لماذا تُعتبر بعض أحدث التقنيات الرائدة غير صالحة لنموذج تمويل وادي السيليكون؟

6 دقائق
نموذج وادي السيليكون
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

على مدى العقود القليلة الماضية، كان نموذج وادي السيليكون بمثابة محرك قوي لريادة الأعمال في مجال التكنولوجيا، وكان يعتبر غالباً كنوع من الحل الشافي. يسعى المسؤولون التنفيذيون في الشركات إلى حقن “الحمض النووي لوادي السيليكون” في ثقافاتهم، ويشير صانعو السياسات إلى المشاريع الممولة برأس مال مغامر (أو رأس مال جريء) كحل لجميع أنواع المشاكل.

تُعتبر هذه العقلية خطيرة. إذ تم تطوير نموذج وادي السيليكون، بجميع مزاياه الساحرة، في وقت محدد، لصناعة محددة. وكان هذا النموذج يقوم بتطوير مجموعة محددة من التكنولوجيات. في حين أنّ هذا النموذج يمكن أن يقدم دروساً قيّمة للصناعات الأخرى والمشاكل الأخرى، إلّا أنه غير قابل للتطبيق على المستوى العالمي.

تزعم أسطورة وادي السيليكون أنّ المشاريع الممولة برأس مال مغامر هي نموذج قابل للتعميم ويمكن تطبيقه على كل مشكلة، ولكن في الواقع، صُمم النموذج لتسويق التقنيات الناضجة لبعض الأسواق المحددة. نحن ندخل الآن حقبة جديدة من الابتكار، حقبة لا يلائمها النموذج تماماً، وسيتعين علينا خلالها تطوير أساليب جديدة لبناء المستقبل.

نموذج وادي السيليكون

في العام 1968، قام مستثمر يدعى آرثر روك بدعم المدراء التنفيذيين في شركة فيرتشايلد سيميكوندكتور (Fairchild Semiconductor) من أجل إنشاء شركة جديدة، ستصبح لاحقاً معروفة باسم إنتل (Intel). وتقوم آنا لي ساكسينيان في دراستها حول ظهور صناعة الكمبيوتر في منطقة الخليج التي بعنوان “الميزة الإقليمية” (Regional Advantage)، بشرح أنّ هذه العملية التجارية أصبحت إلى حد كبير نموذجاً لطريقة وادي السيليكون في ممارسة الأعمال.

إذا عدنا إلى منطقة الشرق، عملت الشركات المؤسسة مع مصارف كبيرة من أجل إطلاق مشاريع جديدة. لكن في منطقة الخليج، قام الرأسماليون المغامرون الصغار، (أغلبهم مهندسون سابقون)، بالاستثمار في مشاريع الأعمال. قام فريدريك تيرمان رئيس مجلس جامعة ستانفورد، بالإضافة إلى الشركات الموجودة مثل هيوليت-باكارد (آتش بي) (Hewlett-Packard) بتخصيص الموارد لتوسيع وتعزيز نظام المشاريع.

وكما أوضحت إليّ ساكسينيان في وقت لاحق، كان هذا غالباً نتيجة لتجمع فريد إلى حد ما للقوى. لقد اهتم رجال الأعمال التكنولوجية في شمال كاليفورنيا بالتمسك ببعضهم البعض، نظراً لوجود ندرة نسبية في الصناعة هناك. وسعى أصحاب المشاريع في ستانفورد لذات الأمر، بسبب عدم وجود سوى عدد قليل من الشركاء من الشركات كبيرة في هذه المنطقة لتتعاون معها. كانت هذه هي الخصائص التي أدت إلى تغيير طريقة القيام بالمهام.

أدى النجاح المبكر للنموذج إلى عملية مستدامة إلى حد ما. كما أصبح المهندسون رجال أعمال أثرياء. وأصبحوا بدورهم مستثمرين في مشاريع جديدة، ما جذب المزيد من المهندسين للمجيء إلى المنطقة، والذين أصبح معظمهم لاحقاً رجال أعمال. بحلول العام 1980، تفوّق وادي السيليكون على شارع رقم 128 (Route 128) في بوسطن ليصبح مركزاً لعالم التكنولوجيا.

المشوار الصعب للتكنولوجيا الصلبة

في العام 2014، قامت طالبة الماجستير في ستانفورد إتوشا كيف، مع اثنين من زملائها، بالبدء برحلة العمل الخاصة بهم. استطاع مختبرها التوصل إلى طرق جديدة لتحويل انبعاثات الكربون إلى منتجات مفيدة، وارتأت هذه المجموعة أنّ هذه التكنولوجيا تتمتع بإمكانيات تجارية هائلة.

تعيش المجموعة على مقربة من شارع ساند هيل (Sand Hill Road) الشهير في بالو ألتو (Palo Alto)، حيث يوجد العديد من الرأسماليين المغامرين، فكان الشيء البديهي الذي ينبغي عليهم فعله هو الذهاب إلى الشركات الرأسمالية المغامرة التي أدّت إلى ازدهار التكنولوجيا في شمال كاليفورنيا، ولكن سرعان ما خاب ظنهم. لو كان لدى هذه المجموعة فكرة جديدة لتطبيق هاتف ذكي، لأصبحوا جزءاً من المنافسات الاستثمارية، لكن الاهتمام بالتكنولوجيا الصلبة كان قليلاً.

كانت رغبة الرأسماليين المغامرين بالإجمال برؤية منتج حقيقي هي المشكلة التي واجهتها إتوشا وشركاؤها المؤسسين، وذلك عندما سعوا أولاً إلى إثبات أنفسهم داخل النظام البيئي في وادي السيليكون لتطبيق أعمالهم على أرض الواقع. كل ما كان لديهم هو بعض الأوراق التي تتضمن معلومات عن الكيمياء، وبيانات علمية، وفكرة لتغيير العالم. قدّروا حاجتهم لمبلغ يتراوح بين 1 و3 ملايين دولار لإنشاء نموذج عملي، وهو مبلغاً لم يكن متوفراً لديهم ولم يكن لديهم أية فكرة عن كيفية الحصول عليه.

قال لي إرول أركيليك، وهو مستثمر متخصص في رأس المال المغامر للتكنولوجيات الصعبة، “يعمل نموذج رأس المال المغامر بشكل جيد عندما يكون الخطر الرئيسي هو خطر في التمويل، حيث يعمل فريق تنظيم المشروعات على توسيع نطاق نموذج أعمالهم لكنه لا يعمل بشكل جيد عندما تتزامن المخاطر التكنولوجية مع مخاطر السوق”. وأضاف “هناك الكثير من الأشياء المجهولة، لذا يتعيّن علينا اتباع نهج مختلف”.

ويشير إيلان غور، المدير المؤسس لسيكلوترون رود (Cyclotron Road)، وهو برنامج يحتضن تكنولوجيات متقدمة بالشراكة مع مختبر لورانس بيركلي الوطني (Lawrence Berkeley National Laboratory) إلى أنّ التكنولوجيات الصناعية تواجه بيئة تجارية معقدة أكثر بكثير: “تحتاج التقنيات الصناعية إلى التحقق من الكثير من الصناديق قبل أن تنتقل من اهتمام معلن إلى فرصة سوق مصادق عليها، وذلك مقارنة مع أسواق المستهلكين. وبالنسبة إلى التكنولوجيات الأكثر عمقاً، لا يمكنك دائماً الابتكار بالوتيرة المتبعة في رأس المال المغامر، حيث يتعين عليك أن تصبح سريع إلى حد كبير جداً”.

مسار بديل

كانت إتوشا محبطة، لكنها ظلّت مصمّمة، كما حصلت على فترة استراحة عندما حضرت حدثاً في مجال التكنولوجيا النظيفة تم استضافته من قِبل مركز تومكات للطاقة المستدامة (TomKat center for Sustainable Energy) في صيف العام 2014. أخبرها مدير المركز، براين بارثولوميو، أنّ نوع التكنولوجيا الذي تفكر فيه هي، هو نفس نوع التكنولوجيا الذي كان يحاول نقله إلى خارج المختبر، وشجعها على التقدم بطلب للحصول على منحة.

بعد فترة وجيزة، حصلت هي وأحد التقنيين المشاركين في التأسيس على منحة من سيكلوترون رود (Cyclotron Road). وأدى هذا بدوره، إلى مزيد من الدعم من بريكآوت لابز (Breakout Labs)، وهو صندوق تمويلي غير ربحي تابع لمؤسسة ثيال فونديشن (Thiel foundation)، ومن ثم حصلت على منحة سبير (SBIR) من المؤسسة الوطنية للعلوم. لم تكن ستتمكن إتوشا وزملاؤها من بدء تشغيل شركتهم من دون دعم هؤلاء المستثمرين غير التقليديين، حيث قرروا إطلاق عليها اسم أوبس 12 (Opus 12).

كانوا أشخاصاً محظوظين. لم تكن أي من هذه المؤسسات موجودة قبل العام 2009، قد أُنشئت جميعها، كلياً أو جزئياً، استجابة لما يُعرَف بشكل بطيء على أنه فجوة عميقة في نظام ريادة الأعمال. إذا كانت لديك فكرة لتطبيق تكنولوجيا ناضجة لمشكلة مفهومة جيداً، فمن السهل نسبياً الحصول على تمويل لها. ولكن إذا قمت بتطوير تكنولوجيا جديدة مع إمكانية تغيير العالم حقاً، فستواجه صعوبة في الحصول على الدعم من المستثمرين الرأسماليين المغامرين.

كما أخبرتني إتوشا لاحقاً، “لو كان علي فعل ذلك مجدداً، لكنت ركزت بشكل أقل على تعلم كيفية كتابة خطط الأعمال وركزت أكثر على تعلم كيفية كتابة طلبات المنح. جميع التمويل الذي حصلنا عليه كان من مصادر غير ربحية أو حكومية”.

العثور على حالة استخدام “محمّسة”

سمح تمويل المنح المبكر، بالإضافة إلى الوصول إلى مرافق لورانس بيركلي التي يوفرها سيكلوترون رود (Cyclotron Road)، لأوبس 12 ببناء نموذج أولي عملي يمكن أن يظهر للمستثمرين والزبائن المرجحين، لكنه ما زال بحاجة إلى إيجاد سوق قابل للحياة ونموذج تجاري. لذا تم تطبيق أوبس 12 في برنامج آي-كوربس (I-Corps) وتم قبوله.

أُسّس برنامج آي-كوربس في العام 2011، واستناداً إلى مبادئ بدء التشغيل الضعيفة لشركة ستيف بلانك (Steve Blank)، تم تصميمه للمساعدة في سد الفجوة بين الاكتشافات وعملية تحويلها إلى صفقة تجارية، والتي تعرف غالباً باسم وادي الموت. يبدو وكأنه شيء مشابه للمعسكر بالنسبة لأصحاب المشاريع العلمية مثل إتوشا. ويشدد على أنه “لا توجد أي خطة عمل تنجح من أول اتصال مع عميل” وتتطلب من المشاركين “الخروج من مبنى العمل” والتحدث إلى عشرات العملاء المرتَقَبين بحثاً عن نموذج عمل مستدام.

في البداية، استهدفت أوبس 12 أكبر سوق يمكن الوصول إليه: الإيثانول، (وهي مادة إضافية مشابهة للبنزين). بدا الأمر وكأنه فرصة عظيمة، وذلك بعد عملية البيع بقيمة تفوق مبلغ 64 مليار دولار في العام 2016. لكن للأسف، سرعان ما أصبح الأمر واضحاً، بسبب الحجم الكبير لتلك المصانع، بأنّ السوق غير ناجحة لشركة صغيرة تعمل بجهد كبير ومن دون تمويل خارجي.

لا تحتاج الشركات الناشئة إلى أسواق كبيرة حتى تتطور وإنما تحتاج إلى حالة استخدام حماسية، (فأي شخص لديه مشكلة وهو يائس لحلها). وجدت شركة أوبس 12 هذه الحالة في الغازات المتخصصة، والتي تعتبر غازات مفيدة للعديد من العمليات الصناعية، إلا أنّ توزيعها هو أمر صعب ومكلف. يمكن أن تتمكن أوبس 12 من تقليل التكاليف بشكل ملحوظ ومن زيادة موثوقية التوريد، وذاك إثر قدرتها على تركيب تلك الغازات في مصنعها.

خلق نظام إيكولوجي جديد

واليوم، بعد مرور أربع سنوات على بدء الرحلة، أخيراً بدأت أوبس 12 في الحصول على بعض الاهتمام من مستثمرين تقليديين أكثر. وتتوقع الشركة أن تحصل على أول طلبية للعملاء في العام القادم، ومن بعدها ستبدأ الطلبات بالازدياد. قالت إتوشا: “سيكون منتجنا الأول بحجم غسالة الأطباق، ثم سننتقل إلى حجم الثلاجة، وبعدها حاوية شحن، وأخيراً آلة بحجم المصنع”.

ومع ذلك، ولأن معظم الشركات الرأسمالية المغامرة تعمل في أفق استثماري لمدة خمس سنوات، فإنّ نموذج وادي السيليكون ليس بالمؤهل بشكل كبير لاستخدامه مع الشركات الناشئة المتخصصة بالتكنولوجيات الصلبة، ما يتطلب التصديق على التكنولوجيا نفسها وليس نموذج الأعمال فقط. نحن بحاجة إلى التوصل إلى نموذج جديد يعتمد على نظام إيكولوجي جديد من المستثمرين ورجال الأعمال والمواهب التقنية.

من الواضح أنّ جوهر هذا النظام الإيكولوجي سيتألف من شبكة برامج موسّعة من الحكومة الفيدرالية والمؤسسات غير الربحية التي ساعدت أوبس 12 على البدء في عملها. ومع ذلك، من الواضح أيضاً أنه هناك حاجة إلى المزيد من الموارد لدعم نظام إيكولوجي حقيقي للتكنولوجيا الصلبة، وذلك إذا أردنا تكرار نجاح تكنولوجيا المعلومات في الصناعات الأخرى.

قد تتمثل أحد الاحتمالات في حكومات الولايات والحكومات المحلية، التي أظهرت استعدادها بالفعل للمساهمة في مراكز التصنيع التي تم إنشاؤها في ظل إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لدعم الصناعات المحلية. قمت بزيارة منشأة في ديترويت يديرها اثنين من المراكز، واحد للمواد المركبة والآخر للمعادن خفيفة الوزن، مصممة لدعم صناعة السيارات.

ويتمثل احتمال آخر في الصناديق التمويلية الرأسمالية المغامرة للشركات، والتي غالباً ما تمتلك الخبرة التقنية لتقييم استثمارات التكنولوجيا الصلبة. وهي تؤدي وظيفة مزدوجة تتمثل بتقديم الدعم لأصحاب المشاريع العلمية والمساعدة في تزويد الشركات القائمة بالتكنولوجيا المبتكرة.

الأهم من ذلك كله، يجب أن نفهم أنّ نموذج وادي السيليكون لا يطبق على كل التكنولوجيا وكل الصناعات. لا توجد استراتيجية ابتكار تتناسب مع كل مشكلة، لذلك نحن بحاجة إلى مواصلة توسيع صندوق أدوات المشاريع.

اقرأ أيضاً: 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!