حققت الصين إنجازاً استثنائياً في التحول من واحدةٍ من أفقر بلدان العالم إلى ثاني أكبر اقتصادٍ في العالم خلال ثلاثين عاماً فقط. إلا أن عوامل تطورها الناجح ما تزال بعيدة عن كونها ثابتةً أو مفهومةً بصورة جيدة. ومع وجود الكثير من الجدل الآن حول سبب التباطؤ الحاصل في الصين والمسار الذي يتجه إليه هذا التباطؤ، فإنه يستحق التركيز على ما تكشفه الأدلة عن الأمور التي دفعت النمو في الماضي والأمور التي يمكن أن تُحافظ على دوران عجلة الاقتصاد في السنوات المقبلة.

فلننظر في إنتاجية كل من رأس المال والقوة العاملة. حيث يقيس ما يدعوه الاقتصاديون "إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج" مقدار المخرجات التي تم إنتاجها من مدخلات وحدات رأس المال والقوة العاملة. ويجد البعض دليلاً على وجود تحسنٍ واضح في إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج، حيث بدأت الإصلاحات الموجهة نحو السوق عام 1979، ومن المقدر أن ازدياد إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج قد ساهم في 40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبةٌ تعادل تقريباً مقدار ما ساهم به الاستثمار في الأصول الثابتة. وقد حدث أيضاً تباطؤ في إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج بعد منتصف تسعينيات القرن العشرين. وفي عام 2005 قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية معدل النمو السنوي في إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج بنسبة 3.7% سنوياً خلال الفترة بين عامي 1978-2003، لكنه تباطأ ليهبط إلى نسبة 2.8% في نهاية تلك الفترة.

غالباً ما تكون تفسيرات نمو إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج مثيرةً للجدل، لكن التباطؤ الذي حصل في الصين عند نهاية القرن تزامن مع تباطؤ نمو الدخل في المناطق الريفية والعجز الصناعي، فضلاً عن تراجع آثار إعادة تخصيص رأس المال دفعةً واحدة من المؤسسات التي تملكها الحكومة إلى الشركات الخاصة. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة كبيرة أن الإنتاجية تحسنت إلى حدٍ كبير عندما انتقل العمال من الشركات التي تملكها الدولة -حيث لم يكن هناك حافز كبير للعمل بجد- إلى القطاع الخاص. لكن بعد تلك الدفعة الأولية تباطأت تلك الزيادة في الإنتاجية. وقد تمت خصخصة الغالبية العظمى من الشركات التي تملكها الدولة على نحوٍ فعال بين منتصف وأواخر تسعينيات القرن الماضي، حيث انخفضت من أكتر من 10 مليارات إلى حوالي 300 ألف في أوائل القرن الحادي والعشرين. لذا، ورغم أنه ما يزال هناك مجالٌ لحدوث تغيّر في البنية الاقتصادية -بما في ذلك استمرار التمدن حيث ينتقل الناس من المزارع قليلة الكفاءة إلى وظائف مدنية أكثر كفاءة، إلا أن مجال حدوث قفزة كبيرة في الإنتاجية دفعة واحدة أصبح الآن أقل، ولن يكون مصدراً كبيراً للنمو في المستقبل. وتشير التقديرات إلى أن حوالي 8% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين يقوده انتقال الموارد من القطاع العام إلى القطاع الخاص.

ماذا عن المكاسب غير المباشرة المرتبطة بالاستثمار الأجنبي المباشر والمشروعات المشتركة والارتباطات الأخرى بالدول المتقدمة؟ لا شك أنه كان لكل ذلك أثر على اقتصاد الصين منذ انطلاقته بداية عقد التسعينيات إلى منتصفها. وقد بينت الدراسة التي أجريتُها مع جون فان رينين أن نمو الناتج المحلي الإجمالي سيكون أقل بنسبة ما بين 0.43 إلى 1% سنوياً لولا المشروعات المشتركة التي سمحت بنقل المعرفة والتكنولوجيا عوضاً عن الابتكار المحلي. وبالتالي يمكن أن تشكل المكاسب الإيجابية غير المباشرة ومحاكاة الخبرات الموجودة ما بين ثلث إلى ثلثي إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج، لكنها قد تكون مثار جدل إذا جرت عن طريق القرصنة بدلاً من الدفع مقابل الحصول على الترخيص. وهذا يعني ضمناً أن إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج التي يقودها الابتكار والتقدم التكنولوجي (المستقل عن الاستثمار الأجنبي) تشكل حوالي 5 إلى 14% من نمو الناتج المحلي الإجمالي.

المكون الكبير الآخر للنمو الاقتصادي هو مقدار زيادة المخرجات الناجمة عن زيادة المدخلات -عن طريق إضافة المزيد من رأس المال أو العمال- وهو ما يدعوه الاقتصاديون تراكم عوامل الإنتاج. وقد وجدت العديد من الدراسات أن نمو اقتصاد الصين كثيف العمالة إلى حد كبير مع وجود مستويات عالية من استثمار رأس المال الثابت. وقدرت الأبحاث أنه يمكن أن يُعزى ما بين 10 إلى 20% من نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نمو القوة العاملة، بينما يمثل رأس المال حوالي نصف ذلك النمو. ولكن من الضروري أيضاً معرفة ما هو الجانب الذي ينتج عن العمال المهرة (وهو ما يدعى عادةً رأس المال البشري). بعبارةٍ أخرى، لا يقتصر النمو فقط على إضافة المزيد من العمال، بل إن نوعية هؤلاء العمال مهمة أيضاً. وقد ناقش خبراء آخرون على سبيل المثال أن النمو الاقتصادي يقوده التحسن في التعليم وأن المهارات تمتلك القدرة على أن تصبح مستدامة بصورة أكبر. ويشكل رأس المال البشري ما بين 11 إلى 15% من نمو الصين. وبالتالي يمثل تراكم عوامل الإنتاج (رأس المال والعمالة) حوالي 60 إلى 70% من نمو الناتج المحلي الإجمالي.

وبسرد الأدلة بإيجاز نرى أن تراكم رأس المال يشكل 3.2 نقطة مئوية من نسبة 7.3% من نمو إنتاج العامل الواحد بين عامي 1979 و2004، وتشكل إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج 3.6 نقطة مئوية. ومنذ انطلاقة سياسة "الباب المفتوح" الجديدة في بداية عقد التسعينيات، شكل تراكم رأس المال 4.2 نقطة مئوية من نسبة النمو التي بلغت 8.5% في الصين، والمثير في الأمر أنه كان يفوق مساهمة إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج التي بلغت 3.9 نقطة مئوية في الإطار الزمني نفسه. وتشير هذه التقديرات إلى أن تراكم رأس المال ساهم في حوالي نصف النمو الاقتصادي في الصين، وهو ما يتوافق مع تقديرات أخرى وجدت أن السبب في معظم النمو الصيني هو تراكم رأس المال وليس نمو إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج. وهذا يعني أن مرحلة النمو القادمة سوف تحتاج التركيز على إنتاجية إجمالي عوامل الإنتاج أو زيادة الإنتاجية الكلية لعوامل النمو في الصين. وسيكون تحقيق المزيد من الاستفادة من العمال والاستثمارات أمراً أساسياً، بل ربما أحد أصعب التحديات التي يواجهها أي اقتصاد يسعى للمزيد من الازدهار.

وكي تحقق الصين طموحها في تعزيز النمو لثلاثين عاماً أخرى، فإنها لن تحتاج التطور التكنولوجي وتحسين رأس المال البشري فحسب، بل سوف تحتاج أيضاً إلى إصلاح سلطة القانون والدور الحكومي وإعادة التوازن الاقتصادي. وستتضمن إعادة التوازن الاقتصادي تعزيز الطلب المحلي (الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي) من أجل تحقيق النمو بسرعة أكبر من التصدير والتحول باتجاه الخدمات (بما في ذلك المجالات غير القابلة للتداول التجاري)، والابتعاد عن الزراعة وزيادة التحول نحو الحياة المدنية بغية زيادة الدخل، والسماح بالمزيد من تحرير القطاع الخارجي، بما في ذلك تدويل اليوان.

سيتطلب تحقيق هذه الأهداف أيضاً دراسة دور الدولة في الصين والنظام القانوني. فالاحتفاظ بالشركات الكبيرة التي تملكها الدولة وبقاء مجال العمل غير العادل بالنسبة للشركات الأجنبية أو شركات القطاع الخاص المحلية يثير الشكوك حول كفاءة أسواق الصين، وبالتالي قدرتها على التغلب على "فخ الدول متوسطة الدخل"، حيث يبدأ اقتصاد البلدان في التباطؤ بعد بلوغه المستويات العليا للدخل المتوسط. ويتطلب تحقيق الصين كامل إمكاناتها كقوة اقتصادية عظمى القيام بإصلاحات في كلٍ من عوامل الاقتصاد الجزئي التي تحرك الإنتاجية فضلاً عن إجراء تحول كبير في بنيتها الاقتصادية.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!