تابعنا على لينكد إن

يسعى العديد من المدراء التنفيذيين والموظفين جاهدين إلى تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والحياة الشخصية، ويصارعون لتحقيقه. ويبدو أن إيجاد ما يكفي من الوقت خلال أيام الأسبوع لعيش حياة ذات معنى في المنزل، وفي الوقت نفسه إنجاز المهام الوظيفية التي تحظى بأولوية كبيرة، يجعلك في نهاية المطاف تشعر بالتقصير في الجانبين، ناهيك عن شعورك غالباً بحالة من الصراع والتوتّر. وبغية محاولة السيطرة على حالة التوتر هذه، يسعى كثيرون منّا إلى تحسين الحدود التي يفرضونها على أنفسهم، حيث نضع قواعد صارمة لتحديد الوقت المناسب لتفقد البريد الإلكتروني والوقت غير المناسب، ومتى يجب أن نأخذ هواتفنا المحمولة معنا ومتى لا يجب أن نأخذها معنا، ومتى يجوز لنا إنجاز بعض المهام الوظيفية في المنزل ومتى لا يكون ذلك جائزاً.

صحيح أن النصيحة الأفضل لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية ومنذ زمن بعيد كانت تقول بوجوب إيجاد حدود أكثر صرامة بينهما، لكنّ هناك بحثاً جديداً يشير إلى أن الفصل الصارم بين المهام الوظيفية والحياة الشخصية هو ربما ما يتسبب فعلياً بشعورنا بالتوتر. وبالتالي عوضاً عن ترك العمل في المكتب وترك المنزل عند عتبة البيت، فإن الجمع بين الاثنين قد يكون هو الاستراتيجية الأفضل لتعزيز الصحة والأداء.

ولكي نفهم السبب، يجب علينا أن نستوعب مفهوماً يطلق عليه علماء النفس اسم “الانتقال في الدور الإدراكي” (Cognitive Role Transition). فعندما تكون منخرطاً بفعالية في أداء دور معيّن، ولكن تراودك في الوقت ذاته أفكار ومشاعر ذات صلة بأدوار أخرى، فإنّك في هذه الحالة تمرّ بما يسمّى “الانتقال في الدور الإدراكي”. وغالباً ما تكون هذه الانتقالات سهلة وعابرة (مثل تذكّر عيد ميلاد أحد والديك أثناء وجودك في سهرة مع أصدقائك)، ولكن كلما كان الفصل بين الأدوار أكبر، كلما كان هذا الانتقال أكبر.

أثناء وجودك في مكان العمل، يمكن أن تكون هذه الانتقالات في الدور الإدراكي مصدراً للتوتر بالنسبة لك. فعندما تخطر على بالك فكرة على صلة بالمنزل أثناء وجودك في المكتب، فإنك تمرّ بحالة من الانتقال الإدراكي من دور العمل إلى دور المنزل. وحتى لو كان هذا الانتقال عابراً، إلا أنه يمكن أن يستنزف طاقتك وتركيزك المطلوبين لأداء العمل. والأمر ذاته يصح على المنزل: فربما تكونين على مائدة العشاء مع زوجك، وفجأة تلمع في ذهنك فكرة متعلقة بالعمل. وهذا يتطلب منك بذل جهد لكي تطردينها من ذهنك.

بما أن هذه الانتقالات في الدور الإدراكي تحتاج إلى مجهود، فإن معظم النصائح السابقة بخصوص التعامل معها كانت قد أشارت إلى ضرورة تقليلها إلى الحد الأنى من خلال فرض حدود صارمة ومنضبطة بين هذه الأدوار. لكنّ باحثين من جامعتي “بول ستيت يونيفرسيتي” و”سانت لويس يونيفرسيتي” قد توصّلوا الآن إلى أن العكس قد يكون صحيحاً ربما – أي أن تمييع الحدود الفاصلة بين الحياة الشخصية والعمل والجمع بينهما قد يساعدنا على التعامل مع الانتقالات في الدور الإدراكي بصورة أفضل، كما أنه يحدّ من استنزاف قدراتنا الإدراكية.

وقد شمل البحث، الذي نشر مؤخراً في المجلة العلمية “العلاقات الإنسانية” (Human Relations)، أكثر من 600 موظف ممّن سبق أن شاركوا في دراسة عائلية شملت مسحاً لعائلات من الطبقة الوسطى في أنحاء أميركا تضمّ أبوين عاملين. وقد ركّز الباحثون بقيادة براندون سميت على اللحظات التي أوردها المشاركون في الدراسة والتي خطرت لهم فيها أفكار، إمّا ذات صلة بالعمل أو غير ذات صلة به.

وقد توصّل الباحثون إلى أن الناس الذين يضعون حدوداً مائعة بين مهامهم العائلية ومهامهم الوظيفية اختبروا عدداً أكبر من الانتقالات في الدور الإدراكي، لكنهم شعروا باستنزاف أقل أيضاً جرّاء هذه الانتقالات. وعلاوة على ما سبق، عندما حاول الناس الفصل بين العمل والحياة الشخصية في المنزل، فإنّ الانتقالات التي شعروا بها في الدور الإدراكي لديهم كانت تحتاج إلى مجهود أكبر، وهو أمر أثّر على أدائهم سلباً. كما أنّ تكرار النوبات بوتيرة أكبر زاد من احتمال تبنّي الموظفين لاستراتيجيات بهدف الانتقال بين الدورين بقدر أكبر من الكفاءة. ويمكن تفسير ذلك على النحو التالي: بما أن العمل والحياة الشخصية أكثر تكاملاً وتداخلاً وأقل انفصالاً، فإنّ من الأسهل بالنسبة لهؤلاء الأشخاص طرد الأفكار المتعلقة بالمنزل من ذهنهم، كونهم يعلمون بأنهم سيعودون إلى ممارسة الدور المنزلي في وقت قريب. وهذا قد يكون السبب الذي يفسّر لماذا كان الموظفون المشاركون في الدراسة، والذين كانوا يتبنّون حدوداً أكثر ميوعة بين العمل والحياة الشخصية، هم من عانى من اضطراب أقل في الأداء الوظيفي عندما كانت الحالات المتعلقة بالمنزل قد قاطعتهم خلال أدائهم لعملهم. ولكن قد يكون السبب أيضاً هو أن تكرار الانتقالات في الأدوار بوتيرة أكبر قد سهّل على هؤلاء الأفراد طرد الأفكار من ذهنهم بقدر أقل من قوّة الإرادة (ربما كان الأمر بسهولة تحريك عضلات أيديهم في تمرين رياضي).

وفي هذا الصدد قال الباحثون: “على المدى البعيد، قد يكون من الأفضل السماح لخيال الموظفين بأن يسرح، والسمح لهم بأن يتلقوا الاتصالات الواردة من المنزل بين الفينة والأخرى عوضاً عن وضع سياسات تفرض إقامة حدود صارمة وغير مرنة، وهو أمر قد يثنيهم عن تطوير أساليب عملية تمكّنهم من التناوب في أداء الدورين”. بالنسبة للشركات، هذه النتائج تعني ضمناً أيضاً وجود مكاسب إضافية من البرامج التي تعتمد على قواعد مرنة في العمل والدوام، مثل تمتّع الموظفين بالمرونة في أوقات الحضور إلى العمل والخروج منه، وكذلك السماح للموظفين بالعمل انطلاقاً من المنزل. أمّا بالنسبة للأفراد، فلا تكتفي الدراسة بالسماح لخيالك بأن يسرح أثناء وجودك في العمل (أو في المنزل)، وإنما تعطيك شيئاً من الصفح والمغفرة، لأنك إذا تركت حياتك الشخصية تتدخّل في عملك فإنّ ذلك قد يزيد من إنتاجيتك على المدى البعيد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "بحث: الفصل بين العمل والحياة الشخصية لا يستحق المتاعب التي يخلقها"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
rakanslh
Member
rakanslh
4 شهور 3 أيام منذ

جميل وواقعي خاصة في جزئية مرونة العمل والتخلص من بعض القيود على الموظفين مما سيشكل مردود جيد لنتائج العمل.

wpDiscuz