هل يمكنك وصف استراتيجية شركتك في أقل من 35 كلمة؟

19 دقيقة
ما هي الاستراتيجية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هل يمكنك تلخيص استراتيجية شركتك في 35 كلمة أو أقل؟ وإن كنت قادراً على ذلك، فهل يمكن لزملائك في الشركة القيام بالأمر نفسه؟ هل يمكنك الإجابة عن سؤال ما هي الاستراتيجية تحديداً؟

في الواقع، عدد قليل جداً من المسؤولين التنفيذيين استطاعوا الإجابة بصراحة عن هذه الأسئلة البسيطة، وغالباً ما كانت الشركات التي عمل فيها هؤلاء التنفيذيون هي الأكثر نجاحاً بين أقرانها في الصناعة. وإحدى هذه الشركات كانت شركة إدوارد جونز، وهي شركة وساطة مقرها مدينة سانت لويس الأميركية، والتي نتعامل معها منذ أكثر من 10 سنوات. واستطاعت “جونز”، وهي رابع أكبر شركة وساطة في الولايات المتحدة، مضاعفة حصتها أربع مرات على مدار العقدين الأخيرين، كما تفوقت باستمرار على منافسيها من حيث العائد على الاستثمار سواء في الأسواق النامية، أو حتى الأسواق الضعيفة، فضلاً عن وجودها المستمر ضمن قائمة فورتشن للشركات الكبرى ذات بيئة العمل المميزة. وكان رهاناً آمناً أن يستطيع أي موظف من موظفي الشركة، والبالغ عددهم 37 ألفاً، طرح استراتيجية الشركة بشكل موجز، وهي أن “شركة جونز كانت تهدف إلى نمو عدد مستشاريها الماليين من 10 ألاف مستشار في عام 2008، إلى 17 ألف مستشار بحلول عام 2012، عبر تقديم مشورة مالية موثوقة ومريحة وشخصية للمستثمرين الأفراد المحافظين، والذين يفوضون قراراتهم المالية إلى أولئك المستشارين، من خلال شبكة من المكاتب على مستوى البلاد، كل مكتب منها يضم مستشار مالي واحد فحسب”.

وفي المقابل، فإن الشركات التي لا تمتلك بياناً استراتيجياً واضحاً، فستندرج ضمن فئة الشركات المأسوف عليها، والتي لم تنجح في تنفيذ استراتيجيتها؛، أو الفئة الأسوأ، وهي الشركات التي تعمل بلا استراتيجية من الأساس. وهناك بالفعل عدد مذهل من المؤسسات، التي يشعر بها المسؤولون التنفيذيون والموظفون في الخطوط الأمامية، وحتى العاملين بينهم بالإحباط، بسبب عدم وجود استراتيجية واضحة للشركة، أو حتى خطوط واضحة لأعمالها. فتأتي العديد من الشكاوى من العاملين في تلك الشركات مثل:

“أحاول منذ شهور إطلاق مبادرة، ثم يقولون لي بأنه تم إيقافها لأنها لا تناسب الاستراتيجية. إذاً لماذا لم يخبرني أحد بذلك منذ البداية؟”.

“لا أعرف ما إذا كان ينبغي عليّ متابعة هذه الفرصة في السوق أم لا، نظراً لأنني أتلقى تعليمات مختلطة من جهات إدارية عليا مختلفة”.

“لماذا نقدم عروضاً لنتعامل مع هذا العميل ثانيةً؟ لقد خسرنا العام الماضي، واعتقدت أننا اتفقنا حينها على عدم إضاعة وقتنا في محاولة الحصول على عقد منه!”.

“هل يتعيّن عليّ تخفيض السعر لصالح هذا العميل؟ لا أعرف ما إذا الخيار الأفضل هو الفوز بالصفقة بسعر أقل، أو خسارة العميل”.

ويصاب قادة هذه الشركات بالحيرة، عندما لا يجدون أن ما اعتقدوا أنه كانت استراتيجية رائعة لا تخضع للتطبيق، إذ يفترضون أن المبادرات الموضحة في الوثائق الضخمة والتي تنبثق من ميزانية سنوية أو عملية تخطيط استراتيجي ستضمن النجاح التنافسي. إنهم يفشلون في تقدير ضرورة وجود بيان استراتيجية بسيط وواضح وموجز، بحيث يمكن للجميع استيعابه واستخدامه كمنارة توجيهية خلال اتخاذهم لخيارات صعبة.

ما هي الاستراتيجية تحديداً؟

وحتى أُقرب لكم ما أقصده بشكل واضح، فلنشبه شركة كبرى ما بحزمة مؤلفة من 10 آلاف بُرادة حديد، تمثل كل واحدة منها موظفاً. إذا قمت بجمع تلك البُرادة وأسقطتها على قطعة ورق. ماذا سيحدث بالضبط؟ ستتناثر في كل اتجاه، الأمر الذي سيُحدث فوضى كبيرة. هذا بالضبط ما سيحدث في الشركة، فتخيل أن هناك 10 آلاف شخص ذكي يعملون بجد، ويتخذون ما يعتقدون أنه القرارات الصحيحة للشركة، إنما مع كم هائل من الارتباك، فنرى المهندسين في قسم البحث والتطوير يطرحون منتجاً مع ميزات “ضرورية”، ولكن لا يرغب العملاء في الدفع مقابل الحصول عليها، بحسب قسم التسويق؛ بينما يطرح قسم المبيعات عروضاً مخصصة قصيرة المدة، رغم إنفاق قسم التصنيع وقتاً طويلاً في تصميم تلك المعدات، والتي يتوقع منها البقاء لفترة طويلة المدى في السوق؛ وهلم جراً.

لكن إذا نجحت في تنظيم تلك البُرادة، ماذا سيحدث؟ ستصطف بشكل منتظم. وبالمثل، هذا ما سيفعله بيان الاستراتيجية المصاغ جيداً، حيث سيعمل على تنظيم السلوك داخل العمل، بحيث يسمح لكل شخص في المؤسسة باتخاذ خيارات فردية، ولكنها تعزز بعضها البعض في النهاية، مما يجعل هؤلاء الموظفين البالغ عددهم 10 آلاف موظف أكثر فاعلية.

ولكن ما هي العناصر التي تؤلف بيان استراتيجية جيد؟ يوضح مقال مايكل بورتر بعنوان “ما هي الاستراتيجية؟” (المنشور في هارفارد بزنس ريفيو – نوفمبر/تشرين الثاني – ديسمبر/كانون الأول 1996) خصائص الاستراتيجية بطريقة مفاهيمية، حيث يشرح جوهر الخيارات الاستراتيجية ليفرق بينها وبين البحث التنافسي الدؤوب بلا طائل عن الكفاءة التشغيلية. ولكننا وجدنا من خلال عملنا مع المدراء التنفيذيين ومع الطلاب أن مقالة “بورتر” لا تجيب على سؤال أساسي مفاده: “كيف يمكننا وصف استراتيجية شركة ما”.

ومع الأسف، هناك حقيقة مخجلة، وهي أن معظم المدراء التنفيذيين لا يعرفون فعلياً ما هي عناصر بيان الاستراتيجية، مما يجعل من المستحيل عليهم تطوير بيان. لكن إن استطاعوا فعل ذلك، فسيحدث أمرين: الأول، ستصبح الصياغة أسهل بشكل لا حدود له على اعتبار أن المدراء التنفيذيين سيعرفون ما الذي يحاولون تحقيقه. أما الأمر الثاني فهو أن التنفيذ ذاته سيصبح أكثر بساطة على اعتبار أنه بات في الإمكان إيصال جوهر الاستراتيجية، وإمكانية استيعابه من جميع أفراد المؤسسة.

عناصر بيان الاستراتيجية

حدد الراحل مايك روكستاد، الذي ساهم بشكل كبير في هذه المقالة، ثلاثة مكونات أساسية تضمن خروج بيان استراتيجية جيد، وهم: الهدف، والنطاق، والميزة التنافسية. إذ يؤمن روكستاد بشدة أنه يتعيّن على المدراء التنفيذيين أن يكونوا واضحين بشأن تلك المكونات الثلاثة. ورغم أن هذه العناصر تبدو بسيطة، لكنها كافية لأي استراتيجية (سواء أكانت تجارية أم عسكرية)، تعالج التفاعل التنافسي في بقعة لا حدود لها.

في البداية، لابد أن ينطلق أي بيان استراتيجية بتعريف الغايات التي تُصمم الاستراتيجية لتحقيقها، حيث يخطر على بالنا هنا المقولة التالية: “إذا كنت لا تعرف إلى أين أنت ذاهب، سيُوصلك أي طريق إلى وجهتك”. فإذا لم تكن الأمة مدركة بما يكفي لما تريد أن تحققه عبر حملتها العسكرية، على سبيل المثال، فكيف لها أن تأمل في تحقيق هدف بأي شكل؟ ويجب ألا يقتصر تعريف الهدف على نقطة نهاية فحسب، بل عليه أن يتضمن إطاراً زمنياً للوصول إليه.

وكذلك من الضروري أيضاً تحديد نطاق أو مجال العمل، على اعتبار أن معظم الشركات تتنافس في نطاق مفتوح إلى حد كبير: فما هو المجال الذي ستنشط فيها الشركة؛ وما هي الحدود التي لن تتخطاها؟ فإذا كنت تخطط للدخول إلى مجال عمل المطاعم، فهل سيقدم مطعمك وجبات سريعة أم سيكون مطعماً تقليدياً؟ هل ستكون أجواء المطعم رسمية أم شعبية؟ ما نوع المطبخ الذي ستقدمه: فرنسياً أم مكسيكياً؟ ما هي المنطقة الجغرافية التي ستخدّمها: الغرب الأوسط أم الساحل الشرقي الأميركي؟

ولكن بهذين العنصرين فقط، لن تستطيع امتلاك بيان استراتيجية جيد، إذ يمكنك الذهاب إلى عملك غداً على أمل أن تمتلك أكبر سلسلة لمطاعم الهمبرغر في العالم في غضون 10 سنوات. ولكن هل سيستثمر أي شخص في مشروعك إذا لم توضح كيف ستحقق هدفك ذاك؟ وهنا يأتي دور الميزة التنافسية، التي لابد أن تكمن في صميم استراتيجيتك، إذ أنها ستحدد الاختلاف بين عملك وبين الآخرين، وما الذي ستقوم به بشكل أفضل منهم، فضلاً عن أنها ستُدرج أيضاً الوسائل الأكثر أهمية التي ستحقق بها هدفك المعلن. وتحتوي الميزة التنافسية على عناصر خارجية وداخلية تكمّل بعضها مثل عرض القيمة، والذي يفسر سبب قيام العميل المستهدف بشراء منتجك بدلاً من باقي البدائل، وكذلك تضم وصفاً لكيفية تنسيق الأنشطة الداخلية بحيث يمكن لشركتك فقط تقديم عرض القيمة هذا.

إن المفاضلات التي تقوم بها الشركات هي ما تميزها استراتيجياً عن البقية.

وتبرز الحاجة أيضاً إلى تقديم مفاضلات إن أرادت تلك الشركات تحديد كل من الهدف والنطاق والميزة التي ذكرها بورتر كأركان أساسية للاستراتيجية. فإذا اختارت إحدى الشركات أن تعمل على زيادة نموها أو حجمها، سيتوجب عليها القبول بالتضحية بالربحية لفترة ما. أما إذا اختارت الشركة خدمة عملاء من المؤسسات، فسيتعيّن عليها تجاهل العملاء الأفراد. وإذا كان عرض القيمة الخاص بتلك الشركة هو تقديم أسعار أقل، فلن تتمكن من المنافسة مثلاً في مجالي الأناقة أو الملاءمة. وإذا كانت الميزة تأتي من مبيعات بالجملة، فلن تكون الشركة قادرة على تلبية احتياجات العملاء الفردية. إذاً تلك المفاضلات ما تميز شركة عن أخرى استراتيجياً.

1- تحديد الهدف من أجل معرفة ما هي الاستراتيجية

تمتلك معظم الشركات بشكل أو بآخر العنصر الأول في بيان الاستراتيجية الخاص بها، لكن للأسف، عادةً ما يكون ذلك العنصر مطروحاً بشكل خاطئ، إذ تخلط الشركات غالباً بين بيان القيم أو مهمتها وبين هدفها الاستراتيجي، إذ لا يمكن القول إن العبارة التالية تمثل الهدف الاستراتيجي مثلاً: “تعظيم ثروة المساهمين عن طريق تجاوز توقعات العملاء لـخدمة ما أو منتج ما، وتوفير الفرص لموظفينا ليعيشوا حياة مرضية مع احترام البيئة والمجتمعات التي نعمل فيها”. إذ ينبغي على الهدف الاستراتيجي أن يكون هو الهدف النهائي الدقيق الوحيد الذي ستستنير به الشركة لإدارة دفة عملها على مدار السنوات الخمس القادمة أو نحو ذلك. (راجع قسم “التسلسل الهرمي لبيانات الشركات). ولدى العديد من الشركات – ويجب أن يكون لدى جميعها – بيانات عن غايتها النهائية، والقيم الأخلاقية التي ستعمل بموجبها، ولكن لا يمثل أياً منها أيضاً الهدف الاستراتيجي.

في البداية دعونا نوضح بيان المهمة الذي يُخلط بينه والهدف الاستراتيجي، وهو ببساطة يوضح بدوره السبب الأساسي لانخراطك في هذا المجال تحديداً في المقام الأول؛ بمعنى آخر، المساهمة التي تطمح الشركة إلى تقديمها في المجتمع؛ فعلى سبيل المثال، قد تقوم شركة تأمين مثلاً بتعريف مهمتها على أنها توفير الأمن المالي لعملائها. إلا أنه لا يمكن أخذ بيانات المهمة تلك كأهداف استراتيجية لتوجيه القرارات التجارية الخاصة بالحاضر. وبالمثل، من الجيد والمناسب أن تكون الشركات واضحة مع موظفيها بشأن القيم الأخلاقية، لكن مبادئ على غرار احترام الفروق الفردية والحفاظ على البيئة ليست ببيان استراتيجية أيضاً، بل هي لائحة فقط تنظم سلوك الموظفين، (أي القيام بالأمور بالشكل الصحيح)؛ وهي لا ترشدهم إلى ما على الشركة القيام به (أي الشيء الصحيح الواجب القيام به).

التسلسل الهرمي لبيانات الشركات 

يأتي التوجيه التنظيمي في عدة أشكال لتحديد ما هي الاستراتيجية في الشركات، ويكون بيان المهمة المنارة التوجيهية الخاصة بك، والأقل تحديداً. وأثناء تنقلك من أعلى المراتب الإدارية إلى أدناها، تصبح البيانات أكثر واقعية وعملية وفرادة في نهاية المطاف. ولن تحصل أي شركة أخرى على بيان الاستراتيجية نفسه، والذي يحدد ميزتك التنافسية أو بطاقة الأداء المتوازنة، والتي تتتبع بدورها كيفية تنفيذ استراتيجيتك الخاصة.

عناصر بناء الاستراتيجية

وغالباً ما تشترك الشركات العاملة في المجال نفسه في امتلاكهم بيان المهمة ذاته حول موضوع ما هي الاستراتيجية لديهم. أفلا تطمح جميع شركات التأمين إلى توفير الأمن المالي لزبائنها؟ كما قد يكون لديها نفس القيم أيضاً، فضلاً عن أنها قد تتشارك الرؤية ذاتها، والتي قد تكون هدفاً مستقبلياً مبهماً على غرار “امتلاك الريادة المعترف بها في مجال التأمين”. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يكون لشركتين في نفس المجال الهدف الاستراتيجي نفسه. وفي الواقع، إذا كان في إمكان أي شركة أخرى تطبيق استراتيجيتك، فإن ذلك سيعني أن تلك الاستراتيجية ليست بالجودة التي تتصورها.

ومن السهل دائماً الادعاء بأن تعظيم القيمة لدى حملة الأسهم هو هدف الشركة، وذلك على اعتبار أن جميع الاستراتيجيات تُصمّم لتحقيق هذا الهدف بالفعل. ومع ذلك، فإن السؤال الواجب طرحه عند صياغة بيان استراتيجي قابل للتنفيذ هو: “ما الهدف الذي من المرجح أن يزيد القيمة لحملة الأسهم إلى الحد الأقصى خلال السنوات القليلة القادمة؟” النمو؟ تحقيق حصة سوقية معينة؟ ريادة الشركة في السوق؟ وهنا ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي محدداً وقابلاً للقياس ومرتبطاً بوقت محدد كذلك. ويجب أن يكون هدفاً واحداً فحسب، فلا يكفي القول: “نسعى إلى النمو المربح”، إذ لابد أن تحدد أيهما أكثر أهمية: النمو أم الربحية؟ ويحتاج مندوب المبيعات إلى معرفة الإجابة ليقرر إن كان عليه منح خصم لكسب زبون جديد أم لا. ويمكن أن يكون هناك مجموعة كبيرة من الأهداف الثانوية النابعة من الهدف الاستراتيجي، والتي يمكن وضعها كمقاييس ضمن لوحة مؤشرات متوازنة تراقب التقدم الذي سيُحاسب عليه الأفراد. ومع ذلك، يجب أن يكون الهدف النهائي الذي سيدفع بعمل الشركة على مدار السنوات القليلة التالية واضحاً دائماً.

ولابد أن يدرك الجميع كيف أن اختيار هدف يؤثر على الشركة بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، عندما حولت شركة “بوينغ” هدفها الأساسي من أن تكون أكبر لاعب في صناعة الطائرات إلى أن تكون الأكثر ربحية، كان عليها إعادة هيكلة المؤسسة بأكملها، من المبيعات إلى التصنيع، إذ قامت الشركة بالتخلي عن سياستها الخاصة بالتنافس مع شركة “إيرباص” على كل صفقة بنسبة مائة في المائة، وتخلت أيضاً عن التزامها بالحفاظ على قدرة تصنيعية قادرة على توفير أكثر من نصف عام من الطلب على الطائرات.

وفي مثال آخر، قامت إحدى الشركات، بعد سنوات من سعيها لتحقيق أقصى قدر من الأرباح على حساب النمو، بإصدار تعديل لنطاق عملها يقوم على وجوب تحقيقها نمواً عضوياً لا يقل عن 10% سنوياً، وهو ما أجبرها على تحويل تركيزها إلى خدمة عملائها الأساسيين المربحين فقط، والمنافسة على أساس التكلفة أو الكفاءة لتمييز منتجاتها، مما أدى إلى ظهور مجموعة من ميزات المنتجات والخدمات الجديدة التي أعجبت نطاق مجموعة واسعة أكثر من العملاء.

أما في شركة إدوارد جونز، فقد أشعل النقاش بين الشركاء حول هدف الشركة، شرارة تبادل أفكار عاطفي، إذ قال أحدهم: “هدفنا النهائي زيادة ربح كل شريك”، لكن رد عليه آخر بالقول: “ليس كل المستشارين الماليين شركاء، وبالتالي، إذا زدنا إيرادات كل شريك إلى أقصى حد، سنتجاهل البقية الذين يزيد عددهم عن 30 ألفاً والذين يُنجحون عملنا!”، في حين أضاف ثالث، “غايتنا هي العميل. فلا يتوجب علينا القلق بشأن أرباح الشركاء فحسب. في الواقع، علينا البدء بزيادة القيمة للعميل إلى الحد الأقصى وسيأتي الربح من تلقاء نفسه!” وهكذا دواليك. وأدى هذا النقاش المكثف إلى وضع هدف يتمثل في نمو صحي فيما يتعلق بعدد المستشارين الماليين من ناحية، ومن ناحية أخرى تضمّن أيضاً استكشاف كل الآثار المترتبة على هذا الاختيار، إذ وضعت إدوارد جونز هدفاً طموحاً للنمو في كل مرحلة من تاريخها الممتد على مدار 85 عاماً لتزيد من حجمها وتواجدها في السوق باستمرار. وقد أدى السعي الجاهد إلى تحقيق هذا النمو إلى زيادة الأرباح طويلة الأجل لكل مستشار، وأدى إلى أن تكون الشركة في وضعها الحالي الفريد والمتمثل في أن مركز الربح الوحيد هو المستشار المالي الفرد. بينما تعمل الأنشطة الأخرى، حتى الخدمات المصرفية الاستثمارية، كوظائف دعم ولا يُطلب منها تحقيق أرباح.

2- تحديد النطاق

العنصر الثاني في موضوع تحديد ما هي الاستراتيجية هو تحديد النطاق، ويشمل نطاق أي شركة ثلاثة أبعاد: العميل أو العرض، والموقع الجغرافي، والتكامل الرأسي. ويجب أن توضع حدود واضحة في تلك المناطق، ترسم للمدراء الأنشطة التي ينبغي عليهم التركيز عليها، والأهم من ذلك، الأنشطة الواجب تجنبها.

وقد تختلف الأبعاد الثلاثة في الأهمية وفقاً للشركات. فبالنسبة لإدوارد جونز، فإن العميل هو الأهم، إذ تم إعداد الشركة لتلبية احتياجات نوع واحد محدد للغاية من العملاء. وعلى عكس كل شركات الوساطة الأخرى في المجال نفسه، لا تصنّف شركة جونز عملائها بحسب قيمة أصولهم الصافية أو دخلهم، كما أنها لا تصنفهم وفقاً لشرائحهم السكانية أو مهنهم أو عادات إنفاقهم. بدلاً من ذلك، فإن تعريفها لعملائها ذو طابع متعلق بخصائصهم النفسية أكثر: إن عملاء الشركة هم مستثمرون على المدى الطويل ممن لديهم فلسفة استثمار متحفظة ولا يحبذون اتخاذ قرارات مالية جادة من دون دعم مستشار يثقون به. وفي مصطلحات الأعمال، تستهدف جونز أن يكون لها دور “المفوض”، وليس “المدقق” أو “من يفعلها بنفسك”.

اقرأ أيضاً: هل تنجح أفضل الشركات في الموازنة بين الاستراتيجية والهدف؟

ولا يصف نطاق المؤسسة بالضبط ما يجب القيام به ضمن تلك الحدود. إذ يشجع التجريب والمبادرة. ولكن لضمان أن تكون الحدود واضحة لجميع الموظفين، يجب أن يحدد النطاق المكان الذي ستتجنبه الشركة أو الأعمال، الأمر الذي سيحول دون قضاء المدراء ساعات طويلة على مشروعات سترفضها الإدارة العليا في تلك الشركات لأنها لا تتناسب مع الاستراتيجية.

فعلى سبيل المثال، ساهم الوضوح في موضوع ما هي الاستراتيجية تحديداً، حول من يكون العميل ومن لا يكون، في الحيلولة دون قيام شركة إدوارد جونز بتقديم خدماتها للمضاربين اليوميين في البورصة. فحتى في ذروة فقاعة الإنترنت، اختارت الشركة عدم تقديم خدمات التداول عبر الإنترنت، وذلك على النقيض من شركات وساطة عديدة أنفقت مئات الملايين من الدولارات وساعات عمل لا حصر لها في مناقشات عما إذا كان ينبغي تقديم التداول عبر الإنترنت، وإذا كان الأمر كذلك، كيفية تسعير هذه الخدمات وإدراجها بطريقة لا تسلب حصة العروض التقليدية أو تتعارض معها. بينما لم تهدر جونز أي أموال أو وقت على هذا القرار، لأنها وضعت حدوداً واضحة.

وبشكل مشابه، فإن جونز ليست مدمجة رأسياً في صناديق الاستثمار المشتركة، حتى لا تنتهك استقلال مستشاريها الماليين وتقوض ثقة عملائها. كما لا تتداول الشركة أسهم الشركات الصغيرة أو أسهم الاكتتابات الأولية أو السلع أو الخيارات؛ بمعنى آخر، لا تتداول أي منتجات استثمارية تعتقد الشركة أنها تنطوي على مخاطرة كبيرة لعملائها المحافظين الذين تختار خدمتهم. كما لا تملك الشركة مكاتب في المربعات التجارية، على اعتبار أنه لن يسمح بالتفاعلات الشخصية المريحة مع عملائها والتي تريد الشركة توفيرها. وقد سمح تأكيد الشركة أنها لن تنجر إلى تلك المجالات، أن تركز على القيام بما هو جيد، وجني فوائد البساطة والتوحيد والتجربة العميقة.

3- تحديد الميزة لمعرفة ما هي الاستراتيجية في الشركات

نظراً لأن الميزة التنافسية المستدامة هي جوهر الاستراتيجية، فلا غرابة في أنها تُشكّل الجانب الأكثر أهمية في بيان الاستراتيجية. إذ كلما كانت تلك الميزة التنافسية التي تملكها الشركة واضحة، كان الموظفون أكثر فهماً لدورهم في تنفيذ استراتيجية الشركة بنجاح.

وكما ذُكر أعلاه، يتكون التعريف الكامل للميزة التنافسية للشركة من جزأين: الأول عبارة عن بيان عرض القيمة أمام العميل. ولابد أن تدرك أن إدراج أي عبارة استراتيجية لا يمكنها توضيح سبب قيام العملاء بشراء منتجك أو خدمتك سيكون مصيرها الفشل لا محالة. ويمكنك الاستعانة بالرسوم البيانية البسيطة التي تقوم بتخطيط عرض القيمة الخاص بك مقابل تلك الخاصة بالخصوم، حيث أنها طريقة سهلة ومفيدة لتحديد ما الذي يجعلك مميزاً. (انظر قسم “عرض القيمة بالخاص بوول مارت”).

أما الجزء الثاني من بيان الميزة التنافسية، فيضم الأنشطة الفريدة أو المجموعة المعقدة من الأنشطة التي تتيح لتلك الشركة وحدها تقديم عرض القيمة للعملاء، إذ تركز الشركة هنا على اتخاذ خيارات متسقة حيال أنشطتها، كما هو مذكور في تعريف “بورتر للاستراتيجية”. كما أن ذلك الجزء هو موضع خريطة “النظام-النشاط” التي يصفها بورتر في مقاله “ما هي الاستراتيجية تحديداً؟”.

اقرأ أيضاً: 5 استراتيجيات لإنجاز المزيد من العمل في زمن أقصر

وبالنظر إلى شكل “خريطة نظام-نشاط إدوارد جونز”، ستجد أن عرض القيمة الخاص بهذه الشركة هو تقديم خدمات مشورة مريحة وموثوقة وشخصية الطابع. وما يميز الشركة وجود مستشار مالي واحد فقط في كل مكتب من مكاتبها، الأمر الذي يتيح لها نشر مكاتب أكثر على امتداد البلاد مقارنةً بالمنافسين ليصل عدد تلك المكاتب في الولايات المتحدة إلى 10 آلاف مكتب. وفي المقابل نجد أن منافستها شركة ميرل لينش، لديها حوالي 15 ألف وسيط، إنما مع 1000 مكتب فقط. وتضع شركة جونز مكاتبها في مراكز التسوق ومناطق البيع بالتجزئة في المناطق الريفية والضواحي بدلاً من المباني الشاهقة في وسط المدينة أو المربعات التجارية في المدن الكبرى بغرض تسهيل زيارة عملائها الذين تستهدفهم، في أوقات تناسبهم، ولرغبتها في توفير بيئة مريحة وأنيقة ومُرحِّبة. وتتطلب هذه الاختيارات وحدها أن يختلف تكوين شركة جونز اختلافاً جذرياً عن شركات الوساطة الأخرى، إذ أنه ومع عدم وجود إدارة إقليمية أو مكتب فرعي يوفر التوجيه أو الدعم، على كل مستشار مالي أن يتصرف كرائد أعمال يدير أعماله بكل سعادة وحماس. ونظراً لأن هؤلاء الأشخاص يمثلون استثناءً في الصناعة، يتعين على “جونز” توظيف مستشاريها الماليين من صناعات أو خلفيات مختلفة غير مالية، وإنفاق مبالغ كبيرة على تدريبهم. فحتى عام 2007، وعندما تحولت الشركة إلى خدمة قائمة على الإنترنت، كانت تستخدم شبكة أقمار صناعية خاصة بها، لتزويد المكاتب المنتشرة على امتداد البلاد بعروض الأسعار في الوقت الفعلي، والسماح لتلك المكاتب بإنجاز الصفقات. ونظراً لوجود 10 آلاف مكتب منفصل لدى الشركة، زادت تكاليفها فيما يتعلق بالعقارات والاتصالات بنحو 50% عن مثيلاتها في الصناعة. ومع ذلك، تسمح جميع هذه المكاتب للمستشارين الماليين الذين يديرونها بتقديم خدمات ومشورة مريحة وموثوقة وشخصية الطابع.

هناك الكثير من اللاعبين الناجحين الآخرين في هذه الصناعة، فما العروض القيمة المختلفة التي يقدمونها للعملاء؟ وكيف يهيكلون شركاتهم بطريقة تدعم هذه القيمة؟

ميريل لينش.

عرض قيمة وول مارت

يمكن تلخيص عرض القيمة المقدم من وول-مارت على أنه “أسعار منخفضة كل يوم، لنطاق واسع من السلع، كائنة دائماً في مواقع جغرافية ملائمة”. إنها تلك المظاهر من تجربة المستخدم التي تقدمها الشركة مقارنةً بالمنافسين.

ويعتبر الأداء الضعيف في الأبعاد الأخرى، مثل البيئة ومساعدة قسم المبيعات، خياراً استراتيجياً بدوره يولد وفورات في التكاليف، مما يساعد على تقليل الأسعار بدوره.

ويعود سبب نجاح متاجر “مام أند باب” للأجهزة المنزلية إلى عرض القيمة الفريد الخاص بها والمتمثل في الملاءمة، وأصحاب أعمال يعرفونك منذ سنين، والقهوة المجانية والكعك صباح يوم السبت، وما إلى ذلك.

أما سيرز فتقع في المنتصف ضمن العديد من المعايير. ونتيجة لذلك، يفتقر العملاء إلى الكثير من الأسباب المقنعة للتسوق هناك، مما يفسر إلى حد كبير سبب عدم قدرة الشركة على توليد أرباح واقترابها من الإفلاس.

معايير الشراء للعملاء

عملت شركة ميريل لينش، في عهد رئيسها التنفيذي الأسبق ستان أونيل، الذي تقاعد في أكتوبر/تشرين الأول 2007، على تطوير استراتيجية كفاءة أُطلق عليها اسم “توتال ميريل”. وكان عرض القيمة الخاص بالشركة هو توفير جميع الاحتياجات المالية لعملائها من ذوي الثروة الصافية المرتفعة؛ بمعنى آخر، أولئك الذين لديهم أصول مالية سائلة تزيد قيمتها عن 250,000 دولار خلال فترة التقاعد. وبينما كانت غالبية شركات الوساطة تركز على تلبية احتياجات الأفراد ذوي الأصول المرتفعة، وتهتم بزيادة تلك الأصول قبل التقاعد، كانت ميريل تعمل بشكل مختلف انطلاقاً من فكرة مفادها أنه مع تقدم جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية في العمر، وانتقاله من مرحلة بناء الثروة ضمن حسابات التقاعد الخاصة بهم إلى مرحلة الإنفاق منها، وهي الأكثر تعقيداً وخطورة، تتغير احتياجاتهم، حيث سيرغبون خلال هذه المرحلة في دمج أصولهم المالية مع شريك موثوق واحد يمكنه مساعدتهم على معرفة كيفية تحسين دخلهم خلال سنوات حياتهم المتبقية عبر اتخاذ أفضل القرارات بشأن كل شيء سواء الأقساط السنوية أو دفع التعويضات أو تأمين الرعاية الطويلة الأجل. وتقدم ميريل خططاً مالية متسقة لأولئك العملاء، فضلاً عن إتاحتها لهم إمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة جداً من المنتجات المتطورة استناداً إلى محاكاة “مونت كارلو” لاحتمالات نفاد الأموال وفقاً لمعدلات العائد السنوي المختلفة لفئات مختلفة من الأصول.

خريطة نشاط-نظام إدوارد جونز

توضح هذه الخريطة حول ما هي الاستراتيجية في الشركات كيف تتصل الأنشطة في إدوارد جونز مع بعضها لتقديم ميزة تنافسية. ويظهر عرض القيمة أمام العميل الخاص بالشركة قرب مركز الخريطة في فقاعة “العلاقة مع العميل” مع وجود الأنشطة الداعمة متدلية منها. ويتم عرض الاتصالات الرئيسية فقط.

خريطة نشاط-نظام إدوارد جونز

ولكن كيف تنوي “ميريل” تقديم هذه القيمة لعملائها المختارين بطريقة فريدة من نوعها مقارنةً ببقية الشركات الكبرى؟ في البداية، تقوم بدفع وسطائها، وخاصةً الجدد منهم، لأن يصبحوا مخططين ماليين معتمدين، كما قد زادت من متطلبات التدريب الداخلية لوضعهم على هذا الطريق. ويعد الحصول على ترخيص المخطط المالي المعتمد أكثر صعوبة للوسطاء من الحصول على رخصة “سيريس 7” القياسية، لأنها تتطلب من المرشحين الحصول على شهادة جامعية وإتقان حوالي 100 موضوع متصلين ببعضهم البعض حول التخطيط المالي. ثانياً، تقدم ميريل جميع أشكال التأمين، والأقساط السنوية، وشراء الأسهم التي تقدم زيادة سنوية بسيطة في الأرباح، وصناديق التحوط، والخدمات المصرفية، وما إلى ذلك، وهي في هذا السياق عكس شركة إدوارد جونز، والتي تقدم قائمة محدودة للغاية من المنتجات الاستثمارية. ونظراً للتعقيد التقني للعديد من هذه المنتجات، تحتاج ميريل إلى متخصصين لدعم الوسيط الذي يتواصل مع العميل، حيث لدى “تيم ميريل” مقاربات مختلفة حيال الموارد البشرية والتعويضات، مقارنةً بتلك الخاصة بإدوارد جونز ذات نظام المستشار الواحد، فضلاً عن أن على نظام تعويضات ميريل يعمل على مشاركة الدخل بين أعضاء الفريق وتقديم مكافأة على الإحالات.

ويلز فارغو

ويدخل المنافسة في مجال الوساطة مصرف ويلز فارغو الواقع في سان فرانسيسكو، كجزء من تكتيكه المتصل بتقديم خدمات متعددة لعملائه المصرفيين، بهدف زيادة أرباحه من كل عميل، حيث يهدف المصرف إلى بيع ثمانية منتجات مختلفة على الأقل لكل عميل. ويهدف الذراع الخاص بالوساطة لمصرف ويلز فارغو، كما هو مذكور بوضوح في تقرير سنوي صدر مؤخراً، إلى مضاعفة حصته من الأصول المالية للعملاء ثلاثة أضعاف، وذلك عن طريق قاعدة بيانات الشركة الأم التي تضم 23 مليون عميل، والذين جُذب الكثيرون منهم إلى الشركة عبر أحد الخدمات المصرفية التي يقدمها المصرف، وهي الرهن العقاري. ويتمثل الفرق بين ويلز فارغو وبين إدوارد جونز وميريل لينش في أن الأول يستهدف تقديم خدمات مخصصة الطابع وليست شخصية الطابع. فعلى سبيل المثال، يسمح نظام تكنولوجيا المعلومات في المصرف للموظف المصرفي بمعرفة كمية محدودة من المعلومات حول العميل مثل الاسم، الميلاد، وما إلى ذلك، ويبدو أنه على دراية به أو بها، وهو يختلف تماماً عن العلاقات الفردية المستمرة التي لدى وسطاء جونز وميريل مع عملائهم.

إل بي إل فاينانشال

وتعتبر “إل بي إل” فاينانشال أيضاً شركة مختلفة بدورها. ولدى الشركة مكاتب في بوسطن وسان دييغو وشارلوت بولاية نورث كارولينا، حيث تنظر الشركة إلى الوسطاء الذين يعملون معها، والذين جميعهم مستشارون ماليون مستقلون تابعون للشركة، على أنهم عملائها الفعليون، وليس مجرد زبائن عاديين. وتعمل الشركة على إعداد جميع أنشطتها لتوفّر حلولاً فرديةً أفضل للوسطاء ودفعات مالية أعلى لهم. ويعني هذا أن الغالبية العظمى من الأنشطة التي يقوم بها موظفو مقر الشركة هي خدمية على غرار التدريب، والتي يختار منها الوسطاء على أساس انتقائي ويدفعون لقاءها. ونتيجةً لذلك، فإن عدد موظفي “إل بي إل” في المقر الرئيس محدود (0.20 شخصاً لكل وسيط)، مقارنةً بما لدى إدوارد جونز (1.45 شخصاً لكل وسيط). ويسمح انخفاض النفقات العامة لشركة “إل بي إل” بتقديم دفعات أعلى للوسطاء مقارنةً بجونز وميريل، وهو عرض القيمة المميز للعميل الذي اختارته الشركة: الوسيط.

المكان المميز في الاستراتيجية 

إن المكان المميز في موضوع ما هي الاستراتيجية لشركة ما هو المكان الذي تلبي فيه احتياجات العملاء بطريقة لا يستطيع المنافسون القيام بها بنفس الطريقة التي تقوم بها تلك الشركة.

المكان المميز في الاستراتيجية 

ويجب أن يكون واضحاً الآن كيف أن صياغة وصف دقيق للأنشطة الفريدة التي تقدمها الشركة لتقديم عرض قيمة مميز للعميل، يجسد استراتيجيتها بشكل فعال. ويوفر الوصف البسيط نسبياً في بيان الاستراتيجية خصائص لا لبس فيها حيال الشركة لا يمكن أن تتشابه مع أي شركة أخرى، وهذا هو الهدف. فعندما يستوعب جميع موظفي الشركة هذا البيان، يمكنهم بسهولة فهم كيف تسهم أنشطتهم اليومية في نجاح الشركة، وكيف يمكنهم اتخاذ الخيارات الصعبة التي يواجهونها في وظائفهم بشكل صحيح.

تطوير بيان الاستراتيجية

إذاً، ينبغي أن يُصاغ السؤال الآن كالتالي: “كيف ينبغي لشركة ما المضي قدماً في صياغة بيان استراتيجيتها؟” من الواضح أن الخطوة الأولى ستتمثل في وضع استراتيجية رائعة، والتي تتطلب بدورها تقييماً دقيقاً للمشهد الخاص بالصناعة الذي تنشط فيه الشركة. ويشمل ذلك تطوير فهم مفصل لاحتياجات العملاء، وتقسيمهم إلى فئات، ثم تحديد طرق فريدة لخلق قيمة للفئة التي تختار الشركة تقديم خدماتها لها. كما تدعو إلى تحليل الاستراتيجيات الحالية للمنافسين، والتنبؤ حول كيف ستتغير مستقبلاً. فضلاً عن ضرورة تضمينها تقييماً دقيقاً وموضوعياً لقدرات الشركة، ومواردها، وقدرات المنافسين، وليس مجرد الشعور بشعور حسن حيال تمرين تحديد الكفاءات الأساسية، كما هو موضح في مقال ديفيد كوليس وسينثيا مونتغمري ذي العنوان “التنافس على الموارد: الاستراتيجية في التسعينيات” (هارفارد بزنس ريفيو – يوليو/تموز – أغسطس/آب 1995).

ويتمثل الجزء الإبداعي في تطوير الاستراتيجية في إيجاد نقطة مميزة توفق بين إمكانات الشركة وبين احتياجات العملاء، وذلك بطريقة يتعذر على المنافسين تقديم مثيل لها في ضوء السياق الخارجي المتغير – عوامل مثل التكنولوجيا والتركيبة السكانية للصناعة والتنظيم. (انظر قسم “النقطة المميزة في الاستراتيجية”) ولقد وجدنا أن أحد أفضل الطرق للقيام بذلك، هو تطوير خيارين أو ثلاثة خيارات استراتيجية معقولة لكن مختلفة تماماً.

لا تترك مجالاً لسوء التفسير عند محاولة اكتشاف ما هي الاستراتيجية

قام المسؤولون التنفيذيون في إدوارد جونز بتطوير فهم مفصل لكل عنصر من عناصر استراتيجية الشركة. وهنا مثال لمعرفة ما هي الاستراتيجية لديهم

سوء التفسير

فعلى سبيل المثال، ساعد طرح بديلين مختلفين تماماً عن بعضهما المدراء التنفيذيين في سلسلة مطاعم “لونج جون سيلفر” على فهم الخيارات الاستراتيجية التي يتعين عليهم القيام بها، إذ كان الخياران هما إما التحول إلى سلسلة تشابه “ريد لوبستر” إنما بأسعار أقل، أو سلسلة تشابه “ماكدونالدز” إنما مع تقديم وجبات تتألف من الأسماك. وكانت الشركة تحاول تقديم شيء من كل شيء، وقد أوضح لهم هذا التمرين أن مبادراتهم، على غرار تقديم خدمة قائمة العشاء مبكراً وتوسيع نطاق تلقي الطلبات من السيارات، متضاربة فيما بينها استراتيجياً. إذ تتطلب المنافسة فيما يتعلق بتخديم الطاولات وجود مساحة مطعم أكبر وعدد أكبر من الموظفين، بينما تتطلب تلقي الطلبات من السيارات منطقة ذات حركة مرور عالية ومساحة ركن سيارات كبيرة. ونتيجةً لذلك، اختاروا أن يكونوا مثل مطعم ماكدونالدز إنما مع تقديم الأسماك، حيث يقومون ببناء مطاعم أصغر مع خدمة تلقي الطلبات من السيارات ضمن المواقع عالية الازدحام.

ويأتي بعد ذلك دور صياغة العبارة التي تجسد جوهر تلك الاستراتيجية بطريقة قابلة للاستيعاب بسهولة، حيث يجب إشراك الموظفين في جميع أنحاء الشركة وعلى جميع مستويات التسلسل الهرمي في ذلك. ويجب صياغة بيان الاستراتيجية بتفاصيل دقيقة. وفي الواقع، يمكن أن يكون ذلك الجزء الأقوى من عملية تطوير الاستراتيجية، إذ عادةً ما تكون ثمّة مناقشات حامية الوطيس حول اختيار كلمة واحدة تبلور الاستراتيجية ويفهم التنفيذيون حقاً ما ستشملها.

ويجب أن تكون النتيجة النهائية عبارة موجزة تعكس العناصر الثلاثة لاستراتيجية فعالة. ويجب أن تكون مصحوبة بتعليقات توضيحية مفصلة تشرح الفروق الدقيقة في الاستراتيجية وتوضيح آثارها لتجنب أي قراءة خاطئة محتملة (انظر معرض “لا تترك مجالاً لسوء التفسير”).

اقرأ أيضاً: 5 خرافات حول الاستراتيجية

وعند تعميم بيان ما هي الاستراتيجية في جميع أنحاء الشركة، سيتعيّن عليك إرفاق مخطط اقتراح القيمة، وخريطة نظام-نشاط، والتي يمكن استخدامها بمثابة تذكير بسيط للجوانب المزدوجة للميزة التنافسية التي تقوم عليها الاستراتيجية. ويصبح ترتيب البيان في جميع أنحاء المؤسسة، بحيث يكون كل مستوى من مستويات الإدارة هو المعلِّم للمستوى أدناه، نقطة انطلاق لدمج الاستراتيجية في سلوك الجميع. وسيكون للاستراتيجية تأثير حقيقي فقط عندما يكون المسؤولون التنفيذيون واثقين من أن تصرفات موظفي المكاتب الأمامية المؤهلين ستسترشد بالمبادئ ذاتها التي يتبعونها.

وفي نهاية الإجابة عن سؤال ما هي الاستراتيجية تحديداً؟، لا ينبغي التقليل من قيمة الخطابة، إذ يمكن أن يملك البيان المكون من 35 كلمة تأثيراً كبيراً على نجاح الشركة، حيث تقود الكلمات بدورها إلى العمل. إذ من شأن قضاء بعض الوقت في تطوير بضع كلمات أن يجسد استراتيجيتك حقاً، والتي بدورها ستعمل على تنشيط موظفيك وتمكينهم، وفي النهاية سيؤدي إلى الارتقاء بالأداء المالي لمؤسستك على المدى الطويل.

اقرأ أيضاً: 8 أسئلة صعبة لتطرحها حول استراتيجية شركتك

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .