يعتبر جذب الأشخاص أحد أصعب الأمور فيما يتعلق بإدخال الابتكار أو التغيير في المؤسسات؛ وينطبق هذا بشكل خاص على مجال الرعاية الصحية.

في الوقت الذي تتعرض فيه مؤسسات الرعاية الصحية للضغوط لخفض التكاليف، والحد من الأخطاء الطبية، وتبني كل من الإجراءات القياسية والابتكارات الجديدة، يُطلب من مقدمي الخدمة التخلي عن طرق العمل الراسخة والمريحة. فهم مضطرون لقضاء المزيد من الوقت في الأعمال الورقية والمستندات، ومناظرة المزيد من المرضى في يوم واحد، واستخدام العمليات والأدوات غير المألوفة. بالنسبة للكثير من الموظفين والأطباء والممرضين، تعني هذه التغييرات محدودية الوقت المبذول في معالجة المرضى وتعزيز الصحة والعافية، وهي الأسباب التي جعلتهم متمرسين في مجال الرعاية الصحية. بطبيعة الحال، يبدأ الكثيرون في طرح التساؤلات بشأن اتجاه المؤسسة التي يعملون فيها، حيث تبدو هذه السلوكيات والممارسات الجديدة في تعارض مع قيم مهنتهم.

عندما ينظر الموظفون إلى الابتكارات والتغييرات على أنها متعارضة مع قيم رعاية المرضى الأساسية القائمة منذ القدم، تقل احتمالية تبنيهم للسلوكيات والممارسات الجديدة. ولهذا السبب يتعين على قادة الرعاية الصحية التركيز على مواءمة الابتكار مع القيم الثقافية القائمة، وتكريس المزيد من الوقت لتوضيح طريقة مساعدة العمليات والسلوكيات الجديدة للموظفين على الالتزام بقيمهم وتطويرها وتقديم رعاية صحية عالية الجودة.

استناداً إلى بحثنا حول التغيير التنظيمي، ومشاركتنا وانخراطنا في التدريب على القيادة في مجال الرعاية الصحية، ومحادثاتنا مع أكثر من 100 من المسؤولين التنفيذيين في مجال الرعاية الصحية، فإننا نقدم ثلاث طرق أساسية يستطيع المدراء من خلالها جذب مقدمي الخدمة وإشراكهم في التغيير وربط جهود الابتكار بدوافعهم وعواطفهم وقيمهم الأساسية.

حاول أن تفهم السبب وراء اعتقاد الموظفين أنّ الابتكارات أو التغييرات لا تتواءم مع الثقافة والرسالة الحالية. في دورة تدريبية على القيادة كنا نقوم بملاحظتها، وجدنا الرئيس التنفيذي لمؤسسة غير ربحية تعمل في المجال الطبي والبحوث ينصت إلى رؤساء الأقسام والإدارات وهم يتشاركون ويتبادلون شواغل موظفيهم واهتماماتهم، حيث يتم التضحية بالرعاية الجيدة لصالح الضغوط المالية، وتطيح عمليات التشغيل الموحدة بسنوات الخبرة، ويتم استبدال التقنيات التي حظيت بالترحيب البالغ في يوم من الأيام ووصفت بأنها أفضل الممارسات، وغير ذلك من مخاوف وشواغل.

أخبر الرئيس التنفيذي هؤلاء القادة أن يتخذوا خطوتين: أولاً، الاستماع إلى الأطباء وطاقم العمل لفهم السبب الذي يجعلهم يجدون عدم توافق ومواءمة بين الأعداد الكبيرة من التغييرات الواقعة وقيم المؤسسة؛ ثانياً، إعادة صياغة العلاقة بين الابتكارات والقيم الأساسية للمستشفى وتعزيزها، بحيث لا تبدو وكأنها غير متوافقة أو متوائمة. على سبيل المثال، يجب ألا تطيح العمليات أو الأدوات والأجهزة القياسية بخبرات الأطباء، بل بالأحرى تساعد في ضمان اتساق جودة الرعاية الصحية المقدمة للمرضى.

في مكان آخر، أخبرنا رئيس تنفيذي لمؤسسة صحية كبيرة متكاملة عن السعي نحو فهم وجهات نظر الموظفين من خلال الجولات الأسبوعية. وفي حالة من الحالات، استمع إلى الممرضات وهنّ يعبرن عن رفضهن للإجراء الجديد المتبع في تسليم مسؤولية المرضى لبعضهن مع نهاية نوبة العمل. كان الإجراء القديم المتبع في تسليم مسؤولية المرضى مجرد محادثة خاصة بين ممرضتين، ولكن الطريقة الجديدة اشتملت على كتابة تقرير لنشاط نوبة العمل ووضعه بجانب سرير المريض؛ وهكذا صار الإجراء الجديد يضم المريض أيضاً في محادثة الممرضات. كان رأي الكثير من الممرضات أنّ الإجراء الجديد يستغرق وقتاً أطول ويعيق تبادل المعلومات.

تناول الرئيس التنفيذي مخاوف الموظفين وشواغلهم بالتركيز على التحسن في رعاية المرضى الذي يحدثه التقرير الجديد وأوضح أنه مع الإجراء الجديد ستزداد مشاركة المرضى أكثر في رعايتهم لأنفسهم ويزداد فهمهم للحاجة إلى الأدوية أو الإجراءات، وهو ما سيؤثر بدوره على النتيجة النهائية فيما يتصل بصحة المريض. كما ذكّر الرئيس التنفيذي الممرضات بأنّ الرعاية الجيدة للمرضى كانت حجر الزاوية بالنسبة لقيم المستشفى، وذكّرهن أيضاً بالسبب الذي جعل معظمهن مقدمات للرعاية الصحية. وبمجرد قبول الممرضات لذلك التبرير من جانب الرئيس التنفيذي، تحول تركيز المحادثة إلى الحواجز اللوجستية التي حالت بينهن وبين تبني هذا التغيير (على سبيل المثال، ماذا يفعلن لو أنّ المريض كان نائماً عند تغيير نوبة العمل). وهكذا فإنّ مواءمة القيم المشتركة وتوافقها كان مصدر تمكين وتحفيز لهن على العمل نحو تبني هذا التغيير معاً.

إشراك الموظفين في البيانات لشرح المشكلة وبيان طابعها الملح وكيفية معالجتها. يمكن للبيانات والقياسات أن تخلق وعياً بالمشكلات، وتكون وسيلة لاستكشافها، وهدفاً لقياس التقدم المحرز فيها. لننظر إلى مشكلة مشتركة بين الكثير من مؤسسات الرعاية الصحية، ألا وهي حالات العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية. استنادًا إلى بيانات من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، ففي كل يوم يتعرض واحد تقريباً من بين كل 25 مريضاً بالمستشفى للإصابة بعدوى واحدة على الأقل مرتبطة بالرعاية الصحية. هناك سبب شائع ومشترك لذلك يرجع إلى سوء نظافة الأيدي، حيث يشير مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أنّ عدد مرات قيام مقدمي الرعاية الصحية بتنظيف أيديهم يقل، في المتوسط، عن نصف عدد المرات المطلوب منهم.

أخبرنا قائد مستشفى متكامل كبير عن طريقة استخدامهم للبيانات لتغيير القواعد والإجراءات الروتينية القائمة وزيادة عدد مرات غسل الأيدي. قامت المستشفى بتعيين “مراقبين متخفين”، وهم موظفون في مختلف المستويات والأدوار كانوا يعملون في عدة وحدات وكانوا يقومون بجمع بيانات المراقبة بشكل سري في أوقات محددة. وكانت المجموعة المعنية بالسلامة تقوم بترتيب هذه البيانات حسب الوحدة وتضعها في تقرير ينشر أسبوعياً.

خلال الاجتماعات الصباحية السريعة، كان قادة الوحدات والأقسام يعرضون البيانات ويتحاورون بشأن الأسباب المحتملة وراء الأرقام. لم يُبق هذا الحوار الأسبوعي المشكلة في الصدارة فحسب، بل عمل أيضاً على إشراك الموظفين في تحديد العوائق والعوامل الخارجة عن سيطرتهم والتي جعلت التغيير صعب التنفيذ.

وفي إحدى المناقشات، قال الموظفون إنه عندما فرغت بطاريات أجهزة تعقيم اليدين، انخفض معدل غسل الأيدي إلى أن قام عمال من طابق آخر بتغيير البطاريات. أدى مجرد تغيير بسيط في نقل البطاريات الاحتياطية إلى الوحدات والسماح لأي شخص باستبدالها إلى إزالة عائق كبير أمام تحسين تبني التغيير. هذا المزيج من البيانات، وإشراك الموظفين في حل المشكلات، وملاءمة الأمر لمهمة الرعاية الجيدة للمرضى، كل هذا رفع معدل غسل الأيدي من 45% إلى 82% في عام واحد.

انتبه إلى السلوكيات التي تكافئها وتتسامح معها. كجزء من نفس مبادرة غسل الأيدي، أنشأ مدراء نظام المستشفى برنامج “تكلم.. لا تسكت”، وهو برنامج يمكّن الممرضات والموظفين والأطباء ويدربهم على الحديث مع أي شخص لا يقوم بغسل يديه، على الفور، أثناء التنقل من معاينة مريض إلى آخر. ولكي تنجح الحملة، لم يكن هناك أي شخص، بغض النظر عن مستواه أو وضعه، محصناً من التذكير بغسل يديه. كان لا بدّ أن تتغير المعايير الثقافية وعلاقات السلطة المتأصلة بشأن التحدث والإبلاغ (على سبيل المثال، تم تمكين الفنيين بحيث يكون بمقدورهم تذكير الجراحين بغسل أيديهم).

أصبحت الاجتماعات الجماعية الأسبوعية مناسبة لتقدير أولئك الذين خالفوا المعايير الراسخة وعززوا ودعموا السلوكيات الجديدة. في هذه الاجتماعات، سلم كبير المراقبين بطاقات هدايا للذهاب إلى مقهى ستاربكس إلى الموظفين الذين تحدثوا إلى الأطباء وغيرهم ممن لم يغسلوا أيديهم وذكروهم بضرورة ذلك. مكافأة السلوكيات الجديدة التي كان عكس المعايير القائمة عززت الرسالة التي مفادها أنّ التصرف بطرق جديدة بات أمراً آمناً. ما كان التغيير ليحدث أو يستمر لو أعفي الأطباء من التعليقات والملاحظات في حال عدم الامتثال.

كما شُجع الأطباء على توجيه الشكر لأي شخص تحدث إليهم مذكراً إياهم حال نسيانهم غسل أيديهم. عندما كان الأطباء يتفاعلون سلباً مع التعليقات والملاحظات من الموظفين ويقاومون التغيير الثقافي، كان أحد المدراء يتواصل معهم. كان المدير يذكر الطبيب بمسؤولية الجميع عن صحة المريض، وكان يستخدم غالباً عبارة مناشدة تخاطب مشاعرهم: “ماذا سيكون شعور المريض إذا شاهد أحد أفراد عائلته أحد الموظفين الذين لم يشاركوا في النظافة الصحية بالمستشفى؟” لقد ربطت تعليقات المدير بين سلوك الأطباء والقيم الأساسية المشتركة الخاصة بالرعاية الصحية عالية الجودة للمرضى.

في حال التسامح والتساهل مع السلوكيات السيئة على أي مستوى في المؤسسة، يستمر الوضع الراهن على ما هو عليه. وعندما تفهم القيادة أنّ غض الطرف عن سلوك سيئ واحد يمكن أن يدمر عملية تبني الآخرين للابتكار، فقد يكونون أكثر استعداداً للدخول في محادثات صعبة مع الموظفين في أعلى المستويات في مؤسساتهم.

ومع استمرار تحول الرعاية الصحية، فإنّ مواءمة الابتكارات الجديدة مع القيم الثقافية القائمة سوف ييسر عملية قيادة مبادرات التغيير الناجحة. ومن شأن السعي إلى فهم وجهات نظر الموظفين، واستخدام البيانات، وإخضاع جميع الموظفين للمساءلة فيما يتعلق بسلامة المرضى ورعايتهم أن يساعد مقدمي الخدمة على فهم حقيقة أنّ التغيير يدعم القيم التي يعتزون بها، وأنه لا يتناقض مع هذه القيم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!