناسبة، لكنهما استخدمتاها لحل المشكلات غير المناسبة. في المقابل، عملت شركات فوجي فيلم وشاتر ستوك ووول مارت على إعادة صياغة نموذج أعمالها واستراتيجياتها وفق إمكانات التكنولوجيا الجديدة.

قد تنجح الشركة في تنفيذ برامج تجريبية وبرامج للتبني ناجحة، لكنها تفشل في تحقيق التفوق والميزة التنافسية إذا كانت الأهداف غير دقيقة. على غرار التكنولوجيات الجديدة الأخرى، يجب أن يتمثل هدفك عند تبني الذكاء الاصطناعي في إعادة الابتكار وليس مجرد التبني. المهم هو أن تساعدك تجارب استخدام التكنولوجيا على إعادة صياغة طريقة العمل واستثمار القدرات المميزة بطريقة فعالة وإنشاء العناصر المكملة اللازمة لتحقيق ميزة مستدامة. في حال لم تتخذ هذه الإجراءات، سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تسريع التغيير، لكنه قد لا يكون في مصلحتك.

 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي