يمكن للطرد أن يكون مدمراً جداً للشخص، وبخاصة لمن يتفانى في عمله. اضطررت خلال عملي كمدير في عالم الشركات التقنية الناشئة، والتي تكون فيها وتيرة العمل أسرع والتغييرات فيها متوالية، إلى تسريح الكثير من الأشخاص الجيدين. كنت أقوم بذلك وأنا مدرك تماماً كم كان الأمر مؤلماً لهم. إلا أنني تعلمت النظر إلى هذا الأمر بطريقة مشتقة من خبرتي في فن المبيعات. يتضمن طرد الأشخاص عنصراً من عناصر فن البيع، إذ يتطلب التعاطف وطرح الأسئلة الصحيحة، وتوجيه الشخص إلى النتيجة التي تريدها بطريقة أصيلة وصادقة. كنت أقوم، خلال قيامي ببيعه فكرة أنه لن يكون بعد اليوم في الشركة، بمساعدته في الوقت نفسه على رؤية ما هو الأفضل له. قد يبدو هذا تلاعباً أو قسوة، إلا أنه ليس كذلك. فهذه الطريقة كانت تسهّل الأمر كثيراً على الموظف، إذا استُعملت بالطريقة الصحيحة.

قمت قبل فترة بطرد مديرة محتوى. كان سبق لها وأن عملت في مجال المبيعات، وكانت أيضاً كاتبة جيدة وأرادت تجربة إدارة محتوى أحد أعمالي. ظننت أن شخصاً مبدعاً في مجالي الكتابة والمبيعات معاً سيكون الخيار الأفضل لهذا المنصب، إلا أن الأمر لم ينجح. كنت بحاجة إلى التخلي عنها وتعيين شخص آخر لديه معرفة أكبر بتطوير المحتوى.

لم يكن وارداً أن أكتفي بتسريحها ببساطة. فالأمر لم يكن منطقياً بهذا الشكل. كان لديها علاقات مع حوالي 30 شخصاً خارج الشركة يقدمون لنا المحتوى، وكانوا مهمين لأعمالنا. بالتالي لو غادرت فجأة، قد تتضرر علاقاتنا بهم. كنت أريدها أن تبقى لفترة انتقالية، وهو ما كان سيعد جيداً لها أيضاً، وسيعطيها وقتاً للبحث عن الوظيفة المناسبة.

خضنا محادثة صعبة، وأوضحت لها لمَ عليّ التخلي عنها، ولمَ لكن تكن “مناسبة للعمل”. ثم سألتها: "ما هي أهدافك؟ ماذا تريدين أن تحققي في حياتك المهنية؟”. ردت بأنها ترى أن عليها العودة إلى المبيعات وأن هذا ما تريده. آنذاك، لم يكن لدي أي شواغر قد تناسبها، لكنني كنت قد حددت هذا الاجتماع مع معرفتي المسبقة بعدد من الاحتمالات الأخرى التي قد تكون مفيدة لها (في الشركات الناشئة، أنت تقوم بالتعارف طوال الوقت عبر لقائك مدراء أعمال يسألونك إن كنت تعرف مرشحين لشغل شواغر لديهم). بالتالي أخبرتها عن وظيفة كنت أظن أنها مناسبة لها. كنت على اتصال مع المسؤولين التنفيذيين في تلك الشركة، وأخبرتهم عنها وقلت لهم إنها ستكون المرشح الأفضل لملء الشاغر الذي لديهم. باتت تعمل هناك منذ أكثر من عامين وتحب عملها الجديد جداً.

تحدث مثل هذه الأمور كثيراً في شركات وادي السيليكون مع قيام الشركات بإنشاء الكثير من الشبكات لجلب الكفاءات إليها. لكنك في الوقت ذاته لن تكون قادراً قطعاً على مساعدة شخص طُرد لقيامه بأمر فظيع أو لا يمكن الوثوق به مثلاً، لكن في مثل هذه الحالات، ستكون عملية الطرد أقل صعوبة.

عندما أضطر للتخلي عن أشخاص موهوبين حاولوا جهدهم النجاح معي إنما دون فائدة، مثل مديرة المحتوى السالف ذكرها، أقوم بالاستعداد للمحادثة متحلياً بثلاثة أمور أساسية:
- التعاطف. أُبرز اهتمامي بهم ورغبتي في أن يحطوا في مكان آخر رائع إن لم يعد في الإمكان بقائهم لدي.
- الفضول: أريد أن أعرف ما هي أهدافهم.
- الخطة: أقوم بالأبحاث اللازمة قبل عملية التسريح بحيث آتي إلى الغرفة حاملاً كل الأفكار الممكنة لمساعدتهم على المضي قدماً.

إذا كانت هناك مهارات يحتاج الموظف للعمل عليها لأجل بلوغ أهداف معينة، أقوم بمناقشتها معه حيث أقوم بالتوصية بكتب وتدريبات معينة فضلاً عن وظائف في شركات أخرى قد تتيح له الحصول على ما يريد تعلمه.

لن أدعي أن هذا النهج ينهي الألم والضرر تماماً، أو أنني دوماً قادر على إيجاد فرصة جديدة للموظف، إلا أنني أحاول كل جهدي التقليل من الصدمة. كما أنه عندما يبدأ العاملون الموهوبون لدي بالعمل في مكان آخر، أريدهم أن يكونوا سفراء جيدين لي، وأريدهم أن يتحدثوا بسعادة عن فترة عملهم معي وأن يبقى حبهم لشركتي في قلوبهم. ستبقى شركتي مذكورة ضمن سيرهم المهنية وضمن ملفهم التعريفي على “لينكد إن”. لن يذكروا أنهم طُردوا، بالتالي لن يعرف أحد بذلك ما لم يستفسر مدير العمل الجديد عن الأمر. إذا انتهى المطاف بنجاح موظفي السابق في مكانه الجديد، سيؤدي ذلك إلى إثارة انطباع بأن شركتي لديها القدرة على اكتشاف المواهب ويمكن أن يعطيها هذا دفعة قوية، وهو ما سيجذب المواهب إلي لاحقاً. يمكنك الاطلاع على أبرز مثال عن هذا في المقال الذي يحمل عنوان “PayPal Mafia”.

ما زلت على تواصل مع مديرة المحتوى التي فصلتها من العمل وغيرها، حيث نتبادل رسائل التشجيع عند الاطلاع على أخبار جيدة في شركة أحدنا. كلانا يعلم أنه رغم صعوبة تلك اللحظة لكلينا، إلا أنها أوصلتنا إلى أماكن أفضل لاحقاً.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!