لقد باتت كلمة “بيروقراطية ” مصطلحاً شاملاً يستخدم للدلالة على الطرق الكثيرة التي تبدد من خلالها الشركات والمؤسسات قدرات عمالها. وسواء من خلال الأعمال الورقية عديمة الفائدة، أم بفعل المواعيد غير الواقعية المحددة لتنفيذ المشاريع، يمكن لبيروقراطية الجهاز الإداري أن تمنع العمال من تنفيذ مهامهم المفيدة التي تصب في نهاية المطاف في صالح الشركة أو المؤسسة التي يعملون فيها. ولذلك ينظر الموظفون إلى البيروقراطية بوصفها وحشاً لا يمكن تحريكه يقف في طريقهم نحو عمل فعال ويحقق ذواتهم.

ومع ذلك، من المستحيل عملياً إبعاد العناصر البيروقراطية عن عمل المؤسسات. فالمشاريع التي تتطلب عملاً تقنياً معقداً يجب تتبعها وتنسيق مهامها في ما بين الأقسام المختلفة، ولا بدّ أيضاً من حساب الموازنات، وكذلك يجب الحفاظ على التكاليف بما يتفق مع الخطط الموضوعة. وفي حين تنجح بعض المؤسسات أكثر من سواها في حماية موظفيها ذوي الخبرة من التأثيرات السلبية لإجراءات التوثيق والتخطيط وحساب التكاليف وبيانات الموازنة (واللائحة تطول)، هنالك حدود لما يستطيع المدراء فعله.

لقد قارنا في بحثنا، الذي نشرناه بالأصل في مجلة علوم الإدارة الفصلية (Administrative Science Quarterly)، بين نمطين متضادين من الإنتاج: شركة إنتاج أفلام سينمائية، وشركة إنتاج معدات أشباه الموصلات. لقد وجدنا في الحالتين دلائل كثيرة على وجود البيروقراطية. وفي الحالتين نجح الموظفون في الالتزام بما تتطلبه تلك البيروقراطية بأقل قدر من التذمر أو الإحباط. وجدنا أنّ الموظفين الخبراء استطاعوا إيجاد طريقة جعلوا من خلالها البيروقراطية تعمل لصالحهم.

لماذا؟ يتمثل أحد الأسباب في أنّ الموظفين من ذوي الخبرة في الشركتين أدركوا أنّ إنجاح الإجراءات البيروقراطية يسمح لهم ولزملائهم بالسيطرة على الأمور وضمان تنفيذ المهام التي يرونها أساسية.

فقد تنامى إلى مسامع كامل مدير الإنتاج أثناء تصوير بعض مشاهد إحدى الأفلام في مدينة نيويورك، أنّ الممثل الرئيسي مصاب بالزكام وأنّ فريقه يرغب في أخذه لمراجعة الطبيب، فبادر كامل إلى الاتصال بمحاسب استوديو التصوير لمعرفة تكلفة التوقف عن التصوير باكراً، ومن ثم اتصل بقسم إدارة المخاطر المسؤولة عن الفيلم، لمعرفة ما إذا كانت بوليصة تأمين استوديو التصوير (التي تغطي تكاليف انقطاع التصوير بسبب مرض الممثلين أو إصابتهم) تشمل فعلياً إصابة الممثل بالزكام. ثم اجتمع كامل بالمنتج والمدير المساعد لتحديد المشاهد التي يمكن تصويرها في غياب الممثل الرئيسي. فقد كان كامل يرى أنّ التعامل استباقياً مع هذه القيود البيروقراطية يسمح لفريق التصوير متابعة أعماله المخطط لها من دون خسارة كبيرة.

ويمكن للناس الاستفادة من البيروقراطية إلى جانب رغبتهم في الإمساك بزمام مهامهم الأساسية، وذلك عندما ينظرون إليها بوصفها عبئاً مشتركاً، لا فردياً.

ويعني هذا في بعض الحالات إدارة الأعباء البيروقراطية على نحو تراتبي، بحيث يتحمل موظفو المستويات العليا في الإدارة الجزء الأكبر من تلك الأعباء، الأمر الذي يحمي موظفي المستويات الأدنى من الخوض في الإجراءات البيروقراطية. وهذا ما جرى في مثال شركة تصوير الأفلام، حيث عمل المدير كامل على حماية العاملين في الميدان من تلك الإجراءات. وفي المقابل، كان الخبراء في شركة إنتاج معدات أشباه الموصلات من مختلف الاختصاصات التقنية غالباً ما يعملون معاً لحل المشاكل البيروقراطية قبل حتى أن تشعر بها إدارة الشركة.

ففي إحدى الحالات، كان على التقنيّين مازن وإياد إضافة مفتاح جديد إلى الجهاز الذي كانا يصنّعانه، ولكن لم تكن في الجهاز أي ثقوب حرة لإشغالها بلوحة المفتاح. ولقد شكل ذلك مشكلة بيروقراطية وتقنية بنفس الوقت، إذ إنّ الشركة تفرض التطابق التام بين المخطط الهندسي للجهاز وشكل الجهاز على أرض الواقع، كما تفرض الالتزام التام بتوثيق أي تغيير يطرأ على تصميم الجهاز. وهكذا اجتمع التقنيان بالمهندس باسل في المختبر وناقشوا الأمر، وبالنتيجة قام مازن بحفر الثقوب في الجهاز وتركيب لوحة المفتاح الجديدة، في حين عدل المهندس باسل المخطط الهندسي للجهاز بما يتفق والمفتاح الجديد. وهكذا تعاون الفريقان التقني والهندسي لحل المشكلة التقنية والالتزام بالقواعد البيروقراطية في الوقت نفسه، بغية تفادي أي أخطاء محتملة سواء أكانت في التوثيق أم في التصنيع.

وبدلاً من أن تثقل البيروقراطية كاهل الموظفين الذين التقيناهم، كانوا يعملون استباقياً لضمان الالتزام بالمتطلبات البيروقراطية. وربما يكون السبب في ذلك أنّ مؤسساتهم منحتهم، بفضل ما يتمتعون به من خبرة، سلطة التصرف وقدراً أكبر من حرية اتخاذ القرار ضمن حدود مسؤولياتهم، في حين رأى أولئك الموظفون أنّ الالتزام بالمتطلبات البيروقراطية إنما يضمن لهم فرصة الاحتفاظ باستقلاليتهم.

وننصح المدراء الذين يرون أنّ الإجراءات الورقية البيروقراطية تزعج موظفيهم وتدفعهم إلى التذمر، بأن يحاولوا فهم ما يمكن أن يطلب أولئك الموظفون لقاء قبولهم بتلك الإجراءات: كالمزيد من الاستقلالية، أو المزيد من تقدير الزملاء (لقاء حماية فريقهم من التأخيرات والتدخلات الخارجية)، أو المزيد من التعلّم.

وبالمحصلة فإنّ الجواب الأفضل على تصاعد الأصوات المتذمرة حول البيروقراطية، قد لا يكون إلغاؤها من أساسها، بل ربط المهام البيروقراطية بإيجابيات يراها العمال والموظفون تستحق تحمّل العناء.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!