على الرغم من التحديات السياسية والأمنية التي تعيشها المنطقة العربية، إلا أنّ رياح التغيير آتية لا ريب فيها. إذ تعرف ريادة الأعمال في كل الأقطار العربية تغييرات كثيرة في طرق تسييرها وإدارتها وتنظيم العمل داخلها، خصوصاً ريادة الأعمال الشابة التي يقودها شباب تعلموا وأوجدوا طرقاً مبتكرة في خدمة الزبائن.

تأتي سياسة التغيير مع النمو والتطور الذي تعرفه ريادة الأعمال أو مع تطور المحيط الاقتصادي والاجتماعي، والذي يتطلب وسائل وطرق وبضائع جديدة تتلاءم مع متطلبات الزبائن وحاجياتهم وتحول أنماط سلوكهم الاستهلاكي. بمعنى آخر، يكون التغيير من داخل ريادة الأعمال أو على شكل خطة للتأقلم أو الملاءمة لتطورات يعرفها السوق أو منتجات مبتكرة يضعها المنافسون.  في كتابه “استراتيجية إدارة الأزمات: التنافس والتغيير في ريادة الأعمال الحديثة” يؤكد سايمون بوث على أنّ إدارة التغيير لها علاقة وثيقة بجو الشك وغياب اليقين الذي أصبح يميز محيط ريادة الأعمال والذي يستوجب مقاربة متجددة للتغيير كواقع مستمر لا مفر منه.

وتُعتبر كل خطة أو استراتيجية عبارة عن تغيير في الطرق السائدة من حيث التواصل أو التسويق أو طرق البيع. وفي الإدارة الاستراتيجية، ونسمي الأهداف التي ترسمها ريادة الأعمال، أو بالأحرى النتائج التي تتوخاها، مظاهر التغيير. فالنمو تغيير، وتطور العلامة التجارية (brand) تغيير، وإقبال الزبائن المتزايد تغيير، والرفع من جودة المنتج تغيير. وذلك، متى حاول روّاد الأعمال إعطاء دفعة جديدة لجانب من جوانب العمل، ومتى تطلب ذلك تحولاً نوعياً في طرق العمل المألوفة.

يمكن القول أنّ التغييرات الناجحة هي التي يعتمدها ويقودها العاملون أنفسهم. فكلما تبنى المتعاونون داخل المؤسسة خطة للتغيير كلما كان لذلك وقعاً إيجابياً على إمكانية تحقيق أهداف خطة التغيير. يضع رائد الأعمال الأهداف ويوفر الوسائل ويدرس المحيط من أجل ضمان شروط نجاح الخطة، ولكنّ العاملين هم الجنود الذين سيعتمد عليهم من أجل كسب المعركة، حيث أنه لا تغيير ممكن دون ضمان انخراط العاملين والمتعاونين داخل المؤسسة.

ولكنّ التغيير يولّد المقاومة من الداخل. فرواد الأعمال الذين يدركون خبايا تسيير الرأسمال البشري لريادة الأعمال يعرفون أنّ بعض المقاومة من الداخل شيء طبيعي داخل المؤسسات. إذ تولد السلطة والتراتبية نوعاً من المقاومة، وتكون هذه المقاومة في معظم الأحيان مضمرة، لكن بعضها باد للعيان. ويقوي التغيير الذي يريده رائد الأعمال نزعة المقاومة من الداخل، لماذا؟ لأن التغيير يولّد حالة من الإحساس بالارتباك أو الخوف من المجهول والتوجس مما سيأتي. يورجع جورجاليس وسامارتونج وكيمبرلي ويونج سبب المقاومة إلى مدى إحساس العاملين بعدالة التغيير وهل سيكون منصفاً لهم ومكافئاً لهم على مجهوداتهم؟

يصيب بعض العاملين الخوف والقلق من كون الخطة الجديدة للتغيير ستتطلب تكويناً جديداً ومجهودات إضافية للتعلم وتنافساً بين العاملين داخل المؤسسة. كما يحبذ الكثير من العاملين والمستخدمين السلوكيات التي طوروها على مر السنين وسكنوا إليها وصارت جزءاً من الأمور التي يقومون بها بشكل يومي ودون جهد كبير.

يأتي التغيير (على شكل استراتيجية جديدة، أو أهداف تجارية جديد، أو فلسفة تنظيمية جديدة، أو طريقة جديدة في التسويق)، ليقوّض نوعاً من السلوك الروتيني المقبول لدى الجميع. لهذا نجد أنّ الكثير يقاومون التغيير على الأقل بسلوكهم السلبي وصمتهم وعدم تحمسهم.

كما رأينا ذلك أعلاه، فإنّ المسيّر الذكي عادة ما يقبل بأنّ إدارة ريادة الأعمال يولّد نوعاً من المقاومة من طرف العاملين بصفة عامة، وأنّ هذا الأمر طبيعي إذا بقي في مستوى مقبول لا يؤثر بشكل لافت على الإنتاج أو العمل. ولكن ما عساه أن يفعل إذا قاوم العاملون استراتيجية مبتكرة تخدم أهداف ريادة الأعمال الكبرى؟

في مقال حول “ضرورة دمج إدارة المشاريع وإدارة التغيير داخل المؤسسات” يستشهد هنري هورنشتاين بميوكيون تشوي الذي يقول بأهمية انخراط العاملين ويحدد أربعة مواقف يعتمدها العاملون وهي: “الاستعداد للتغيير، الالتزام بالتغيير، والانفتاح على التغيير والسخرية من التغيير”. من وجهة نظري فالشك في جدوى التغيير يكون هو الموقف الأولي الذي يتبناه العاملون، وبعد ذلك تأتي المواقف على شكل خط تصاعدي يستوجب فيها تدخل قيادة الأعمال للوصول إلى تبني التغيير من طرف الفاعلين أنفسهم.

يتوجب على رائد الأعمال أن يتواصل حول التغيير قبل حدوثه. وهذا يعني إشراك العاملين والمستخدمين في وضع الاستراتيجية وتلقي ردودهم ومحاولة إدماج ملاحظاتهم في خطة العمل. ويجب ألا يكون التواصل مجرد عملية إخبار فقط ولكن عملية تفاعل وأخذ ورد ليشعر العاملون أنّ آراءهم، خصوصاً الوجيهة منها، تُؤخذ مأخذ الجد من طرف الإدارة.

يقتضي التواصل إلى تبسيط عملية التغيير حتى لا تظهر وكأنها تحول راديكالي مخيف. لهذا وجب التركيز على أهداف معينة وواضحة وعلى منهاج سهل الفهم يُبين بشكل لا غبار عليه ما هو منتظر من كل العاملين. تُعتبر الخطط المعقدة أو التي لا تحدد الأدوار والانتظارات بشكل كاف مصدر قلق العاملين وتخوفهم من التغيير.

في كتابهما “فهم إدارة التغيير: دليل كامل لنماذج ووسائل وتقنيات التغيير داخل ريادة الأعمال”، تؤكد إيستير كاميرون ومايكل غرين “أنّ الروّاد والمسيّرون عادة لا يفهمون لماذا لا يتقبل الأفراد والمجموعات التغيير بصدر رحب”. لهذا اعتمدنا على أعمال إدكار شاين (“مسلسل التشاور” 1988 و”الثقافة والريادة داخل إدارة الأعمال” 1992) والتي بلور فيها كيف يجب التعامل مع القلق من التغيير، وذلك عبر “الرفع من الإحساس بالأمان النفسي من خلال: رؤية مقنعة للمستقبل أو التكوين أو انخراط المتعلم أو التطبيق وإدارة الردود أو نماذج إيجابية أو مجموعات للدعم”. لهذا تنصح كاميرون وغرين رواد الأعمال “بالتقليص من صدمة التغيير. ومناقشة تأثير التغيير. والإنصات. ومساعدة الآخرين. وتشجيع المغامرة. ومناقشة المعنى. والاستعداد للمضي قدماً”.

هناك من يضع مقاربة تواصلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الإنترنت وغيرها لمناقشة التغيير والإجابة عن التساؤلات ومكامن القلق والترقب. وتمكّن وسائل التواصل الاجتماعي العاملين والمتعاونين من التعبير عن آرائهم بحرية أكثر. وما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي هو إمكانية خلق مجموعات تقود بأريحية النقاش حول التغيير ووجوبه وإيجابياته. وغالباً ما يحبذ “حلفاء التغيير” الاختفاء وراء شاشات حواسيبهم أو هواتفهم النقالة للتعبير عن آرائهم والتأثير في الآخرين. لهذا فعملية استقطاب حلفاء جدد باستمرار، هي عملية أساسية لخلق مجموعة من رواد التغيير مؤثرين ومقنعين ومساهمين في التحول المطلوب لدى العاملين.

تجعل مشاركة أكبر عدد ممكن في تبني ما هو جديد وشرحه للآخرين مسلسل التغيير متداولاً بين العاملين ومقبولاً. ولكن على رواد الأعمال أن يحتاطوا من الفهم المغلوط أو الصحيح نسبياً لمسلسل التغيير ومقاصده وأهدافه. لهذا يجب العمل على تصحيح الفهم وإعادة صياغة الخطة بطرق متعددة ووسائل مختلفة.

يركّز رواد الأعمال الناجحون كذلك على فائدة التغيير بالنسبة للعاملين والمتعاونين من حيث فتح فرص جديدة للرفع من رقم المعاملات والرفع من إمكانيات التحفيز والارتقاء المهني. فريادة الأعمال الناجحة هي مصدر فخر للعاملين ومصدر تحفيز ورغبة في الإنجاز. كما رأينا في مقال سابق، ويقع التحفيز حين يحس المتعاون بأنّ عمله معترف به ومحط رضا لدى القيادة.

وبناء على ما سبق، نجد أنّ ريادة الأعمال تتبنى ثقافة التغيير المستمر وهذا يعني انخراط الكل في طرح حلول مستمرة لتحسين الأداء أو الإنتاج. ما زالت ريادة الأعمال العربية تعتمد أساليب كلاسيكية وتقليدية، غير أنّ روّاد الأعمال الشباب في البلدان العربية بدأوا بنفض غبار التقليد وتبنى دعم ثقافة الابتكار والحلول الجديدة داخل ريادة الأعمال، حيث يكافئ من يبتكر فكرة لتغيير وتحسين طريقة العمل أو الإنتاج. وهذا من شأنه أن يحدث ثورة صامتة في طريقة إدارة التغيير، خصوصاً في البلدان العربية المقبلة على تطورات اقتصادية مهمة في المستقبل غير البعيد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!