هل تريد تغيير العالم؟ إذن لا تدع نجاحك يعيقك عن ذلك

5 دقائق
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تهانينا! لقد حققت نجاحاً في مجالك، ولكنه بشكل أو بآخر غير كاف. فالقضايا الاجتماعية أو العالمية التي تجذبك نحو غاية ما في تزايد، وتريد أن تستخدم كفاءاتك كي تساهم في حلها أكثر. أو ربما، قررت شركتك أن مستقبلها يعتمد على إظهار أثرها الإيجابي على المجتمع، وأوكلت إليك مهمة قيادة هذه الجهود.

لست وحدك في ذلك. ففي كل مرحلة من مراحل الحياة، هناك مجموعة مخاوف متنامية بشأن إجراء تغييرات إيجابية في العالم عن طريق إيجاد حلول لمشاكل مجتمعية كبيرة. إذ يخرج الطلاب في تظاهرات للمطالبة باتخاذ إجراءات فيما يخص التغير المناخي والعنف المسلح، ويصنع رواد الأعمال بدائل اللحم ومواد تنظيف صديقة للبيئة، وتستثمر شركات رأس المال المغامر (أو ما تسمى شركات رأس المال الجريء) في مؤسسات غير ربحية تهدف إلى الحد من عدم المساواة في التعليم، كما يعمل أهم الرؤساء التنفيذيين والمحامين على ابتكار حلول لأزمة اللاجئين وصحة المحيطات والغذاء بكلفة ميسرة للشعوب التي تعاني من المجاعات.

لقد توصلت من خلال بحثي وعملي مع القادة إلى أن امتلاك القيم والطموحات الصحيحة ليس بالأمر الكافي. فهذه المشكلات الشائكة تبقى مستعصية لأنها معقدة وغامضة وتشمل عدة اختصاصات وقطاعات وتضم مساهمين شرسين وتحتاج إلى الابتكار. أضف إلى ذلك أنه في بعض الأماكن يبدو الناس والمجتمعات رافضين للمساعدة المقدمة لهم ويقابلونها بالشك أو الريبة.

يشكل المدراء والمهنيون الناجحون نقاط قوة هائلة تضاف إلى هذا النوع من حل المشكلات. ولكن هناك مفارقة كبيرة، فالأشخاص الأكثر أهلية لمواجهة هذا النوع من التحديات متعددة القطاعات، يكون نجاحهم العائق الأكبر لهم غالباً. خذ مثلاً أحد المسؤولين التنفيذيين الذي أخبرنا أنه عندما حاول فتح منشأة في مجتمع متعدد الأعراق، خذله نمط القيادة الاستبدادي والتكنوقراطي الذي عمل في ظله طوال حياته المهنية. إذ شعر أنه فقد القدرة على تذوق غنى الثقافة وبناء العلاقات والتصرف كمستشار لا كقائد يمارس الإدارة التفصيلية على الحلول التقنية.

وكي تكون جهود القادة فعالة بما يكفي لتؤثر في العالم، يجب أن يتجاوزوا الحواجز الستة التي تنشأ من نجاحهم.

تعتقد أنك تعرف كل شيء. كلما حقق القائد مكانة أكبر يشتد اعتقاده بأنه يعرف كل ما يجب عليه معرفته، وتزداد صعوبة التلفظ بالكلمتين اللتين يعاني جميع القادة من صعوبة في قولهما: “لا أعلم”.

ومن دون تبني موقف التعلم، سيكون من الصعب أن نتعامل مع مشاكل غامضة محفوفة بالشكوك، وأن نحصل على أدوات أو معارف جديدة ونستعملها. خذ مثلاً قائدة في مؤسسة عالمية للتخفيف من وطأة الفقر، إذ أفصحت عن الأمر الذي يشكل كابوساً لها، وهو أن يبدأ القادة الذين كانوا موظفين في المصرف الاستثماري بسحق القرى الأفريقية وهم يحاولون إملاء ما يجب على فريقها فعله. قد لا يصب ما يعتقد القادة التنفيذيون أنهم يعرفونه في صالح المجتمع.

لست معتاداً على معارضة أحد لك. إحدى ميزات النجاح الهامة هي وجودك ضمن مجموعة من الأشخاص الذين يتحدثون بنفس لغتك المهنية وتتفقون جميعاً فيما بينكم على المبادئ الأساسية. وفي المقابل يعزلك هذا النجاح عمن يحملون معتقدات مغايرة جداً. بعض الرؤساء التنفيذيين محاطون بفقاعة من المؤيدين، ويعيشون ويعملون من وراء البوابات أو الحراس ويطلعون على الأخبار التي ينتقيها مساعدوهم ويحضرون فعاليات مع نظراء يملكون عقليات مماثلة لعقلياتهم. وغالباً ما يكون الناجحون محاطين بأشخاص يمدحونهم، وقد يؤدي تصديق كلمات المديح وعدم سماع وجهات نظر مختلفة إلى خداع النفس. ولهذا نصاب بصدمة عندما نرى أن هناك أشخاصاً من أقسام أخرى أو مناحي مختلفة من الحياة يعتقدون أنهم يعرفون أكثر منا بشأن مشكلة نتعامل معها، ويعبرون عن قيم ووجهات نظر مغايرة جداً.

تتوقع أن يكون لديك جيش ممن يقدمون لك المساعدة. يعتمد الناجحون على أشخاص آخرين في تأدية مهماتهم الروتينية. وفي الحقيقة، إحدى الميزات التي تأتي مع السلطة هي أن تجد نفسك محاطاً بمجموعة كبيرة من الأشخاص الذين يساعدونك في إنجاز الأعمال عن طريق إكمال ما تبدأه أنت. اعتاد الجنرال في جيش الولايات المتحدة، كولن باول، على وجود فريق من 90 شخصاً يقومون بكل شيء بدلاً عنه. وفي اليوم التالي لمغادرته الجيش، (وقبل أن يصبح وزيراً للخارجية)، كان عليه أن يصلح حوض المطبخ بنفسه لأول مرة منذ أعوام.

فأجهزة المساعدة الرئيسية والمساعدون لا يقدمون المساعدة المباشرة ببساطة، وإنما يتعلمون ترجمة مزاج القادة ورغباتهم وتوقع تفضيلاتهم أو طلباتهم وتلبيتها قبل أن تُطلب أساساً. وعندما يجد الشخص الناجح نفسه في ظروف جديدة، يفترض أنه سيجد حوله من يفهمه ويقدم له الخدمات بنفس الطريقة. وإذا توقع شيئاً مختلفاً فإنه لن يرى ضرورة في تغيير طريقته في التواصل مع الأشخاص الذين يملكون تجارب مختلفة جداً في الحياة، الذين قد ينظرون إلى المحسن المحتمل على أنه شخص يتمتع بامتيازات لا تخطر على بال أحد. سيكون من الصعب أن تكون حاضراً في مناطق غير مألوفة إذا كنت قد نسيت كيف تصلح حوض المطبخ بنفسك.

أطرك المرجعية ضيقة لأنك تملك مجال خبرة أساسي واحد (كحال الجميع). فلنعتبر ذلك الثمن الذي ندفعه مقابل فوائد الخبرات. فكل مجال أو قطاع له معارفه ومفرداته وطرق التواصل المختزلة الخاصة به، وهذا ما يتيح لمن يشملهم الاختصاص ذاته العمل بكفاءة. ولكنه أيضاً يحدّ من دخول الآخرين إليه ويجعله غامضاً بالنسبة لمن خارجه، كالمجتمعات السرية التي تتبع أساليب المصافحة السرية. ومن يحمل شهادة حقوق سينظر إلى كل نزاع كقضية قانونية، ومن يحمل شهادة ماجستير في إدارة الأعمال سيعتبر أن الأنظمة المالية هي حل لكل مشكلة. وفي بعض الأحيان، يمكن أن تطبق الأطر الذهنية الضيقة المكتسبة من أعوام النجاح بطرق تدعو للسخرية، خذ مثلاً رئيساً تنفيذياً سابقاً لأحد أنظمة المستشفيات، إذ كان يحاول تقديم مشورة لشركة ناشئة للخدمات الصحية الرقمية حول تطوير النتائج الصحية في القرى الريفية البعيدة شديدة الفقر في الهند. ومع استيائه من نقاش دار حول دفع القرويين للتوقف عن اللجوء إلى أشباه الأطباء، قال إنه يجب على القرى “اتباع خطة ضريبية”. ماذا؟ ناهيك عن حقيقة أن الناس الذين كان يحاول مساعدتهم لم يكن لديهم أدنى فكرة عما يقوله، كان ذلك اقتراحاً غير ملائم وفي غير محله. كان هذا القائد بحاجة إلى إطار مرجعي جديد كي يتمكن من الانتقال من إدارة مجموعة مستشفيات في الولايات المتحدة إلى التأثير في الصحة العالمية.

أصبحت عديم الصبر للحصول على النتائج. يعتاد الأشخاص الناجحون على الرضا الناتج عن تنفيذ الأعمال بسرعة وشطبها عن قوائمهم والانتقال إلى ما بعدها. مثلاً، أراد أحد مستثمري الأسهم الخاصة الاستثمار في الزراعة الصديقة للبيئة، فأخذ يضغط على المزارعين وغيرهم من مالكي الأراضي ويلح عليهم بشدة، ما أدى إلى نفور عدد كبير منهم، وكل ذلك لأنه لم يستطع التمهل ببساطة. ولكن لا يمكن معالجة التغير المناخي وغيره من المشاكل المستعصية الكبيرة وفق خط زمني سريع، لأن إيقاف الممارسات الحالية يحتاج إلى الوقت. ويمكن أن يحتاج إنهاء التفاوتات العنصرية أو الجنسية إلى وقت أطول، كما يندر أن تبنى التحالفات بين ليلة وضحاها، فهناك كثير من الفرق المختلفة التي يجب إقناعها.

إن نفاذ الصبر هو فخ يعيق المرء عن الاستكشاف أيضاً، وهذا بدوره يحد من الابتكار الذي يحتاج إلى تطوير الأفكار وفق عملية غير محدودة ذات نموذج حر.

أنت شديد التعلق بهويتك الوظيفية. الهوية الوظيفية مريحة، فهي تمنح المرء مكاناً في العالم ولقباً وانتماء. ولكن التعلق الشديد بهذه الأوسمة قد يعيق العمل متعدد الاختصاصات المطلوب في حل المشكلات الاجتماعية. ويعود جزء من السبب في ذلك إلى أن المرء لا يستطيع رؤية كيف يتولد التوافق من المعايير الداخلية للمجموعات، حيث يتشابه الجميع في لباسهم ولغتهم ويتعاملون مع نفس النوع من الأشخاص ويجرون اجتماعاتهم بالطريقة ذاتها. وإذا آمن أحدهم أن هذه المعايير الداخلية هي الطريق للنجاح فسيغفل عن نقاط القوة التي يحضرها الغرباء، وسينقل رفضه إلى الآخرين دون أن يدرك ذلك. قد يشعر الشخص، الذي يرى أن تجريده من بطاقة أعماله يعريه تماماً، برغبة في التباهي بلقب أو منصب غير ذي أهمية بالنسبة للقضية، ما قد يؤدي إلى نفور من يحتاج إلى التزامهم فيها. قد يتطلب حل المشكلات الاجتماعية التخلي عن الزخارف الوظيفية والتفكير بنفسك من منظور أوسع على اعتبارك قائداً للتغيير.

يحتاج العمل على معالجة المشكلات الاجتماعية إلى مهارات قيادية تتعدى ما يمارسه معظم القادة في مساراتهم المهنية وشركاتهم، وقد أطلقت عليها اسم “القيادة المتقدمة”، وهي إمكانية العثور على أفكار جديدة وإقناع من لا سلطة لك عليهم والعمل مع عدة أقسام ومؤسسات من أجل بناء التحالفات. يتطلب هذا النوع من القيادة تجاوز ما تعرفه والنظر من زاوية أوسع والاستماع إلى أصوات أكثر والتمعن في المشكلات من عدة زوايا. باختصار، عليك أن تتخطى فخاخ النجاح عن طريق التفكير خارج نطاق البناء.

اقرأ أيضاً: أساليب اتخاذ القرار

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!