الناتج المحلي الإجمالي ليس مقياساً لرفاهة الإنسان

4 دقائق
shutterstock.com/bluebay
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

على الرغم من رفع النمو الاقتصادي لمستويات المعيشة في جميع أنحاء العالم، فقد أغفلت الاقتصادات الحديثة أن معيار النمو الاقتصادي الموحد، أي الناتج المحلي الإجمالي، يقيس حجم اقتصاد الدولة فقط ولا يعكس رفاهها. وعلى الرغم من ذلك، يتعامل صانعو السياسات وخبراء الاقتصاد مع الناتج المحلي الإجمالي، أو مع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الحالات، كوحدة شاملة للدلالة على مدى نمو الدولة، وذلك من خلال الجمع بين ازدهارها الاقتصادي ورفاهها الاجتماعي. وبذلك، تعتبر السياسات التي تقود إلى النمو الاقتصادي مفيدة للمجتمع.

إلا أننا ندرك اليوم أن الأمر ليس بهذه البساطة، أي أن التركيز بشكل حصري على الناتج المحلي الإجمالي والمكاسب الاقتصادية لقياس التنمية يتغاضى عن الآثار السلبية للنمو الاقتصادي على المجتمع، كالتغير المناخي وعدم المساواة في الدخل. وبالتالي، حان الوقت للاعتراف بالقيود المفروضة على الناتج المحلي الإجمالي، ولتوسيع نطاق قياس التنمية بحيث يأخذ في الاعتبار جودة حياة المجتمع.

وقد بدأت عدد من الدول القيام بذلك بالفعل، على سبيل المثال، تعمل الهند على تطوير مؤشر سهولة المعيشة الذي يقيس نوعية الحياة والقدرة الاقتصادية والاستدامة.

ونعتقد أنه عندما تتخطى مقاييس التنمية لدينا التركيز غير المواتي على زيادة الإنتاج، تصبح تدخّلات سياساتنا أكثر توافقاً مع جوانب الحياة التي يقدّرها المواطنون بحق، ونكون بذلك قدّمنا خدمة أفضل للمجتمع. ونعتقد أيضاً أنه من المفيد تقصّي أصل مفهوم الناتج المحلي الإجمالي قبل محاولتنا تحسينه.

أصل مفهوم الناتج المحلي الإجمالي

كان المفهوم الحديث للناتج المحلي الإجمالي نتاجاً للحرب، مثل العديد من الاختراعات واسعة الانتشار التي تحيط بنا. وعلى الرغم من أنّ ابتكار مفهوم الناتج المحلي الإجمالي يُنسب إلى سيمون كوزنيتس الذي حاول تقدير الدخل القومي للولايات المتحدة في عام 1932 في محاولة لفهم الأثر الكامل لأزمة الكساد الكبير، إلا أن التعريف الحديث للناتج المحلّي الإجمالي طوّره جون مينارد كينز خلال الحرب العالمية الثانية.

إذ بعد مرور عام على الحرب مع ألمانيا، أي في عام 1940، نشر كينز، الذي كان يعمل آنذاك في وزارة الخزانة البريطانية، مقالاً يشكو فيه من عدم كفاية الإحصاءات الاقتصادية لحساب ما يمكن أن ينتجه الاقتصاد البريطاني بالموارد المتاحة. وأضاف أن قلة البيانات جعلت تقدير قدرة بريطانيا على حشد الموارد والنزاع أمراً صعباً.

كما أشار كينز إلى ضرورة أن يُقدّر الدخل القومي بحساب مجموع الاستهلاك الخاص والاستثمار والإنفاق الحكومي. ورفض مفهوم كوزنيت الذي يشمل الدخل الحكومي في الحساب بدلاً عن الإنفاق. وأدرك كينز أنه إذا لم تُعتبر المشتريات الحكومية وقت الحرب كضرورات في حساب الدخل القومي، سينخفض الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من النمو الاقتصادي الفعلي الذي يحدث. وسرعان ما لقت طريقته في حساب الناتج المحلي الإجمالي قبولاً حول العالم حتى بعد انتهاء الحرب، بما في ذلك الإنفاق الحكومي في دخل البلد بدافع من ضرورات أوقات الحرب. وما زالت هذه الطريقة متّبعة حتى يومنا هذا.

كيف ينخفض الناتج المحلي الإجمالي؟

من الواضح أن للمقياس الذي وُضع لتقييم قدرات الإنتاج في زمن الحرب لأي دولة عيوب واضحة في وقت السلم. أولاً، يُعتبر الناتج المحلّي الإجمالي بحكم تعريفه مقياساً إجمالياً يتضمن قيمة البضائع والخدمات المنتجة في اقتصاد دولة ما خلال فترة زمنية معينة، ولكن لا يوجد نطاق لقياس الآثار الإيجابية أو السلبية التي تبرز في عملية الإنتاج والتطوير.

على سبيل المثال، يسجّل الناتج المحلي الإجمالي عدد السيارات التي ننتجها على إنه إنتاج إيجابي، ولكنه لا يذكر الانبعاثات التي تولّدها هذه السيارات، كما أنه يضيف قيمة المشروبات المحلّاة التي نبيعها، ولكنه يفشل في ذكر المشاكل الصحية التي تسببها، ويورد قيمة بناء مدن جديدة، ولكنه لا يولي بالاً للغابات الحيوية التي تحلّ المدن محلها. وكما قال روبرت كينيدي في خطابه الانتخابي الشهير في عام 1968، “إن الناتج المحلي الإجمالي يقيّم كل شيء بشكل عام، لكنه يفشل في تقييم ما يجعل حياتنا جديرة بالاهتمام”.

إنّ التدهور البيئي عامل خارجي مهم أيضاً فشل مقياس الناتج المحلي الإجمالي في حسابه، ذلك أن إنتاج المزيد من البضائع يُضاف إلى الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد، بغض النظر عن الأضرار البيئية الناجمة عن هذه البضائع. لذلك، تُعتبر دولة مثل الهند في طريقها على درب النمو وفقاً لمقياس الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من أن الضباب الدخاني يسود أجواء فصل الشتاء في مدينة دلهي، ومن أن بحيرات بنغالورو أكثر عرضة للحرائق من السابق. وبالتالي، تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى مقياسٍ أفضل للرفاهة يأخذ هذه العوامل الخارجية في الاعتبار بغية الحصول على صورة حقيقية للنمو. فضلاً عن أنّ توسيع نطاق التقييم ليشمل العوامل الخارجية قد يساعد في إيجاد سياسة تركّز على معالجة هذه العوامل.

ويفشل الناتج المحلي الإجمالي أيضاً في استيعاب توزيع الدخل عبر المجتمع، وهي مسألة غدت أكثر أهمية في عالمنا اليوم مع ارتفاع مستويات عدم المساواة في العالم المتقدّم والنامي على حدّ سواء. فلا يفرّق الناتج المحلّي الإجمالي بين مجتمع غير متكافئ وآخر قائم على المساواة في حال كان لدى هذه المجتمعات أحجام اقتصادات متماثلة. ومع تزايد عدم المساواة التي تسفر بدورها عن تزايد الاستياء المجتمعي والاستقطاب، سيحتاج صانعو السياسات إلى مراعاة هذه القضايا عند تقييمهم للتنمية.

ويوجد جانب آخر من الاقتصادات الحديثة يجعل من الناتج المحلّي الإجمالي مفهوماً متقادماً ويتمثّل في تركيزه غير المتناسب على ما يُنتج، حيث تتجه معظم مجتمعات اليوم إلى اقتصاد الخدمات المتنامي، من تسوّق البقالة على موقع “أمازون” إلى حجز سيارات الأجرة على تطبيق “أوبر”. ونظراً إلى أنّ جودة التجربة تحلّ محلّ الإنتاج المتواصل، يتلاشى مفهوم الناتج المحلّي الإجمالي بسرعة. ولا بدّ من أن ندرك أننا نعيش في عصر توفّر فيه وسائل التواصل الاجتماعي كنوزاً من المعلومات ووسائل الترفيه دون أيّ ثمن على الإطلاق، ولا يمكننا تجسيد قيمة هذه الخدمات بأرقام مبسّطة. بل يحتاج مقياس النمو الاقتصادي والتنمية لدينا إلى التكيف مع هذه التغييرات من أجل إعطاء صورةٍ أكثر دقةً للاقتصاد الحديث.

كيف نعيد تعريف التنمية في الهند؟

نحن بحاجة إلى مقاييس بديلة لاستكمال مفهوم الناتج المحلّي الإجمالي من أجل الحصول على رؤية أكثر شمولاً للتنمية، وضمان وضع سياسة مستنيرة لا تحصر الأولوية بالنموّ الاقتصادي. ونشهد بالفعل بعض الجهود، مثل محاولة بوتان لقياس السعادة الوطنية الإجمالية، والتي تأخذ في الاعتبار عوامل مثل التنمية الاجتماعية والاقتصادية المنصفة والحكم الرشيد، إضافة إلى مؤشر التنمية البشرية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والذي يتضمن الصحة والمعرفة بصرف النظر عن الازدهار الاقتصادي.

وكخطوة في هذا الاتجاه، بدأت الهند أيضاً في التركيز على سهولة معيشة مواطنيها، إذ تمثّل سهولة المعيشة الخطوة التالية في استراتيجية التنمية لدى الهند، وذلك في أعقاب الدفع نحو سهولة ممارسة الأعمال التجارية التي حققتها البلاد خلال السنوات القليلة الماضية، حيث قامت وزارة الإسكان والشؤون الحضرية بتطوير مؤشر سهولة المعيشة لقياس جودة حياة مواطنيها في كافة المدن الهندية، فضلاً عن القدرة الاقتصادية والاستدامة. ومن المتوقع أن يتطوّر هذا المؤشر ليصبح أداة قياس تتبنّاها مدن أخرى. ونعتقد أنّ هذا الإجراء الأكثر شمولية سيوفّر رؤى ثاقبة وأكثر دقة لحالة تطور الاقتصاد الهندي.

وينطوي هدفنا النهائي على أن يصبح المجتمع الهندي أكثر عدلاً وإنصافاً، وأن يحقق الازدهار الاقتصادي، ويقدّم للمواطنين نوعية حياة ذات معنى. لكن لن نتمكّن من تأطير سياساتنا إلا عندما نغيّر ما نقيسه وما نعتبره مقياساً للتنمية. ومع اقتصاد يهدف في جوهره إلى تحقيق الرفاهة، يصبح النمو الاقتصادي ببساطة مجرد أداة أخرى لإرشاده نحو الاتجاه الذي يختاره المجتمع. ولن تكون النقاط المئوية للناتج المحلي الإجمالي في اقتصاد كهذا في الصدارة، ذلك أنها نادراً ما ترتبط بحياة المواطنين العاديين، بل سيتحوّل التركيز نحو عوامل أكثر استحساناً وواقعية للرفاهة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!