تابعنا على لينكد إن

يرتبط النجاح عادة ارتباطاً وثيقاً بمدى شغف المرء بعمله، ورغبته في تحقيق الانجازات، فزبائني وطلابي الذين يمكن وصفهم عموماً بأنهم “مدمنو عمل سعداء” يحبّون عملهم حباً جماً ويتمنّون لو كان يومهم أطول لينجزوا كل ما يريدونه (وهذه هي نظرتي إلى نفسي أيضاً). وبالتالي فإن مفهوم التوزان بين العمل والحياة الشخصية ليس مفيداً كثيراً لأناس مثلنا، لأن هناك دائماً المزيد من العمل الذي يجب انجازه، ونحن توّاقون للقيام به، ولن نقبل بأي شكل آخر للحياة. وفي بعض الحالات، وتحديداً عندما نكون في مناصب متدنية على السلّم الوظيفي في بداية حياتنا المهنية، هذه النزعة الموجودة لدينا قد تجعلنا عرضة للاستغلال عند وجود مدير غير مكترث أو ثقافة عمل مختلة داخل المؤسسة. وفي تلك اللحظات بالذات، نحن بحاجة إلى حماية أنفسنا لتجنّب الوصول إلى درجة الإنهاك. ولكن مع ارتقائنا للسلم المهني والوظيفي، نصبح أقل عرضة لهذه العوامل الخارجية، ويتعيّن علينا حماية أنفسنا أولاً وقبل كل شيء من دافعنا الذاتي الداخلي.

وإليكم إحدى الطرق التي قد تساعدكم في حماية أنفسكم. فقبل أعوام اقترح زميلي مايكل جلبرت بأن نستبدل مفهوم “التوازن” بمفهوم آخر هو “الحدود”: فبينما يتطلب التوازن أن نعمل على الموازنة بين مختلف المتطلبات التي تستهلك وقتنا وطاقتنا، توفّر “الحدود” طريقة مستدامة للإبقاء على الأشياء في مكانها المناسب. وقد استند جلبرت إلى خلفيته كعالم أحياء في وضع تعريف للحدود الصحية: “فتماماً كما تعمل الأغشية السليمة (التي تمرّر العناصر الصحيّة وتبقي العناصر السيئة في الخارج) على تسهيل التفاعل الصحي بين خلايا أجسادنا، فإن الحدود الشخصية السليمة تسهّل التفاعل الصحي بين مختلف أجزاء حياتنا. فالحدود السيئة تقود إما إلى أن نصاب بالإنهاك، أو إلى الانسحاب. أما الحدود الجيدة فتقود إلى التكامل والتآزر”.

ما الذي يعنيه هذا الكلام عملياً؟ وما شكل الحدود التي نحتاج إليها؟

الحدود الزمنية: وهي تعني تخصيص أوقات نقضيها حصراً بين أفراد عائلاتنا، وأصدقائنا، أو في ممارسة التمارين الرياضية، أو غير ذلك من النشاطات والهوايات غير المرتبطة بالعمل. لاحظوا أنني لا أتحدث هنا عن التوازن وإنما عن الحدود. وتتباين المدّة التي نخصّصها لممارسة نشاطات معينة دون تشويش أو انقطاع، وقد تكون عبارة عن فترات قصيرة، لكن المهم في الأمر هو أن نضع حدوداً واضحة لهذا الوقت، وأن نحافظ عليها.

الحدود المكانية: وجود هذه الحدود يضمن بأن نخرج من مكاتبنا ومقرّات عملنا في أوقات زمنية محددة، ويؤدي إلى خلق مسافة فعلية بيننا وبين عملنا (وهذا الأمر لا ينطبق على المكتب بحد ذاته فقط، وإنما يمتد ليشمل كل أدواتنا وتجهيزاتنا المرتبطة بعملنا مثل الحواسب المحمولة واللوحية، والهواتف، وغيرها). مجدداً أقول أن الأمر لا يرتبط بالموازنة بين العالمين، وإنما بإرساء حدود واضحة تضمن إيجاد الفصل الضروري.

الحدود الذهنية: هذه الحدود تساعدنا في مقاومة إغراء التفكير في عملنا، وتُجبِرنا على تركيز انتباهنا على الناس الذين نكون معهم، أو على النشاط الذي نقوم به. طبعاً أنا لا أدّعي أن المهمّة سهلة قطعاً، ولاسيما أن أموراً كثيرة في بيئة عملنا مصمّمة لجذب انتباهنا: مثل تنبيهات الرسائل الإلكترونية (الإيميل)، ورسائل التذكير، والعدد اللامتناهي من الأنوار والأيقونات التي تومض. فأن ندرك متى يكون انتباهنا أسيراً لعملنا وأن نحوّله إلى موضع آخر هو أمر يتطلّب المثابرة، وتكريس الجهود، لكن المكاسب المتحققة ستكون هائلة، ومرد ذلك جزئياً إلى أن انتباهنا المركّز هو واحد من أعظم مواردنا كبشر (أحد الأسباب التي تجعلني أنصح الناس بممارسة التأمل هو أنه يحسّن قدرتنا على التحكّم بانتباهنا وتركيزنا).

هذا التحوّل الدقيق، المتمثل بالانتقال من التوازن إلى إرساء الحدود، ليس بالمهمّة اليسيرة، لكنه يستحق التجربة كي نحاول أن نحمي أنفسنا من أنفسنا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz