يوجد تصور شائع يتمثّل في أن إعداد الاستراتيجية يجري في المستويات العليا من الهيكل التنظيمي، وأن تنفيذها يكون في المستويات الأدنى، بل إنه العكس تماماً، وسأشرح السبب.

خلال شهر رمضان المبارك فقط: استفد من خصم 30% على الاشتراكات الرقمية السنوية والنصف سنوية

يجب أن أوضح أولاً أنني لطالما كرهت استخدام مصطلح "التنفيذ"، لأن معنى هذا المصطلح الشائع غير مفيد أساساً، ويساهم فيما يطلق عليه المسؤولون التنفيذيون غالباً "فجوة تنفيذ الاستراتيجية".

تنطوي الاستراتيجية – حسب مفهوم رجال الأعمال – على اتخاذ القرارات، في حين ينطوي التنفيذ على إطاعة هذه القرارات. ويتمثّل انتقادي لهذا الوصف في أن الأمور التي تحدث في النشاطين المسميان "الاستراتيجية" و"التنفيذ" متطابقة، وتنطوي على اتخاذ قرارات بشأن ما يجب فعله وما يجب تجنّبه. ولم أر خلال 36 عاماً من العمل مع الشركات مثالاً على استراتيجية أُعدّت بدقة لدرجة أن الأفراد القائمين على "تنفيذها" لم يكن عليهم اتخاذ قرارات كبيرة وصعبة ومهمة بقدر صعوبة وأهمية "القرارات الاستراتيجية" نفسها.

على سبيل المثال، تخيّل أن الاستراتيجية التي اختارتها إحدى الرئيسات التنفيذيات هي التميّز على أساس "المواءمة والكمال"، بمعنى خلو منتجاتها من العيوب ومراعاة أصغر التفاصيل في تصنيعها. وتطلب من نائب الرئيس التنفيذي للتصنيع تنفيذ هذه الاستراتيجية. لم تُوصف هذه الاستراتيجية على نحو دقيق يُتيح لنائب الرئيس التنفيذي للتصنيع تنفيذها دون الحاجة إلى التفكير في اتخاذ عدد من القرارات الرئيسة. ما هي الوسائل الممكنة لهزيمة منافسي الشركة من جانب "المواءمة والكمال"؟ ما هو النهج الذي يمتلك أعلى مقومات النجاح؟ هل يُعتبر هذا النهج وسيلة فاعلة لهزيمة المنافسين الذين يركزون بالفعل على استراتيجية "المواءمة والكمال"؟

نظراً إلى أن تلك القرارات تبدو مشابهة تماماً لنوع القرارات التي أجرتها الرئيسة التنفيذية، فهي تطرح السؤال التالي: لماذا ندعو قرارات الرئيسة التنفيذية "بالاستراتيجية" وقرارات نائب الرئيس التنفيذي "بالتنفيذ"؟ لأن الأفراد اعتادوا أن يشيروا إلى أن قرارات نائب الرئيس التنفيذي مقيّدة بقرارات الرئيس التنفيذي، وأنها مختلفة بشكل جوهري نتيجة ذلك. قد تكون هذه الحجة صحيحة إذا كانت قرارات الرئيسة التنفيذية لا تخضع لأي ضوابط، لكن من الطبيعي أن يُمطرك كبار الرؤساء التنفيذيين بوابل من القيود التي تعترض سبيلهم، من أسواق رأس المال إلى مجالس الإدارة وحتى القوانين.

وقلة هي الأنشطة التي لا تتطلب اتخاذ قرارات مهمة في المؤسسات المعقدة، فحتى بعد أن اتخذ نائب الرئيس التنفيذي للتصنيع قراره في كيفية التميّز من حيث المواءمة والكمال، سيتعين على النائب الأول لرئيس عمليات المصنع اتخاذ بعض القرارات المهمة أيضاً، والأمر سيّان بالنسبة إلى نائب رئيس إدارة الخدمات اللوجستية في المصنع، وما إلى ذلك. وهو ما يدعوني إلى الاعتقاد أن العمل الاستراتيجي في المؤسسات هو عبارة عن سلسلة من القرارات المترابطة: ما هي تطلعاتنا لتحقيق النجاح؟ من هي السوق المستهدفة؟ كيف يمكننا تحقيق النجاح؟ ما هي القدرات التي نحتاج إلى تطويرها من أجل الفوز؟ وما هي الأنظمة التي نحتاج إليها لإدارة تلك القدرات؟ يمكننا تخيل الاستراتيجية بهذه الطريقة:

بغض النظر عن منصبك في المؤسسة، سيتعين عليك اتخاذ القرارات الاستراتيجية نفسها التي تنطوي على تحديد السوق وكيفية الفوز. وتوضح الأسهم أنك لا تستطيع البدء من الأعلى والمضي نحو الأسفل أو البدء من الأسفل والتوجه نحو الأعلى، وإنما يجب عليك التنقل إلى الأعلى والأسفل إلى حين تتوافق الخيارات مع بعضها البعض وتعزز بعضها البعض.

وهذا هو السبب الذي يدفعني إلى تحديد خطوات القيادة في السلاسل التعاقبية من القرارات متعددة المستويات هذه كما يلي:

  1. حدد مجموعة القرارات التي تكون قادراً على اتخاذها أكثر من أي شخص آخر.
  2. اشرح القرار الذي اتخذته والأسباب الكامنة وراء اتخاذ هذا القرار.
  3. حدد القرار التالي الذي يجب اتخاذه بصريح العبارة.
  4. قدّم المساعدة في اتخاذ القرار التالي حسبما تقتضي الحاجة.
  5. التزم بإعادة النظر في القرار، وأجر تعديلات عليه استناداً إلى الملاحظات النهائية.

لم يسبق لي أن سمعت تعريفاً مفيداً أو مقنعاً للتنفيذ يميزه عن الاستراتيجية إلا مؤخراً، وكان ذلك عندما حضرت ندوة استراتيجية لكبار المسؤولين التنفيذيين في شركة "فيرايزون ميديا" (Verizon)، فقد صرّح مسؤول تنفيذي شاب يدعى أندريس إيرلاندو قائلاً: أليس من الأفضل أن يُعرّف التنفيذ أنه عملية إعداد السلاسل التعاقبية من القرارات وتحديد المدير المسؤول عن هذه القرارات في كل سلسلة، وضمان اتخاذهم القرارات التي تقع ضمن نطاق مسؤولياتهم؟

لقد كانت إجابة رائعة! الاستراتيجية هي إجراء اتخاذ قرارات حول "السوق" و"كيفية الفوز" في مختلف مستويات المؤسسة وأجزائها. والتنفيذ هو إجراء ينطوي على تحديد هوية المسؤولين عن اتخاذ تلك القرارات، والتأكد من تنفيذهم لهذه القرارات بالفعل، بدلاً من التردد في تنفيذها.

ويعكس هذا الإجراء المسؤوليات الضمنية العادية التي تنطوي على ضرورة إعداد الاستراتيجية في المستويات العليا من المؤسسة، وتنفيذها في المستويات الأدنى منها، في حين نجد في هذا التعريف البديل والأكثر فائدة أن اتخاذ القرارات الاستراتيجية يجري في جميع وحدات المؤسسة، وتقع مسؤولية التنفيذ على المناصب العليا في الهيكل التنظيمي.

وإذا وجدتَ "فجوة في تنفيذ الاستراتيجية" في شركة تقودها، فكّر فيما إذا كان تبني دور المنفّذ يساعدك في إغلاق هذه الفجوة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!