يُعتبر التعلم من خبرات الآخرين من الجوانب الهامة للتطور المهني في عالم الجراحة. لذلك تعقد أقسام الجراحة الأكاديمية حول العالم مؤتمرات للحالات المرضية والوفيات (M&M) بشكل أسبوعي لتجمع الجراحين معاً بغية استعراض الحالات الخاصة والتشارك بالأفكار، بما ينعكس على تطور عملهم.

ووجد بحث بأن الجراحين الذين يعملون بشكل منفرد مع فرص أقل للتفاعل مع أقرانهم، يُحرزون نقاطاً أقل في امتحان المحافظة على شهادة البورد الأميركي للجراحة (MOCEX)، مقارنةً بالجراحين الذين يعملون ضمن مجموعات، مالم ينخرطوا في مناسبات اجتماعية ومحادثات مع زملاء آخرين في أغلب الأحيان.

وعلى الرغم من تطور مجال الجراحة من ناحية عدد الجراحين وانتشارهم عبر الدول، إلا أن الجراحون هم الأقل قدرة في الاعتماد على المحادثات غير الرسمية في العمل، أو المؤتمرات أو استراتيجيات مشاركة المعرفة غير الرسمية للتعلم من بعضهم البعض ومواكبة التقنيات والممارسات الجديدة. وفي حين أن التطورات والتحسينات في التقنيات الجراحية عبر التاريخ قد ظهرت ضمن مجتمعات الجراحين المنغلقة، متركزة في محيط الجامعات، حيث يقوم بعض الناس بإنجاز حالات متشابهة، إلا أن الجراحات الحديثة تشمل مجموعة واسعة من الإجراءات المتخصصة على نحو متزايد، وفي بقاع مختلفة من العالم. وهذا الانتشار الجغرافي يعني في الواقع أنه في بعض الحالات، قد يكون جراح واحد هو الوحيد الذي يقوم بإجراءات مميزة في عمليته الجراحية في منطقة جغرافية محددة (خاصة خارج المدن الكبيرة)، وربما تظهر تلك الأفكار الإبداعية، والإرشادات، وأفضل الممارسات، خارج الأوساط الأكاديمية التقليدية.

وهنا أتى دور وسائل التواصل الاجتماعي. إذ أن أن “فيسبوك”، و”تويتر”، ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى قد برزت كأدوات قوية لإبقاء الجراحين متواصلين مع بعضهم البعض. وعلى الرغم من أن التجمعات عبر الإنترنت اقتصر استخدامها على حالات معينة من مشاركة المعرفة الطبية، إلا أنه في السنوات الأخيرة، تشكلت تجمعات متنوعة مستخدمة برامج تواصل اجتماعي منتشرة بشكل أكبر لتسهيل تفاعل الجراحين ودعم ممارستهم لمهنتهم وتحسين نتائج المرضى. ومن الأمثلة عن هذه التجمعات، التجمع الدولي للفتق، الذي أسسه بريان جاكوب (Brian Jacob)، أو تجمع الجراحة الآلية (RSC)، الذي أسسه يوسف قدسي، أحد كتّاب هذا المقال، والذي سمح للجراحين بمشاركة الحالات التي لم يتم تشخيصها، وتبادل الأسئلة والخبرات بما يتعلق بتقنيات أو ممارسات معينة.

تتمتع هذه المجموعات بعدد كبير من الأعضاء، وتشرع بمحادثات عديدة عبر الإنترنت يومياً ضمن مهنة الجراحة حول العالم. ونشرنا مؤخراً دراسة في دورية (The Annals of Surgery) فاحصة استخدام ومزاولة أنماط الأفراد في مجموعة (RSC) ضمن “فيسبوك” بدءاً من لحظة إنشائها في يناير/كانون الثاني 2015 وحتى أغسطس/آب 2016. في هذا الوقت، ارتفع عدد أعضاء المجموعة إلى ما يقارب 2,000 عضو (والآن يتجاوز العدد 4,800)، مع جراحين من جميع أنحاء العالم ينشرون استفسارات وصور وفيديوهات لتقنياتهم للحصول على تقييم الآخرين، والتعلم، والمناقشة. وبتحليل 1,200 منشور وُضع في المجموعة، وجدنا أن عدد المنشورات الموضوعة في اليوم الواحد كانت أكبر بشكل مُلاحظ في منتصف الأسبوع (الثلاثاء، الأربعاء، الخميس) مقارنةً بباقي الأيام، ما يشير إلى أن الجراحين يستخدمون مجموعة “فيسبوك” هذه كجزء من سير عملهم الأسبوعي أكثر مما يستخدمونها في أوقات فراغهم (كأيام العطل مثلاً).

ووجدنا أنّ المنشورات المرفقة بروابط وصور وفيديو حصدت إعجابات أكثر من المنشورات المقتصرة على نصوص كتابية، لكن المنشورات المحتوية على نصوص فقط، حصدت عدداً أكبر من التعليقات، وهي شكل التفاعل الأكثر نشاطاً في وسائل التواصل الاجتماعي. وذلك يدل على أنه حتى في منصة غنية بالوسائط المتعددة مثل فيسبوك، يمكن لقصة بسيطة أو استفسار أن يحرّض نقاشات الأخذ والرد. وأظهر بحث من قبل واحد من الكتّاب وهو كريس مايرز بأن هذا النوع من التفاعلات النشيطة يمكن أن يكون مساعداً أكبر على التعلم بشكل مباشر من الآخرين، من نسخ خبرة أشخاص آخرين فقط.

وعلى الرغم من أن بحثنا ركز على استخدام مجموعات “فيسبوك”، لكن منصات أُخرى لوسائل التواصل الاجتماعي برزت في بحثنا، كأدوات مرتبطة لتعلم ودعم الجراحة أيضاً. كمثال، تم استخدام منصة “تويتر” لاستضافة منتديات “تويت شات” (TweetChat) للعلاج الجراحي والتحكم بأمراض معينة (مثل مناقشة obsm# حول جراحة البدانة عند المراهقين).

كما لفتت حركات (#NYerORCoverChallenge)، و ILookLikeASurgeon#)، الانتباه لعدم المساواة والتمثيل المنخفض للمرأة ومجموعات الأقليات الأخرى في الجراحة، وهي قضايا أثّرت على تعليم وتدريب الجراحة.

ماذا يتعلم الجراحون عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

لدينا مثال هنا: أحد كتّاب هذا المقال، أمير الغفيري، الذي تعلّم تقنية إعادة تشكيل جدار البطن الجراحية الجديدة والتي تدعى “تحرير المستعرضة البطنية” (TAR) من خلال المشاركة في التجمع الدولي للفتق (IHC) على “الفيسبوك”. ولم تسمح المجموعة لأمير باستعراض المقالات السريرية القصيرة، والفيديوهات، والمناقشات من خبراء العالم فحسب، بل سمحت له بنشر حالاته المعقدة، حيث تلقي مساهمات وتقييمات ثاقبة من نفس الخبراء، ومن مجتمع جراحة الفتق ككل. وبالتالي، قام بدمج طريقة (TAR) في مهنته، واستفاد مرضاه من هذه التقنية بخفض معدل الالتهابات الجلدية.

هذا ليس المثال الوحيد، إذ أخبرنا أحد أعضاء مجموعة (RSC) على “فيسبوك” بأن “المشاركة في المجموعة وفّرت له مساهمات تعاونية لمرضاه وحالاته من خبراء، وكشفت له عن خيارات جراحية لم يكن لاحظها من قبل”. ووصف عضو آخر المجموعة بأنها المساحة الآمنة فيما يخص تحدي الأفكار، ونشر الفيديوهات للحصول على إرشادات عن كيفية جعل الأمور أفضل، وتقدم الطب بشكل جماعي عموماً. ولخّص مستخدم آخر تجربة المجموعة بوضع ملاحظة: “أظن بأن الوقت الذي قضيته وأنا أشاهد وأقرأ الإرشادات، والتقنيات كانوا أشبه بـ “زمالة آلية” ساعدتني على تحقيق تحسّن كبير في التعلّم”.

وبخلاف الأوضاع السريرية المحلية، تسمح مجموعات المناقشة عبر الإنترنت بتنوع أكبر من الأفراد ليجتمعوا سوياً، ويتشاركوا انطباعاتهم الفريدة حول قضية معينة. أخبرنا أحد المستخدمين بأنّ مجموعة (RSC) توفّر “التفاعل الاجتماعي والمهني الذي يمكن ألا يتوفّر في المنزل أو مع الزملاء الذين نراهم فقط في المؤتمرات الكبيرة”. بالإضافة إلى ذلك، تتضمن هذه المجموعات عادة أشخاصاً ليسوا من الجراحين، كمساعدي الجراحين، أو فرقاً تتمحور حول الجراحة، الذي يمكنهم أن يتعلموا من الجراحين الخبراء الذين يصفون ويساهمون بانطباعاتهم. ويصف أحد مساعدي الجراحين المجموعة بأنها ترحب وتتساهل مع الأعضاء غير الجراحين، ويقول: “أن أكون عضواً ومستخدماً منتظماً لمجموعة (RSC) جعل مني مساعد جراح أفضل”.

تخطي الحواجز

على الرغم من إمكانيات مجتمعات وسائل التواصل الاجتماعي للتعليم الجراحي، مازال هناك حواجز قانونية وإدارية معينة عديدة لاعتماد هذه المنصات على نطاق واسع. ويوجد مخاطر للتعلم من وسائل التواصل الاجتماعي خصوصاً كأن تبدأ باستخدام تقنية جديدة دون أن تخضع للتجربة في الدراسات بشكل مناسب. لذلك تتطلب إدارة مجموعات التواصل الاجتماعي هذه جهداً مخصصاً، ومراقبة (من شخص واحد أو أكثر بطريقة معتدلة) للتأكد بأنّ المناقشات متركزة وواقعية وأنها لا تنتهك حقوق خصوصية المرضى.

من ناحية ثانية، بما أنّ هذا النوع من الأدوار لا يتلاءم بشكل دقيق مع النماذج الموجودة أو الهياكل القيادية في مجال الجراحة (ولا على نطاق واسع في الطب)، سيتوجب على قادة الرعاية الصحية تحديد كيفية تمييز هذه الجهود الموجهة للتعلم، وتصادق، وتكافئ عليها. مثال: أن يكون تولي منصب إدارة مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي مشابه لكرسي في مؤتمر (M&M)، الذي يُعترف به ويحترم ويكون مفيداً.

في الوقت نفسه، إنّ العديد من فوائد هذه المجموعات، وانتشارها حول العالم، وطبيعتها ذات المشاركة المؤسساتية، يجعل منها أكثر صعوبة للضبط والإدارة، ما يترك المسؤولية لتعديلها والعضوية فيها للإداريين المتطوعين الذين يجب أن يكتشفوا بسرعة فائقة الأفضل لتنظيم المجموعة. ومن ثم هناك حاجة ماسة إلى وجود مبادئ توجيهية مكرسة من مؤسسات مهنية رئيسية، أو دعم من قيادة المستشفيات لتعزيز سبل الوسائل الاجتماعية.

وثمة حاجز آخر ألا وهو تردد بعض الأطباء المشاركة مهنياً بنشاط في وسائل التواصل الاجتماعي لعدة أسباب. ويمكن القول أنّ الأكثر إلحاحاً والمسبب للقلق هو كيف ستتعامل وسائل التواصل الاجتماعي مع نشاط الجراح في دعاوى التقصير؟ بينما لا يوجد قانون للتفاعل الثنائي بين الجراحين في وسائل التواصل الاجتماعي. ووجدت هناك قضايا سابقة حددت بشكل عام أنّ المحادثات أو التفاعل العرضي بين الأطباء فيما يخص المرضى لا يرقى لمستوى علاقة الطبيب بمريضه، لذلك يجب توفير بعض الاستباقات القانونية لحماية هذا النوع من التفاعل الذي يتم ضمن وسائل التواصل الاجتماعي.

بالإضافة إلى ذلك، هناك تقليد طويل الأمد في الطب والجراحة بشكل خاص، لحماية استعراض الزملاء وجهود تحسين الجودة (مثل مؤتمر M&M) من الوقوع تحت الكشف القانوني. ما يسمح للأطباء جمع وتقييم ردود أفعال الآخرين، والذي يمكن أن يكون مساعداً في فهم الحالات الصعبة، والمضاعفات التي لا مفر منها وأخطاء يمكن تفاديها. رغم ذلك، يمكن أن تظهر وجهات النظر هذه فقط ضمن المستشفيات ومؤسسات سلامة المريض، ولا يوجد ولاية أو قوانين فيدرالية، تحمي مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي التي تخدم المهام المماثلة.

لن تحل وسائل التواصل الاجتماعي في العمق بدل التفاعلات المباشرة بين الأشخاص كمنتدى للتعلم غير المباشر في المجتمع الجراحي. من ناحية ثانية، في عصر يتسارع فيه تطور مهنة الجراحة وتنتشر بشكل أكبر وتتضمن عدداً أكبر من الأشخاص، توفّر وسائل التواصل الاجتماعي أداة قابلة للتطور والتي يمكن أن تزيد فرص تعلم الشخص لوحده. فيجب أن يتبنى مدراء المشافي، والأنظمة الصحية، والمجتمعات الجراحية، والمؤسسات المهنية الأُخرى إمكانيات هذه الأداة وعملها لتقاوم قيودها. وبالقيام بذلك سنقطع شوطاً كبيراً تجاه تشجيع التعليم الجراحي، والحصول على عناية بجودة عالية وآمنة للمرضى.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!