قال مهاتما غاندي يوماً مقولة في منتهى الحكمة: “العين بالعين تجعل العالم يفقد بصره”. فما صحة هذه المقولة؟ فالمواجهة من الأمور المهمة للأشخاص الذين يتولون مناصب قيادية. من المعروف أنّ للقادة تأثيراً مهماً للغاية على حياة الناس الآخرين، فإذا ما كانوا يفتقرون إلى خصلة المسامحة والصفح فإنّ ذلك سيخلق بيئة تنطوي على الشعور بالمرارة والعدائية ما يمنع الفريق، أو المؤسسة، أو حتى البلد بأسره من أن يكون الأفضل دوماً.

بطبيعة الحال من المحتمل أن تتسبب لك العلاقات مع الآخرين بالألم، سواء أكانت مع الأصدقاء أو مع أفراد العائلة. فأهلك قد يقسون عليك، وزملاؤك في العمل قد يحبطون مشاريعك، وشريك قد لا يكون مخلصاً. وكلما سمحت للآخرين بالاقتراب منك أكثر، تصبح أكثر هشاشة وعرضة للمخاطر، عدا عن أنّ أكثر ردود الأفعال منطقية تجاه أي إهانة أو أذى هو المعاملة بالمثل.

لكن بالنسبة لمن يشغلون منصباً قيادياً، تصبح المخاطر أكثر وضوحاً وبروزاً. لأن قيادة الآخرين تعني التعامل مع الجميع. وغالباً ما يعمل القادة في بيئات محفوفة بالصراعات. وإن تُركت هذه الصراعات دون حل، فيمكن أن تصبح خطيرة وأن تلقي بظلالها على فعالية المؤسسة. والأشخاص غير القادرين على المسامحة يعلقون في دوامات من السلبية تشدّهم نحو الأسفل، وتسحب معهم كل من يحيطون بهم.

يدرك القادة الجيدون التكلفة الباهظة المترتبة على التشبث بمشاعر الحقد، وكيف يمكن للموقف المبني على عدم التسامح أن يمنع الناس من المضي قدماً. ولكن المؤسف في الأمر، هو أنّ العدد الأكبر من القادة يؤمنون أنّ الروح الانتقامية هي الشعور الأكثر طبيعية من المسامحة، إذ أنّ لدينا نحن البشر إحساس فطري ومتأصّل بالعدالة: أي أننا نرغب بأن ينال الآخرون عقوبتهم على الأخطاء التي اقترفوها بحقنا.

لكنك إن لم تكن قادراً على مسامحة الناس الذين سببوا لك الألم، فسوف تصبح هذه المشاعر نوعاً من السجن العقلي. وبيّنت دراسات كثيرة أنّ الحقد، والضغينة، والمرارة توجد أرضية خصبة لاضطرابات الشدة وتؤذي جهازك المناعي. كما أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الموقف القائم على عدم التسامح، من جهة، والاكتئاب والقلق، من جهة أخرى.

إذاً، ما الذي يجعل بعض الناس يسامحون الآخرين بسهولة، وما الذي يميّز هؤلاء الناس عن الأشخاص الحقودين بيننا؟ أنا شخصياً عثرت على ثلاث خصال تقترن بمقاومة التسامح:

الوسواس الفكري: الناس غير المتسامحين يقضون وقتاً طويلاً في التفكير بماضيهم بطريقة هوسية. كما يُعتبر الأشخاص الذين تربوا في كنف أهل استبداديين أو تعرضوا للإساءة في طفولتهم أكثر عرضة لإبداء هذا السلوك.

غياب الإحساس بالتعاطف: التعاطف والإحساس بشعور الآخرين هو آلية ارتقائية تحفز السلوك الغيري والاجتماعي لدى الإنسان. فقدرتك على تخيّل تجارب الآخرين والإحساس بشعورهم – أي قدرتك على أن تضع نفسك في موضع هؤلاء الآخرين، تسمح لك بتفهّم دوافع الشخص المعتدي، ما يمنحك القدرة على المسامحة والصفح. هذه المهارة يتعلمها الناس منذ نعومة أظفارهم. أما الأطفال الذي ينشؤون في كنف أهل دائمي الغياب أو مسيئين إليهم، فإنهم يواجهون صعوبة كبيرة في تطوير هذه القدرة.

الإحساس بالحرمان: الأفراد الذين لم يتلقوا ما يكفي من الاهتمام والرعاية عندما كانوا صغاراً يركّزون غالباً على ما لا يمتلكون، وكيف يمكنهم الحصول عليه. ولكن حتى عندما يتسنّى لهم الحصول عليه، يظلون يقارنون أنفسهم بالآخرين، ويحسدونهم على نجاحاتهم، أو شهرتهم، أو ممتلكاتهم. وغالباً ما يُعبّرون عن هذا الحسد من خلال الاندفاعات الانفعالية ونوبات الغضب.

أنا لا أقول أنّ الأشخاص الذين تتبدى لديهم هذه السلوكيات – وبالتالي هم أقل عرضة على إبداء الصفح – لا يمكن أن يشغلوا مناصب قيادية. لكنهم لن يكونوا من صنف القادة القادرين على جعل اتباعهم يقدّمون أفضل ما لديهم. فالقدرة على المسامحة هي من الصفات الأساسية التي ينبغي أن يتحلّى بها أي قائد يرغب بترك بصمته.

طبعاً التسامح لا يعني تقديم الأعذار للسلوك غير المقبول؛ وإنما يقوم على شفاء الذاكرة من الأذى وليس محوها. فعندما تسامح، أنت لا تغيّر الماضي، وإنما تغيّر المستقبل من خلال تحكمك بمشاعرك الهدامة عوضاً عن تركها تتحكم بزمام حياتك. إنّ قادة غيروا حياة الآخرين مثل غاندي، ونيلسون مانديلا، واونغ سان سو كي عرفوا ذلك، ورفضوا لأذى الماضي بأن يتكرر مجدداً، واختاروا عوضاً عن ذلك الطمأنينة والسعادة على حساب الغضب المحق.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!