تابعنا على لينكد إن

في مرآب سيارات واقع تحت الأرض ضمن أحد المباني في مدينة لوس أنجلوس الأميركية، تخرج كل صباح عشرات الشاحنات المليئة بالصناديق إلى شوارع المدينة، حيث تسمع أصوات إطاراتها تطلق صريرها على الخرسانة الملساء. وفي نفس المبنى، في الطابق الخامس، يقع مكتب الرئيس الإقليمي لشركة يو بي إس المالكة للمكان، نويل ماسي والذي يستفيد من هذه اللحظات القصيرة للحصول على استراحة نظراً لأن المبنى بكامله يهتز عند رحيل أسطول شاحناته لتوصيل الطلبات. إذ تُعطي رؤيته للشاحنات إشارة مطمئنة أنّ مجال الأعمال هذا لن يتوقف عن العمل قريباً، نظراً لأنه بات جزءاً من حلقة كبيرة في الاقتصاد المعاصر. إذ يمثل هذا المبنى واحداً من 2,000 مبنى آخر منتشر عبر كامل الأراضي الأميركية وحول العالم.

كان ما يشغل ذهن ماسي أمرين: الأول: الشاحنات نفسها والثاني هو زمن التوصيل. فلدى ماسي أسطول من الشاحنات و2 مليون طرد يتم توصيله كل صباح. وكان يشرف على منطقة تشمل النصف الجنوبي من ولاية كاليفورنيا، من الحدود المكسيكية إلى فريسنو، فضلاً عن مناطق هاواي وجنوب نيفادا وغربي أريزونا. وكان يقع ضمن مجال صلاحياته مجموعة من مراكز التوزيع البعيدة ومحطات للشاحنات ومطار دولي و20,000 موظف، كما كانت شركته تقوم بتوصيل الطلبات التي يشتريها المتسوقون من موقع أمازون، وآبل، فضلاً عن تلك التي تتيح خدمة التوصيل في يوم واحد لمدمني التسوق وجهات أخرى. تُعتبر تلك الشاحنات في الوقت نفسه جزءاً من حركة المرور في المدينة، والتي بات الازدحام فيها أمراً يجعل إمكانية تسليم البضائع يومياً صعباً للغاية.

يقول ماسي: “دقائق قليلة تُنجح عملي أو تفشله”. إذا حلقت الطائرة تمام السابعة صباحاً، إما ستتمكن من الوصول في الموعد المحدد، أو سيفقد أشخاص كثر إمكانية الحصول على ما طلبوه في الوقت المناسب. ربما يكون ما طلبوه صور مسح دماغي لرأس شخص ما من أجل جراحة، أو عينات أنسجة لمختبر. لا يمكننا التهاون بهذا الأمر. لكل دقيقة أهميتها في هذا المجال. إما تتسبب في نجاحنا أو فشلنا.

تتسبب تلك الدقائق في ضغط كبير على ماسي. صحيح أنّ التجارة الإلكترونية عادت بالنفع على المستهلكين، إلا أنّ عمليات التسليم خلال 24 ساعة ونقل الطرود عبر البريد زاد من الضغط على شركات الطرود البريدية، مثل شركة يو بي إس، وزاد من دورة عملها بشكل أكبر. إذ قامت الشركة بزيادة أعداد شاحناتها والتي تقوم بتسليم الكثير من الطرود إلى مئات المنازل كل يوم. في نفس الوقت، تواجه هذه الشركات معضلة جديدة متمثلة في حركة المرور، والتي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

كما يرى ماسي وجود مشكلتين تلوّحان في الأفق وتهدّدان حركة البضائع، وحتى حركة السيارات. الأولى هي قلة استثمار الحكومة الأميركية في البنية التحتية، إذ وصلت التكلفة اللازمة للقيام بإصلاحات وتحسينات للطرق والجسور المترهلة إلى 3,6 تريليون دولار، وهو رقم مذهل. أما المشكلة الثانية فهي أنّ الأموال التي تُنفق على البنية التحتية تُعالج المشكلة بشكل سطحي من دون التفكير في إصلاح حقيقي يتعامل مع صلب المشكلة.

على سبيل المثال: لننظر إلى مشروع توسعة الطريق السريع 405 لمسافة 16 كيلومتر في لوس أنجلوس بهدف تخفيف الازدحام. كلف المشروع مليار دولار لكنه لم يخفف من الازدحام كما كان متوقعاً، بل باتت السيارات والشاحنات الآن تستغرق وقتاً أطول لقطع تلك المسافة مقارنة بفترة ما قبل المشروع. ويكمن السبب في أنّ إضافة مسارات جديد يؤدي إلى جذب المزيد من السيارات، حيث يشبه هذا محاولة حل مشكلة إفراطك في الطعام بحل حزام سروالك. في الوقت نفسه، تتأخر عملية صيانة الطرق، ما يؤدي إلى ضرر سنوي يقدر بمبلغ 124 مليار دولار للاقتصاد الأميركي بسبب الاختناقات المرورية. لنأخذ حالة أخرى على سبيل المثال: يكلف وجود جسر صغير واحد غير صالح على الطريق رقم 10 في كاليفورنيا صناعة النقل بالشاحنات مبلغ 2,5 مليون دولار يومياً بين تأخير وتكاليف وقود إضافية (وهذه بيانات حقيقية). إذ تضرر الجسر بسبب عاصفة، وهو جسر واحد في دولة تملك 61,000 جسر آخر إما في حالة سيئة مثل ذاك الجسر أو حتى أسوأ.

يجب أن يكون الإنفاق للحفاظ على نظام النقل لدينا جزءاً أساسياً من أية استراتيجية للحفاظ على حركة المرور من التدهور. لكن هل يمكن حل هذه المشكلة من دون إنفاق الكثير؟ يمكن أن يكون لدينا حلول تساهم في هذه المعضلة وسأقدم فيما يلي أربعة حلول تساهم في تحسين حركة المرور.

الدفع لقاء المرور

لقد حان الوقت لإنهاء ضريبة الوقود التي بقيت على حالها منذ العام 1993، والتي لا تغطي إلا نصف الإنفاق على البنية التحتية للنقل. يجب استبدال هذه الضريبة برسوم استخدام للطرق السريعة الرئيسية تكون أعلى في أوقات الذروة وأقل في باقي الأوقات بشكل مشابه لتسعير الكهرباء في ولايات كثيرة. فنصف الرحلات خلال ساعة الذروة غير متصلة بالعمل ويمكن نقلها إلى أوقات أخرى، كما أنّ وضع تعرفة للمرور يقدم الحافز المفقود حالياً لتقليل عدد المركبات على الطريق. إذ سيكون المرور في ساعة الذروة أفضل، ولن يتطلب هذا استثمارات هائلة، بل فقط ماسحات ضوئية إلكترونية ونظم فوترة شهرية للسيارات المارة، وسيعود ذلك بالفائدة على السائقين وحركة البضائع.

تغيير الوقت

يُعتبر حلاً بسيطاً ولا يتضمن وضع مبالغ لقاء المرور. إذ يمكن القيام بذلك إما عبر برامج طوعية أو توفير حوافز ضريبية للشركات وإقناعها بتغيير أوقات بدء العمل والانصراف خلال الأسبوع. ما يؤدي إلى السماح بعمل 10% من الركاب ضمن منازلهم  لمدة يوم واحد أو حتى نصف يوم في الأسبوع إلى حدوث تأثير إيجابي كبير على الازدحام. فستكون هذه التدابير أكثر فعالية من إضافة مسارات إضافية على الطرقات.

تحويل مسارات السيارات التي تحمل أكثر من راكب إلى ممرات للشاحنات أو النقل العام

تُعتبر مسارات السيارات التي تحمل أكثر من راكب فكرة فاشلة نظراً لأن 9% أو أقل من السيارات تحوي أكثر من راكب حالياً، وهو أقل من نصف ما كان عليه الحال قبل 35 عاماً. إذ سيؤدي تحويل بعض تلك المسارات البالغ طولها 4,500 كم لتصبح مسارات مخصصة لحركة الشاحنات إلى إحداث فرق كبير، خاصة في الطرق السريعة المزدحمة والمرتبطة بالموانئ الرئيسية ومحطات السكك الحديدية في البلاد. أما بالنسبة للنقل العام، فإنه أمر جذاب لمالكي السيارات فقط عندما يجعلهم يصلون إلى وجهتهم بشكل أسرع من ركوب السيارة. وفي المناطق التي تشكل كابوساً مرورياً، كمدينة نيويورك ولوس أنجلوس وهيوستن وواشنطن وسان فرانسيكسو، يؤدي تحويل تلك الممرات إلى ممرات حافلات عالية السرعة بديلاً رخيصاً عن بناء أنظمة سكك حديدية جديدة، ولا سيما مع إجراء شراكات مع شركات نقل عام لاستخدام تلك المسارات (كما تقترح شركة ليفت Lyft)، حيث ستسمح الإدارة الصحيحة للحافلات بعملها كقطارات تسير وراء بعضها البعض وبتكلفة بسيطة مقارنة بإنشاء سكة حديدية. وسيكون ذلك جذاباً بصفة خاصة لمن يسكنون في الضواحي ويُريدون الذهاب إلى المطارات الرئيسية أو أماكن عملهم في المدن.

الاعتراف بأنّ بعض الازدحام المروري جيد

تُعتبر الاختناقات المرورية على الطرق السريعة الرئيسية سيئة، لكن حركة المرور في مناطق الأعمال الرئيسية، وسط المدينة، والمناطق المركزية، علامة جيدة ودليل على أنّ النشاط الاقتصادي والتجارة والتسوق والترفيه في حالة ممتازة. كما أنه يشير إلى رغبة الناس أن يكونوا هناك. وعلى المدن الكبرى والبلدات إيقاف حركة المرور في شوارع مختارة من مدنها، وإضافة مسارات للمشاة والدراجات الهوائية لزيادة تحفيز النشاط الاقتصادي فيها.

يجب هنا التمييز بين “الشوارع” التي تُعتبر من عوامل تحريك الثروة، وبين “الطرق” التي هي قنوات لنقل الناس والبضائع من النقطة ألف إلى النقطة باء في أسرع وقت ممكن. كما يجب تخصيص طرق خاصة للوصول إلى الوجهات بسرعة وأمان وتخصيص الأماكن التجارية في مواقع أخرى بعيدة عن الطرق السريعة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تسويق

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz