معظم المهنيين تتشكل لديهم مع مضي الوقت شبكات من المعارف على أساس القرب: أي مع الأشخاص من نفس مجموعة الدراسة في الجامعة، أو الزملاء في مكان العمل الحالي أو السابق. ويكون لديك معارف من خارج هذه الدائرة، ولكن الغالبية العظمى ممن تعرفهم سيكونون عادة من الأشخاص الذين يشاركونك في التخصص أو العمل، إلا إن كنت تسعى بوعي لتوسيع دائرة معارفك خارج ذلك. وقد لا يبدو في هذا الأمر أي إشكال ولا ضرر، لكنه قصر نظر لا يتنبه إليه الكثيرون وقد يعرضك لمخاطر على المستوى المهني.

بداية، حين تكون شبكة معارفك ضيقة فإنك بذلك تحد من خياراتك في حال قررت تغيير عملك، أو في حال طرأت مشكلة في شركتك أو تراجع في القطاع الذي تعمل به. فإن كان زملاء العمل هم الأشخاص الوحيدين الذين تعرفهم جيداً، ووجدت نفسك فجأة عرضة للتسريح من وظيفتك، فلن تجد حينها أي شخص تستعين به من خارج تلك الدائرة.

أضف إلى ذلك أنك ستكون أكثر عرضة للتفكير الجمعي إن لم تكن تطّلع على وجهات نظر متنوعة وآراء مختلفة. يقول روبرت بوتنام وهو عالم اجتماع من جامعة هارفارد إنه لا بدّ من تحقيق التوازن بين “رأس مال الترابط” و “رأس مال التواصل”، أي تلك العلاقات القائمة على السمات المشتركة (الترابط) وتلك القائمة على السمات المتباينة (التواصل). وصحيح أنّ العلاقات مع أمثالك تبدو طبيعية أكثر، ولكنك ستحقق مكاسب جيدة حين تحاول الخروج من دائرة الراحة. وتُظهر بعض الأبحاث أنّ الشركة التي يكون فيها أعضاء مجلس الإدارة من تخصصات مختلفة تتمتع بأداء مالي أفضل من غيرها.

أجريت في كتابي الأول “إعادة تأهيلك” (Reinventing You) لقاء مع مهني صاحب خبرة طويلة يُدعى دان، ووجدت أنّه لم يستثمر بالشكل الكافي في “رأس مال التواصل” لديه. كان دان قد أمضى عقداً كاملاً في شركة كبيرة في مجال التكنولوجيا، ووصل إلى منصب مدير قسم الهندسة فيها. ولكنه أدرك متأخراً أنّ شبكة معارفه المهنية تتألف حصرياً من أشخاص من تلك الشركة وحسب. ونظراً للتقلبات الطارئة في مجال العمل، بدأ يشعر بالتخوف والقلق.

فشرع دان بحملة تعارف أرغم فيها نفسه على اللقاء أسبوعياً بأشخاص خارج شركته، منهم مدراء تنفيذيون في شركات توظيف ومستشارو استثمار رأس المال المخاطر وروّاد أعمال في شركات ناشئة وغيرهم من الأشخاص. وقد ساعدته معارفه الجديدة هذه على الانتقال إلى وظيفة جديدة مثيرة، وتمكّن بسرعة من إثبات قيمته وجدارته وذلك بفضل المعارف التي كسبها بعد اللقاء بهذا العدد الكبير من الأشخاص.

وفي ما يلي أربع استراتيجيات يمكنك الاعتماد عليها كي تضفي التنوع على شبكة معارفك:

قم بإجراء جرد لمعارفك الحاليين 

يتوجب عليك أولاً أن تعرف شبكة معارفك الحالية. من هم أكثر خمسة أو عشرة أشخاص تمضي وقتك معهم؟ ثم ضع قائمة بمعارفك من “الدائرة الخارجية” (50 شخصاً مثلاً يمثلون أهمية خاصة لك في حياتك المهنية). تفحّص ذلك سريعاً لتقيّم مقدار التنوع المهني في شبكة معارفك، مع تحديد إن كانوا من الشركة التي تعمل بها أو من خارجها، وإن كانوا يشتركون معك في مجال العمل أو لا. فإن حصلت شبكة معارفك على ميل نحو أحد الاحتمالين بنسبة تتجاوز 70 في المئة (إن كان 85 في المئة مثلاً من أقرب معارفك هم زملاؤك في مجال التسويق) فإنّ عليك أن تفكر بجدية بتنويع معارفك. حاول تذكر الزملاء أو الأصدقاء السابقين الذين تروقك صحبتهم ويعملون الآن في مجالات أو شركات مختلفة، ولكنك لم تمض معهم الكثير من الوقت مؤخراً. وليكن هذا هو السبب في التواصل معهم واقتراح اللقاء بهم، وهم عادة سيرحبون بذلك.

ضع مهمة التعارف على جدول أعمالك 

لقد كان نجاح دان في توسيع دائرة معارفه خارج حدود شركته يعزى في جزء منه إلى القرار الذي اتخذه في جعل التعارف مهمة محددة في جدول عمله الأسبوعي. ولأن دان كان يميل إلى الانطواء على ذاته، كان يميل إلى التملص من معظم الفعاليات التي تشتمل على التعارف على أشخاص جدد. ولكنه حين أدرك أنّ دائرة معارفه باتت ضيقة إلى حدّ خطير، ألزم نفسه بلقاءات مستمرة لتناول الفطور مع زملاء جدد. قد يبدو أمر التعارف “غير عاجل” أبداً ولعله يكون أول ما يمكن تأجيله حين يزداد انشغالك في العمل، ولذا لا بدّ من إيلائه الأولوية من خلال جعله جزءاً من برنامج العمل.

اطلب اقتراحات من الآخرين 

لدى كل شخص في دائرة معارفه عدد كبير ممن يشتركون معه في العمل أو التخصص، ومن المهم الاستفادة من ذلك. وإن كنت تسعى لتنويع علاقاتك المهنية فيمكنك أن تطلب من شخص من دائرة معارفك الأوسع أن يقترح عليك أسماء بعض الأشخاص الذين قد تكون مهتماً باللقاء بهم. يمكن أن تخبره مثلاً: “أود التعرف إلى المزيد من المستثمرين الممولين، وأنت تعرف الكثير منهم، مع من تقترح علي أن أتواصل؟ هل بوسعك تعريفي إليه؟”.

لا تتوقع أن تكون النتائج فورية

بعض الأشخاص يجدون أنّ دائرة معارفهم ضيقة بداعي الكسل، وهنالك من لا يوسع من معارفه لأنه لا يستطيع رؤية الفائدة التي تترتب على ذلك. فإن كنت تعمل في مجال التمويل مثلاً، فقد لا ترى في التعرف إلى منتج أفلام ما يضيف إليك الكثير مقارنة بقضاء الوقت مع شخص من نفس قطاع عملك. ولكن عليك أن تمتلك نظرة أبعد من ذلك. فالناس عرضة لتغيير وظائفهم، وأنت أيضاً، ولا تدري لعلّ هذه العلاقة تنفعك على المدى البعيد. أضف إلى ذلك أنّك لا تستطيع أن تعرف الأشخاص الذين في دائرة معارف هذا الشخص الجديد، فقد يكون منتج الأفلام ذلك زميل دراسة لرئيس تنفيذي تود أن تقيم معه علاقة عمل.

إنّ أفضل سبب لبناء علاقة متنوعة على المستوى المهني ليس بالضرورة متعلقاً بما ستحققه من هذه العلاقات من مكاسب. ولكن الأمر يتعلق بإشباع فضول شخصي وتطوير شخصيتك: ولو تحقق جراء هذه العلاقة عائد على مستوى العمل أو المال فسيكون ذلك تصادفاً لطيفاً. احرص منذ عدة سنوات على دعوة ثمانية إلى عشرة أشخاص مثيرين للاهتمام من مختلف القطاعات المهنية لتناول العشاء معاً. لم أكثرت كثيراً لحقيقة أنّ أحد هؤلاء الأشخاص أحدهم كوميدي، وآخر يعمل في ترويج الأعمال الكوميدية، إلى أن بدأت بأداء بعض العروض الكوميدية الارتجالية وساعدتني هذه المعرفة على الحصول على نصائح في غاية الأهمية وفرت علي الكثير من الوقت وجنبتني الوقوع في الإحباط.

من السهل أن تمضي في حياتك وأنت تقتصر على التواصل مع أشخاص مثلك، ولكنك لو بذلت جهداً إضافياً لزيادة رأسمالك “التواصلي”، سيكون بوسعك الاطلاع على آراء وأفكار جديدة، وأن تزيد من مستوى “الضمان الوظيفيّ” لديك من خلال توسيع أصناف الناس الذي يعرفون ويحبون ويحترمون عملنا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!