يعرف أي شخص يتابع الصناعات الثقافية – كالفنون والموسيقى والمسرح والسينما – الخلافات القائمة بين الفنانين والجهات المستفيدة من مواهبهم، حيث تعد سلسلة الاستفادة التقليدية في صناعة الأفلام طويلة، وتمتد بين الجهات التي تبتكر الأفلام وتلك التي تدفع مقابل الحصول عليها كرواد السينما والمشتركين في خدمات شركات البث السلكية والأشخاص الذين يدفعون مقابل المشاهدة والجهات المعلنة والجهات المانحة للحقوق والجهات الراعية المؤسسية مثل المؤسسة الوطنية للفنون (National Endowment for the Arts)، وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من الوسطاء تشمل شركات البيع بالتجزئة على الإنترنت (أمازون، ووول مارت)، وخدمات بث مقاطع الفيديو (نتفلكس ويوتيوب وهولو)، والمسارح (وانداز إيه إم سي Wanda’s AMC وريغال Regal وسينمارك Cinemark)، ووكالات الإعلانات والإعلام (بروبغندا جي إي إم Propaganda GEM ووكالة أو إم دي التابعة لشركة أومنيكوم Omicom’s OMD)، ومنتجي الأفلام (كولومبيا بيكتشرز Columbia Pictures واستديوهات مارفيل Marvel Studios وديزني-بيكسار)، وموزعي الأفلام (سوني بيكتشرز ويونيفرسال ووارنر براذرز Warner Bros)، وشركات التسويق إلى المنزل (فوكس Fox وإتش بي أو HBO)، وشبكات التلفزة السلكية وأنظمة السواتل (كومكاست Comcast ودايركت تي في DirectTV)، ونقابات الفيديو (معهد إدارة المشاريع PMI وتي في إس TVS)، ومكتبات الأفلام وأرشيفها (إيست مان هاوس Eastman House وصور غيتي Getty Images)، ووكالات المواهب (وليام موريس إنديفور WME ووكالة الفنانين المبدعين CAA وآي سي إم بارتنرز ICM)، والتي تمتلك كل منها نظم العقود والمحاسبة الخاصة بها. إن هذه القائمة طويلة بشكل مذهل.

تأخذ كل جهة من هذه الجهات الوسيطة حصة من العائدات وتمرر البقية، حيث تصل البقايا عادة إلى الفنانين أنفسهم بعد مضي أشهر، وفقاً لأحكام العقود الخاصة بهم.

يُعدّ النفوذ في حالة الهيجان الشديد هذه مركزاً جداً بحيث استبعد العديد من الممثلين أنفسهم من القائمة من خلال إطلاق الشركات الخاصة بهم ضمن نموذج الصناعة القائم. ينطبق الأمر ذاته على قطاع الموسيقى أيضاً. على سبيل المثال، كانت إيموجين هيب، المغنية ومؤلفة الأغاني الفائزة بجائزة غرامي رائدة في المجال مع إطلاق "مايسيليا" (Mycelia)، وهي مركز تفكير وعمل يتمثل هدفه في "تمكين نظام صناعة موسيقى عادل ومستدام وحيوي يشمل جميع خدمات التفاعل الموسيقي على الإنترنت" باستخدام تقنية بلوك تشين "آرتليري" (Artlery)، وهي شركة أسسها تقنيون وفنانون تسعى إلى تحقيق الشيء ذاته للفنون المادية مثل المنحوتات واللوحات. لكن هذا الخيار غير متاح بالنسبة لمعظم الفنانين والمبدعين.

كيف تعمل تقنية بلوك تشين؟

أُدخل إلى المنصات القائمة على تقنية بلوك تشين والنماذج القابلة للبرمجة التي تدعى العقود الذكية (smart contracts). بلوك تشين هي منصة تكنولوجيا جديدة تعمل على ملايين الأجهزة ومتاحة لأي شخص، حيث لا يمكن نقل وتخزين المعلومات فقط بل أي شيء ذو قيمة – كالمال وصكوك الملكية والأعمال وحتى الموسيقى أيضاً والفنون والاكتشافات العلمية وغيرها من الممتلكات الفكرية – بأمان وخصوصية، إذ لا يتم بناء الثقة من خلال الجهات الوسيطة النافذة مثل استوديوهات الأفلام أو خدمات البث أو المصارف أو الشركات الأخرى، وإنما من خلال التعاون الجماعي والرموز الذكية.

بالجمع بين هذه التكنولوجيا الجديدة الفاعلة ووسط فني يُقدّر الشمول؛ والنزاهة؛ والشفافية في إبرام الصفقات؛ واحترام الحقوق؛ والخصوصية؛ والأمان؛ والتبادل العادل للقيمة، ستحصل على نظام جديد للأفلام السينمائية، وألعاب الفيديو والمساعي المبتكرة الأخرى.

كتب زاك لوبو، الرئيس التنفيذي لـ "سينغولار دي تي في" (SingularDTV)، منصة توزيع وإدارة المحتوى الرقمي القائم على تقنية بلوك تشين: "يُهدر قدر كبير من الطاقة الإبداعية غير المستغلة على الجوانب العملية التي تكون موجودة في حاضنة نموذج مركزي". تتمثل رؤيته في إضفاء الطابع اللامركزي على صناعة الترفيه ليتسنى للأشخاص المبدعين الاستفادة من الأفلام والفيديوهات والألعاب والفنون التي يساعدون في اِبتكارها، ويتوقع أن تساهم اللامركزية في "إيجاد عالم يستفيد من أفضل الإمكانات التي يتمتع بها كل شخص".

إن رؤيا لوبو ليست حلماً كاذباً، إذ تتعاون مختلف الشركات بالفعل بشأن تقنية بلوك تشين من أجل تطوير نظام يتمتع بخصائص ملائمة للفنانين مثل:

  • نماذج قيمة. لإبرام صفقات تحترم الفنان بوصفه رائد أعمال وشريكاً متكافئاً في أي مشروع. يرى لوبو أن نظام التعاقد الذكي الخاص بـ "سينغولار دي تي في" هو قوتها المحركة التي تُوجه باستمرار تدفق التمويل إلى المشاريع والعائدات المتأتية عنها وفقاً لأحكام الاتفاق المؤتمتة.
  • آليات التمويل. التي يمكن للفنانين بمقتضاها جمع رأس المال المساهم. على سبيل المثال، تعتزم الممثلة ميتزي بيرون استخدام واي فاند (WeiFund)، منصة الاكتتاب الرقمي القائمة على تقنية بلوك تشين، لتمويل جزء من العرض الأول لفيلم الإثارة الخاص بها "بريد" (Braid). خلافاً  لمنصتي كيك ستارتر (Kickstarter) وإنديغوغو (Indiegogoتساهم واي فاند في تحويل الداعمين إلى مستثمرين يتشاركون الأرباح في حال أصبح الفيلم مربحاً.
  • عائدات شاملة. تستخدم العقود الذكية تلقائية التنفيذ لتقسيم الأرباح بعدل ودون تأخير وفقاً لمساهمة كل شخص في العملية الإبداعية. لا يعود ذلك بالفائدة على الممثلين وكُتّاب النصوص والمخرجين فحسب، بل على الفنانين والمهندسين الآخرين أيضاً.
  • سجلات تتسم بالشفافية. موزعة على تقنية بلوك تشين لكي يتمكن كل شخص من الاطلاع على مقدار العائدات التي يولدها الفيلم ومن سيحصل على نسبة منها ومقدار هذه النسبة.
  • وظائف القياس المصغر والتسييل النقدي المصغر. من أجل بث العائدات فوراً إلى الفنانين والمساهمين، بنفس طريقة بث الأفلام للمشاهدين على الإنترنت. على سبيل المثال، يمكن لصناع الأفلام التسييل النقدي للمحتوى الذي يملكونه مباشرة من خلال إتاحته عبر "وايبر" (Wiper)، وهو تطبيق المراسلات المشفرة الذي يأتي مزوداً بمحفظة بيتكوين. يمكن للمستهلكين مشاهدة الأفلام على أجهزة الجوال الخاصة بهم مقابل بيتكوين.
  • تحليلات بيانات الاستخدام. أصبحت بين أيدي الفنانين أخيراً، بهدف جذب المشترين والموزعين المناسبين، والتخطيط للإعلانات، والتمويل الجماعي للمصادر من أجل أوجه التعاون الإبداعي المستقبلية مع الفنانين الآخرين.
  • إدارة الحقوق الرقمية (DRM). أي نشر العقود الذكية لتعظيم قيمة الحقوق الرقمية في قاعدة البيانات. على سبيل المثال، تعدّ سينغولار دي تي في (SingularDTV) مشاريع الأفلام والتلفاز والبرمجيات على تقنية بلوك تشاين بمثابة عملات إس إن جي إل إس (SNGLS tokens).
  • الحماية من القرصنة. عبر البنية التحتية الرئيسة العامة، التي تُمكّن الفنانين من تبادل ممتلكاتهم بشكل آمن مع المستهلكين عبر الشبكات. مثلاً، نشرت كاستوس ميديا تكنولوجي (Custos Media Technologies)، وهي إحدى الشركات الناشئة في جنوب أفريقيا، تقنية بلوك تشاين التي تحتوي على بيتكوين لرصد قرصنة وسائل الإعلام من خلال تحفيز جماعات تبادل الملفات على ضبط المحتوى المقرصن.
  • آليات تسعير حيوية. لتجربة الترويج والبرامج بأسلوب المزايدة التي قد تساهم في ربط نظام الدفع مقابل المشاهدة ومعدلات الترويج مع الطلب على الإنترنت لأحد الأفلام.
  • نظم السمعة. التي تستمد البيانات من تاريخ صفقات عنوان أحد العملات ووسائل التواصل الاجتماعي لإيجاد نقاط للسمعة لذلك العنوان. سيتمكن الفنانون من توطيد مصداقيتهم بالإضافة إلى مصداقية الشركاء المحتملين والإحجام عن إبرام الصفقات مع الهيئات التي تقصر في الوفاء بمعايير السمعة أو تفتقر إلى التمويل اللازم في حساباتها.

في هذا النظام الجديد، نشهد حيزاً مخصصاً لـ نتفلكس ويوتيوب؛ وحيزاً مخصصاً لتحديث الاستديو؛ وحيزاً مخصصاً للمحتوى الذي ينتجه المعجبون، وسيبقى قطاع الأفلام بحاجة إلى تدقيق الآخرين لمئات الملايين من ساعات مقاطع الفيديو المبتكرة يومياً في جميع أنحاء الكوكب. يتمثل الهدف الرئيس في تمكن الفنانين أنفسهم من التمتع بمركز جيد في النهاية وسط مائدة نظامهم بدلاً من أن يتضوروا جوعاً على أطراف موائد الآخرين كما جرت العادة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!