أعطيته بعض الملاحظات لضبط وتصحيح سيرته الذاتية، فالتفت إليّ وبادرني قائلاً: وهل بقي لهذه الوريقات نفع بعد أن دخلنا عصر الديجيتال؟ إذا كنت رساماً أومصمم أزياء وضعت إنتاجك على إنستغرام، وإذا اشتغلت بالفكر أو الإعلام خاطبت جمهورك على تويتر، وإذا أتقنت فنون الرقص والغناء أو رغبت في تعليم الناس بالصوت والصورة أنشأت قناة على يوتيوب، وهكذا دواليك، وصولاً إلى المنصة الأكثر شبهاً بالسيرة الذاتية التقليدية ألا وهي لينكد إن، والتي يخيل إليّ أحياناً وأنا أطالع صفحات بعض منتسبيها أني في سيرة ذاتية لا تكاد تنتهي! فهل بقي بعد هذا كله محل لما يسمى سيرة ذاتية ورقية أو حتى رقمية لأُتعب نفسي في تحديد أقسامها وتنسيق أفكارها وتجلية مهارات صاحبها؟

قد يكون الدافع وراء تساؤل صديقي سأمُه من طباعة سيرته الذاتية مراراً وتكراراً في كل مناسبة توظيف أو ربما الولع بكل ما هو رقمي وجاهز في مقابل الأدوات والأساليب القديمة التي تتطلب جهداً إضافياً وحرفية يقل شيوعها بين الناس. فمع التصاعد الجارف للتحول الرقمي في جميع الأنشطة المؤسسية ونجاح الذكاء الاصطناعي في إنجاز أمور لم تكن تخطر على بال الناس، صار استمرار الاتكال على السيرة الذاتية التقليدية في التوظيف باعثاً على العجب أكثر من اعتباره أمراً معتاداً ومستساغاً.

ومع ذلك، فلا يزال لوجود السيرة الذاتية ما يبرره طالما لم يكتمل البديل الأفضل، وطالما كانت فكرة المنصة الأقرب إليها (لينكد إن) مغايرة إلى حد ما في فكرتها العامة كما سنفصل في السطور التالية.

اختلافات جوهرية

تمثل صفحتك المهنية على منصة لينكد إن فرصة ذهبية لسرد مسيرتك المهنية بكل تعرجاتها وتفاصيلها، ما يساعد القارئ في تكوين صورة مفصّلة عن تجاربك في العمل وخبراتك مع الشركات المختلفة والمناصب المتنوعة التي أسندت إليك وما أنجزته في كل منها. ولعل انفتاح صفحات المنصة على جمهور واسع من خلال الإنترنت يبرر لمنتسبيها مخاطبة قطاع عريض من الأفراد والشركات ممن يحتمل أن تنشأ بينك وبينهم علاقة عمل وتعاون تجاري.

أما السيرة الذاتية فالغاية منها على النقيض من ذلك، إذ ينبغي أن تكون جواباً عن سؤال، وتقريراً موجزاً ومباشراً يتحدث عن أهليتك لمنصب محدد في شركة بعينها، الأمر الذي يجعلها خاضعة للتعديل والتكييف المستمر.

الفوارق الأساسية بين السيرة الذاتية والصفحة المهنية على منصة لينكد إن

صفحتك المهنية على منصة لينكد إنسيرتك الذاتية
متاحة للجميع على الإنترنتلا يقرؤها إلا من ترسلها إليه بنفسك
تضم المحطات المختلفة في مسيرتك المهنيةتضم محطات مختارة وبعض الوظائف التي شغلتها
قابلة للإطالة في الشرح والتفصيل وإرفاق ملفات الوسائط المتعددة (صورة- فيديو)يفضل فيها الاختصار صفحة أو اثنتين إجمالاً
تستهدف قطاعات متعددة من الجمهورتستهدف قطاعاً أو قطاعات محدودة
ثابتة وقليلة التغير إجمالاًتتغير باختلاف الشركة المقصودة والمنصب المطلوب
غايتها رسم صورة شمولية عنكغايتها إقناع القارئ أنك المرشح الأفضل لمنصب بعينه

ومن هنا يتضح الخطأ الفادح الذي يقع فيه الكثير من الباحثين عن عمل، حين يقص أحدهم في سيرته الذاتية رواية مطولة حول كل ما أدركته عيناه ومسته يداه خلال العمل، ثم يترك الباقي لحصافة مسؤول التوظيف وطاقته النفسية ليقوم هو بمهمة الربط المنطقي (وربما الخيالي) بين التفاصيل الكثيرة المتناثرة في مسار إيجابي جميل يحاكي ما تتطلبه الوظيفة المعلنة، ويعد بأفضل النتائج عند توظيف ذلك الشخص.

بمعنى آخر، السيرة الذاتية ما هي إلا "أحدوثة المصعد" التي تشعل بها شرارة الاهتمام وتدفع القارئ إلى الحرص على مقابلتك، دون تطويل ولا شرح مستفيض، خاصة إذا علمت أن المطالعة الأولية للسيرة الذاتية لا تستغرق سوى بضع ثوان. وفي المثال الذي صنعه البعض للسيرة الذاتية الخاصة بماريسا ماير إبّان قيادتها لشركة ياهو وكذلك شيريل ساندبيرغ مديرة عمليات فيسبوك نموذجاً يحتذى ويوضح المقصود.

وبالتالي يكون الحل الأفضل كما يرى نيك ديليانيس – مدير العمليات في شركة هايز (Hays) لخدمات التوظيف في أستراليا ونيوزيلندا – بأن ننظر إلى الصفحة المهنية التي ينشئها أحدنا على لينكد إن على أنها تؤدي دوراً مكملاً وداعماً للسيرة الذاتية ولا يلغي الحاجة إليها.

فقد تكون السيرة الذاتية هي أول ما يطالعه مسؤول التوظيف، ثم يعرج بعد ذلك على صفحتك الخاصة في منصة لينكد إن للاستزادة منها واستشفاف الجوانب المختلفة من شخصيتك عبر الأفراد الذين ترتبط بهم وطبيعة تفاعلاتك وما تنشره هناك. والعكس قد يكون صحيحاً كذلك. فكم من مرة وجد فيها مسؤول توظيف ضالته على صفحة لينكد إن فتواصل مع صاحبها ليرسل له سيرته الذاتية لمنصب بعينه.

الاعتراف بالسيرة الذاتية لا يزال قائماً

لم تعلن منصة لينكد إن حتى الساعة أنها جاءت لتحل محل السيرة الذاتية، بل يجهل الكثير من الناس أن لينكد إن ذاتها تتيح للمستخدمين استخراج نسخة من معلوماتهم الظاهرة على الصفحة على هيئة سيرة ذاتية تقليدية. وحتى عند التقدم للوظائف المعلنة على صفحات المنصة، يتاح لك رفع نسخة من سيرتك الذاتية (اختيارياً) إضافة إلى تمرير رابط صفحتك للشركة صاحبة الإعلان. بل إن شركة كبرى مثل مايكروسوفت، استفادت من استحواذها على منصة لينكد إن عام 2016 لتقدم بعض المميزات ذات القيمة العالية في برنامج وورد مثل ميزة "Resume Assistant" التي تنطلق من تلقاء ذاتها بمجرد أن تفتح مستند سيرة ذاتية وتعرض لك نماذج مشابهة لمساعدتك في تحرير السيرة التي بين يديك وتطويرها سواء في مجال المسؤوليات المتعلقة بكل مسمى وظيفي مذكور أو المهارات التي ينبغي أن يتحلى بها العامل في قطاع معين. كل ذلك اقتباساً من ملايين الصفحات المهنية التي تزخر بها المنصة لأفراد يعملون في مختلف المجالات حول العالم.

وإذا تفقدت صفحات التوظيف في المواقع الإلكترونية التابعة لمعظم الشركات المشهورة حول العالم، فستجد أنها لا تزال تطلب منك إرسال أو رفع سيرتك الذاتية، إضافة إلى خيار مشاركة رابط لينكد إن أو سواه مما يمكنك مشاركته معهم لإثبات جدارتك.

إلى متى ستبقى معنا؟

يروى أن ليوناردو دا فينشي كان أول من كتب سيرة ذاتية في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي حين أراد عرض خدماته ومواهبة في الرسم والنحت على حاكم مدينة ميلانو في إيطاليا. وهذا يعني أن عمر السيرة الذاتية يتجاوز الخمسة قرون! وهو عمر مديد مقارنة بكثير من أدوات العصور الماضية التي عفى عليها الزمن وانقرضت منذ أمد بعيد.

أتصور أن تبقى السيرة الذاتية متداولة خلال السنوات الخمسة إلى السبعة المقبلة على الأقل مع كل ما تعانيه من عيوب ريثما يتم طرح حلول تتناول مختلف جوانبها بصورة أفضل، وهو أمر بدأ بالفعل عبر منصة لينكد إن وسواها من المنصات الرقمية (راجع الجدول المرفق) التي باتت توفر حلولاً إبداعية يمكن لها أن تخفض من قيمة السيرة الذاتية تدريجياً وصولاً إلى الاستغناء الكامل عنها.

عيوب السيرة الذاتية التقليدية والبدائل المتاحة أو المتوقعة مستقبلاً

عيوب السيرة الذاتية التقليديةما يمكن لمنصة لينكد إن وسواها من التقنيات الرقمية تقديمه
محدودة الانتشار في الزمان والمكانعالمية الانتشار في كل مكان وعلى مدار الساعة
تفتقر إلى ما يثبت المهارات والخبرات التي تدعيهاإتاحة إثبات المهارات والخبرات المدعاة عبر مراكمة التصديقات على كل منها من طرف شبكة المعارف المتصلة بك (بعد سؤالهم عن نظرتهم لمستوى تمكنك منها وتحديد الطريقة التي بنوا حكمهم على أساسها)
تخلو من أي توصيات مباشرة أو تقييم شخصي ممن عملوا معك سابقاً، باستثناء بعض الأسماء وأرقام الهواتفتمكنك من استدراج التوصيات المكتوبة من الأشخاص الذين اطلعوا على كفاءتك في العمل بشكل مباشر وآمنوا بقدراتك العالية والقيمة التي تستطيع تقديمها لأي شركة تنضم إليها
ما زالت بحاجة إلى إرفاقها بالعديد من الشهادات الصادرة عن الجهات المعنية والمصدقة منها (الشهادات الجامعية والجدارات المهنية الدولية والشركات السابقة والبراءة من أي حكم قضائي والسلامة الصحية وأداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها، ...إلخ)بدأت العديد من المؤسسات التعليمية والشركات التجارية ومراكز التدريب الدولية بتوفير "شارة رقمية" لإثبات الانتساب إليها واجتياز المواد التي تقدمها بنجاح. إذ يمكن وضع تلك الشارة سواء على صفحتك المهنية في لينكد إن أو سواها من المواقع الإلكترونية الخاصة بك.

وليس أمراً صعباً أو مستبعداً أن تسير المؤسسات الحكومية وما شابهها في المستقبل على ذات الخطى لتوفير ما يُحتاج إلى إثباته في صيغة رقمية موثوقة وسهلة المنال
مستند سلبي لا يضيف أي فائدة دون مبادرتك الشخصية لترويجه واستخدامهصفحة ذكية تعتمد خوارزميات متقدمة تروج لك وتساعدك من خلال اقتراح: (1) مواضيع القراءة، (2) معارف جدد، (3) وظائف وفرص عمل محتملة، (4) وسوى ذلك مما يطور من صفحتك ومستوى تفاعلاتك
قيمتها محدودة بأغراض البحث عن عملقيمتها تتجاوز البحث عن عمل إلى توسيع قاعدة الروابط المهنية، ونشر المواد ذات العلاقة واستهلاكها، والتفاعل مع الأعضاء الآخرين، ومتابعة الشركات والأفراد في القطاعات التي تهمك

يبقى لدينا تحد وحيد، ويتمثل في تخصيص وتكييف المحتوى الذي تكتبه عن ذاتك ليطابق المنصب الشاغر في شركة بعينها، وهو بمثابة الجدار الأخير الذي تحتمي به السيرة الذاتية التقليدية قبل انقراضها. لكن إذا علمت أن كبريات الجرائد مثل نيويورك تايمز والواشنطن بوست باتت توظف الذكاء الاصطناعي لكتابة قسم من المحتوى الإبداعي الذي تنشره فلن يصعب عليك التفكير فيما يمكن لمنصة مثل لينكد إن ترعاها مايكروسوفت فعله. فقد نسمع خلال سنة أو سنتين ميزة جديدة تجعل لينكد إن يعدّل صفحتك لحظياً باستمرار (حذفاً وتقديماً وتأخيراً) باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بحسب خلفية كل زائر واهتماماته. فإذا طالع صفحتك شخص مختص بعلوم الحاسوب ظهرت أمامه شهاداتك وإنجازاتك ذات الصلة بهذا المضمار، وإذا طالعها شخص مهتم بعلوم التسويق قفزت أمامه الاعتمادات الدولية التي أحرزتها في مجال الإدارة والتجارة مثلاً. وهذا أمر يقع في صميم ما قامت منصة لينكد إن لأجله، وهو ليس بالأمر العسير ولا أظنه سيتأخر كثيراً عن الظهور.

خطوات ضرورية

وبناء على ما تقدم، ينبغي على كل مهني سواء كان باحثاً عن عمل أو قانعاً بمكانه المبادرة إلى ما يلي:

  • ضبط التوازن بين سيرته الذاتية وصفحته الشخصية على لينكد إن (الجدول الأول).
  • الاستفادة من المميزات الجمة التي تقدمها منصة لينكد إن مقارنة بالسيرة الذاتية (الجدول الثاني) عبر تفعيلها عملياً وعدم الاكتفاء بنسخ معلومات سيرته الذاتية إلى لينكد إن كما هي ثم إهمالها بعد ذلك.
  • النظر إلى السيرة الذاتية كخطوة أساسية أولى لا غنى عنها، ثم تدعيمها بكل جديد ومفيد من المواقع الإلكترونية والمنصات الاجتماعية التي تكشف جوانب تميزك وتساعد كل مهتم بتوظيفك على الاقتناع بمهاراتك وجدوى الانضمام إلى مؤسسته.

توضيحات ختامية

لا أحد يجادل في أن امتلاك صفحة لينكد إن احترافية أو ما يشبهها في وسائل التواصل الاجتماعي المناسبة يساعد في جذب الفرص ويلفت نظر أصحاب العمل ومسؤولي الموارد البشرية، غير أن هذا لا يعني أن نبخس السيرة الذاتية حقها وأهميتها خلال عملية التقدم لشغل منصب شاغر. إذ لا تزال السيرة الذاتية التقليدية معياراً معتمداً لدى الشركات وجهات التوظيف المختلفة لقياس مستوى أهلية المرشحين والمفاضلة بينهم في المراحل الأولى على الأقل من دورة التوظيف.

أتفهم تماماً ما تقاسيه وأنت تحاول إعداد سيرة ذاتية لائقة، فهذا جزء من عملي. وما أجمل أن لا يتطلب الأمر منك سوى إدخال ما تعرفه عن نفسك أو الإجابة عن بعض الأسئلة الأساسية ليتكفل الذكاء الاصطناعي بالباقي ويُهديك في غضون بضع دقائق مستنداً رصيناً أو صفحة ويب ذكية تخترق بها محافل التوظيف وتستدر بها اتصالات الشركات الراغبة في لقائك والتعرف عليك!

وريثما نصل إلى هذا الحد من التطور التكنولوجي، فلا بأس من أن تبدأ باتخاذ بعض الأسباب التي قد تغنيك شيئاً فشيئاً عن السيرة الذاتية بمرور الوقت، مثل بناء ورعاية شبكة علاقات مهنية فعالة والعمل على انتشار صيتك بين جمهور عريض من المهنيين في مجال تخصصك والحرص على إبراز نماذج من عملك سواء في الواقع الافتراضي او المجال العام. فذلك كله يساعدك على إحراز مزيد من التألق وصناعة تدفق دائم من الفرص التي سوف تثري مسيرتك المهنية على مدى الأيام.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!